وثائق امريكية عن نميري (22): الجنوب والشيوعيون
خاف الامريكيون من تسرب الشيوعية الى جنوب السودان
بعد استعمال اسلحة روسية، "فيتنام روسيا في افريقيا"
واشنطن: محمد علي صالح
اوردت حلقات سابقة من هذه الوثائق، من وزارة الخارجية الاميركية عن سنوات الرئيس المشير جعفر نميري، ان الاميركيين قلقوا من الميول اليسارية والشيوعية لثورة مايو التي قادها نميري (سنة 1969).  وقالت وثائق ان عددا كبيرا من وزراء اول حكومة كانوا شيوعيين او يميلون  نحو الشيوعية.  وكان واحدا من هؤلاء جوزيف قرنق، جنوبي شيوعي صار وزيرا لشئون الجنوب.
في البداية، اعتقدت الوثائق الامريكية ان نميري سيمنح الجنوب الحكم الذاتي، اعتمادا على العقيدة الشيوعية التي تعترف بحقوق الاقليات والقوميات. 
لكن، تغير الموقف الامريكي بعد ان سافر نميري الى روسيا، وعقد اتفاقية عسكرية مع الروس، ووصلت طائرات ودبابات من روسيا الى السودان، ثم الى جنوب السودان.
خافت الحكومة الامريكية من خطر ذلك على مصالحها الاستراتيجية.  ومن تسرب الشيوعية الى جنوب السودان، ثم الى دول  شرق افريقيا.  وخافت كنائس امريكية من الحاد الشيوعية على المسيحية في جنوب السودان.  واستغل الاعلام الامريكي هذه الاخبار، وعرضها في صور  مثيرة.
-----------------------------------
اسلحة روسية:
التاريخ: 14-12-1970
من: قسم البحوث والاستخبارات، الخارجية
الى: وزير الخارجية
صورة الى: السفير، الخرطوم
الموضوع: فشل محاولات تهدئة جنوب السودان
"تحاول حكومة نميري الثورية وقف تمرد الافارقة في جنوب السودان باكثر من وسيلة: أولا: برامج اقتصادية.  ثانيا: مساومات سياسية.  ثالثا: هجوم عسكري، مؤخرا صار مكثفا.
لكن، تزيد الحرب اشتعالا، وذلك بسبب وصول امدادات خارجية الى كل من الحكومة والمتمردين ...
يعتقد العسكريون السودانيون انهم، اذا احتلوا مطارا سريا للمتمردين، او طردوهم من مدينة او مدينتين، او ضربوا معسكراتهم بطائرات، انهم يهزمون المتمردين.  لكن، توضح  تقارير ان المتمردين لا يزالوا اقوياء، بل يزيدون قوة.
مؤخرا، وصلتنا تقارير بأن هؤلاء العسكريبن يستعملون طائرات "تي يو 16" روسية، يقودها طيارون مصريون.  لكن، عاد الرمح اليهم، لان بعض هذه الهجمات الجوية قتلت، عن طريق الخطأ، جنودا سودانيين. 
وايضا، وصلتنا تقارير بأن المتمردين حصلوا على مدافع للطائرات، واستطاعوا، خلال الفترة القصيرة الماضية، اسقاط ست طائرات.  ولا يبدو ان القصف الجوي سيهزم المتمردين، لانهم يعرفون بلادهم وغاباتهم، ولانهم غير نظاميين ...
في جانب الحكومة، زود الروس والمصريون والليبيون القوات السودانية باسلحة ومعدات ومستشارين.   لكن، لم يفعل هذا غير توسيع رقعة الحرب، وزيادة كثافتها. 
مؤخرا، وصلتنا المعلومات الآتية:
اولا: تشترك طائرات هليكوبتر روسية في الهجوم، بالاضافة الى القاذفات والمدمرات. 
ثانيا: تشترك في الهجوم، بالاضافة الى طيارين مصريين، طائرات مصرية. 
ثالثا: يوجد خبراء عسكريون روس في جوبا، مما يوضح انهم، حقيقة، صاروا طرفا في هذه الحرب.
في جانب المتمردين، تسلم المتمردون اسلحة كثيرة من مصادر خارجية حكومية وغير حكومية.  حكومية، مثل من اسرائيل التي تمدهم باسلحة خفيفة، وقنابل، ومعدات اتصالات.   وغير حكومية، مثل مرتزقة ومنظمات عسكرية تمدهم باسلحة وتدربهم ...
مؤخرا، قال خالد حسن عباس، وزير الدفاع، والذي يشترك في مفاوضات شراء الاسلحة الروسية، ان اسرائيل تعطي المتمردين اسلحة روسية كانت استولت عليها من المصريين في حرب يونيو سنة 1967.  وحصلنا نحن على وثائق كثيرة تثبت هذا الدور الاسرائيلي.
ويحصل المتمردون على اموال، واسلحة، وطعام، وتشجيع من منظمات دينية وخيرية غربية، عن طريق اثيوبيا ويوغندا.
بسبب الدعم الاجنبي للمتمردين، وخاصة الدعم الاسرائيلي، حدث شئ آخر، وهو تقوية الكولونيل جوزيف لاقو، قائد منظمة "انيانيا"، من رئاسته بالقرب من نمولي على الحدود بين السودان ويوغندا.  ورغم استمرار خلافات قبلية وسط "انيانيا"، زادت قوتها، وتوحدت اكثر مما كانت في الماضي.
اما بالنسبة لنميري، رغم انه ارسل قرابة ثلاثين الف جندي الى الجنوب، ورغم انه استعان بدول الاجنبية، يبدو انه لا يعرف صعوبة فرض حل عسكري على الجنوبيين. لكن، رغم ان المتمردين يواصلون تعطيل وعرقلة عمليات القوات المسلحة التي يرسلها نميري، حتى الأن، لم يصلوا مرحلة القدرة على موازنة هذه القوات.  يحتاجون الى اسلحة اكثر وتدريبات اكثر لتحقيق ذلك.
نعتقد ان نميري يحتاج الى ان يعرف انه يجب ان يقدم خطة حكم ذاتي واسع الى الجنوبيين.  غير ذلك، ستستمر هذه الحرب، وستتفاقم ... "
شيوعيون في الجنوب:
التاريخ: 11-3-1970
من: السفير: الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: تطورات جنوب السودان
"خلال شهري يناير وفبرائر، سافر الى الجنوب قادة من اتحاد نقابات العمال الشيوعي. 
قالوا انهم يريدون تاسيس نقابات عمال هناك، في منطقة لم تشهد نقابات وتنظيمات عمالية في الماضي.  لكن، اوضحت معلومات حصلنا عليها انهم يريدون الأتي:
اولا: تخفيض نفوذ واحزب السياسيين الجنوبيين التقليديين.
ثانيا: تاسيس قواعد سياسية "اشتراكية".
ثالثا: ارسال جنوبيين الى روسيا ودول شرق اروبا الشيوعية "للتدريب".
لكن، نعتقد نحن ان هذه الخطة لن تنجح.  وان النقابيين الشماليين، وهم عرب ومسلمين وسكان مدن، لن يقدروا على تأسيس نقابات عمال وسط الجنوبيين، وهم مسيحيين ووثنيين ومزارعي احراش ...
في الشهر الماضي، اصدر مجلس الوزراء قرارا بارسال شماليين "مؤهلين" الى الجنوب.  ونلاحظ ان القصد هو نفي الاعتقاد في الخرطوم بان الذين يرسلون الى الجنوب هم الكسالى وغير المؤهلين.
وفي يناير، جاء الى الخرطوم اللواء محمد عبد القادر، قائد القوات السودانية في الجنوب.  وفي مؤتمر صحافي، تحدث عن "هزيمة الخارجين عن القانون."  وقال ان قواته، في ديسمبر، سيطرت على معسكر للمتمردين في بورنقو، وقتلت ستين متمردا.  وايضا على معسكر بلانقو، على مسافة ثلاثين ميلا شرق جوبا.  وانها حصلت على "كمية كبيرة من الادوية الالمانية والامريكية" ...
رأينا في سياسة نميري نحو الجنوب:
اولا: في صدق، يريد حل المشكلة.  لكن، لم يقدم ما يثبت على انه يريد ان يفهم، او يقدر على فهم، مظالم الجنوبيين.
ثانيا: لم يفسر خطته، وهي: "نوع من الحكم الاقليمي داخل وحدة وطنية."
ثالثا: قال انه سيعين جنوبيين "موثوق بهم" لملء وظائف "فنية" في الجنوب.  ونحن نعتقد ان معنى هذا هو ان تبقى الوظائف الرئيسية في الجنوب عند الشماليين العرب.
رابعا: يعتقد انه سيرضي الجنوبيين بتقديم تنازلات صغيرة، واجراءات بيروقراطية، ودعايات في الصحف. 
خامسا: يركز كل اهتماماته على العالم العربي.
سادسا: لم يقدم ما يثبت انه يريد كسب ثقة الجنوبيين.  وهذه يجب ان تكون الخطوة الاولى قبل التفاوض حول حل رئيسي للمشكلة ... "
"واشنطن بوست":
التاريخ: 10-1-1971
من: وزارة الخارجية
الى: السفير، الخرطوم
الموضوع: تعليقات صحف امريكية عن السودان
"نرفق لكم تعليقات واخبار في صحف اميركية نشرت مؤخرا عن السودان ...
"واشنطن بوست" (1-1-1971):
راي: "حرب روسيا الخفية في السودان": رونالد ايفانز، روبرت نوفاك:
(مقتطفات):
"وسط احراش جنوب السودان، يزيد عدد العسكريين والخبراء الروس وهم يشتركون في حرب ضد متمردين من قبائل افريقية.  ها هم نقلوا المطامع الامبراطورية الروسية عبر نصف الكرة الارضية، الى احراش افريقيا.
يبدو غريبا ان هذه الحرب لا تجد اهتماما كافيا في الغرب، سواء من جانب السياسيين، او من جانب الصحافيين، او من جانب الخبراء. 
هذا هو نميري، جنرال عربي من الشمال، يريد الاستعانة بالروس لهزيمة زنوج افارقة في جنوب السودان.
وحصلنا نحن على معلومات بان الروس يبنون قادة صواريخ "سام" المضادة للطائرات، ليس في مصر، في منطقة قناة السويس لمواجهة اسرائيل، ولكن على البحر الاحمر بالقرب من ميناء بورتسوادان.
وايضا، حصلنا على معلومات بان البنتاغون يراقب هذه التطورات بخليط من الاهتمام والقلق.  وقالت لنا مصادر في البنتاغون ان الروس ارسلوا الى السودان سربين من طائرات "تي يو"، وست طائرات "اي ان"، ومجموعة من طائرات "ميج"، وكميات كبيرة من الاسلحة والمعدات، واعدادا كبيرة من المستشارين والمدربين.
وقبل اسابيع قليلة، ومن قاعدتهم العسكرية قرب جوبا، اشترك اكثر من مائة خبير عسكري روسي في هجوم بالجو والبر للاستيلاء على مطار صغير يستعمله المتمردون.  لكن، في وقت لاحق، استرد المتمردون المطار.
حسب هذه المعلومات، يبدو ان الزنوج الافارقة الشجعان الذين يكرهون عرب الشمال منذ مئات السنين، يكبدون الروس، وحلفيتهم حكومة الخرطوم، خسائر مثل التي يكبدها ثوار "فيات كونق"في فيتنام الجنوبية للقوات الامريكية وحليفتهم حكومة سايقون ... "
--------------------------------------
"واشنطن بوست"( 6-1-1971):
راي: "الامبريالية الروسية": جوزيف السوب:
(مقتطفات):
"قبل اسبوعين، حدث تغيير تاريخي في القاهرة.  ذهب دونالد بيرغس، كبير دبلوماسيينا في القاهرة، الى الرئيس المصري الجديد انور السادات (بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر).  وسأله عن تقارير سرية بان الروس يبنون قاعدة بحرية في مرسى مطروح.  في الماضي، كان كبار المسئولين المصريين ينفون مثل هذه التقارير السرية، ويقولون ان فيها مبالغات.  لكن، هذه المرة، اعترف الرئيس السادات.  وقال ان الروس يقدمون خدمات ومساعدات عسكرية كثيرة الى المصريين. وانه لا يقدر على ان يرفض مثل هذا الطلب.
نحن نرى ان مجرد هذا الانفتاح من جانب مثل هؤلاء المسئوليين يعتبر خطوة الى الامام.  لكن، يوضح هذا الاعتراف ان الموضوع ليس عابرا او مؤقتا، وان الامبريالية الروسية، باعتراف حلفائها، تتوسع وتتمدد في منطقة الشرق الاوسط الاستراتيجية ...
وفي افريقيا ايضا.  وذلك بدليل معلومات حصلت عليها بان الروس ارسلوا حشودا من الاسلحة والخبراء لمواجهة حرب في احراش افريقيا.  يريدون مواجهة تمرد قبائل نيلية ضد اسيادهم العرب في الخرطوم. 
وحسب هذه المعلومات، يشترك عسكريون روس، جنبا الى جنب، مع جنود حكومة الخرطوم في مواجهة المتمردين الزنوج ...
ثم لا ننسى ان الروس يتوسعون ويتمددون في الصومال، الى الشرق من السودان ... "
---------------------------------------
الحلقة القادمة: حرب نميري ضد زعيم الانصار في جزيرة ابا.
-------------------------------------
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.