وثائق امريكية عن نميري (24):
لماذا لم يتمرد الانصار داخل القوات المسلحة؟
فاروق حمد الله يريد منصب نميري
نميري يعتمد على الختمية والشيوعيين المعتدلين
واشنطن: محمد علي صالح
في الحلقة السابقة من هذه الوثائق الامريكية عن سنوات الرئيس المشير جعفر نميري، كانت هذه الوثيقة بتاريخ 2-4-1970:
"في خطاب بالتلفزيون الى الشعب السوداني، امس 1-4، اكد الرئيس السوداني نميري ان الامام الهادي عبد الرحمن المهدي قتل يوم 31-3.  لم يفصل نميري ما حدث في ابا، لكنه قال ان المهدي هرب من ابا بينما كان انصاره يتفاوضون مع القوات المسلحة لترتيب اجراءات استسلامهم ...
وقال نميري ان جنودا سودانيين في الكرمك، على الحدود مع اثيوبيا، تبادلوا اطلاق النار مع سيارتي "لاندروفر" كانتا تريدان عبور الحدود بالقوة.  وقتل الذين في السيارتين.  وان فحوصات طبية اثبتت ان واحدا منهم كان المهدي.
وتعمد نميري الاشادة بالمهدي الكبير، وبالثورة التي قادها لتحرير السودان.  وقال ان المهدي الكبير كان "نبيلا".  لكن، ارتكب ابناؤه واحفاده افعالا "شريرة".  وخلال الحديث عن الانصار، بدا نميري حزينا اكثر منه غاضبا.  وفرق بين الانصار وعائلة المهدي، وقال ان الانصاري العادي "بسيط، لكنهم يستغلونه."
وانتقد نميري ما اسماهم "الرجعيين والامبرياليين" وقال انهم (يقصد الاميركيين) يريدون خلق فيتنام وكوريا وهيروشيما ونجازاكي في السودان.  واشاد بما اسماها "القوى التقدمية الاشتراكية"، واشار الى روسيا والصين ومصر وسوريا والعراق والجزائر ... "
في هذه الحلقة تقييم الاستخبارات الامريكية لتمرد وقتل الامام المهدي:
---------------------------------------------
التاريخ: 10-4-1970
من: قسم الاستخبارات والابحاث، الخارجية
الى: الوزير
صورة الى: السفير، الخرطوم
الموضوع: السودان بعد هزيمة الانصار
(مقتطفات من التقرير):
الانصار:
"قبل مرور سنة على بدايته، قوى نظام نميري الثوري وضعه بعد المواجهة الناجحة ضد قوى الانصار الاسلامية المحافظة.  وبينما زاد المؤيدون لمصر داخل حكومة نميري، يظل اليمين المحافظ، في جانب، واليسار الشيوعي، في الجانب الآخر، يتمتعان بعضلات قوية على المسرح السياسي السوداني.
حسب معلوماتنا، قوة الانصار ما بين مليونين وثلائة ملايين شخص.  لكنهم فشلوا فشلا غير متوقع في مقاومة القوات الحكومية في معقلهم، في الجزيرة ابا.  نعم، في امدرمان، قضى الانصار على فرقة عسكرية كاملة.  لكن، في وقت لاحق، سيطرت القوات المسلحة على الوضع، وقتلت واعتقلت اعدادا كبيرة منهم.
لهذا، يبدو ان تمرد الانصار كان غير منظم.  لم يتمرد الضباط والجنود الانصار داخل قيادة القوات المسلحة في الخرطوم.  ولا في القيادة الغربية التي يكثر فيها عدد الانصار.  ووصلت الينا معلومات ان القيادة الغربية يمكن ان تتمرد.  لكن، نعتقد ان ذلك لن يحدث بدون انقلاب او ثورة في الخرطوم ضد نميري.
نقدر على  تقييم تصرف نميري خلال المواجهة مع الانصار كالاتي:
اولا: ضبط نفسه، وشجع الانصار في ابا على الهروب، بدلا من ان يقتلهم.
ثانيا: فرق بين الانصار وعائلة المهدي.  وقال ان العائلة تستغل "الانصاري البسيط".
ثالثا: عفا عن الانصار المتمردين، ما عدا القادة.  وكون لجنة لاعادة اعمار ابا.
ونفى الصادق الصديق المهدي، قائد الانصار القوي ...
ستعتمد عودة قوة الانصار على المسرح السياسي السوداني على عوامل معقدة، ليست فقط سودانية، ولكن اقليمية ايضا.  وذلك لان التطورات داخل السودان لها صلات قوية بعلاقاته مع العرب في جانب ومع الافارقة في جانب.
ستستمر قوة الانصار الدينية والثقافية والاجتماعية.  لكن، ستظل قوتهم السياسية معطلة، وتنتظر قائدا يقدر على قيادتهم بطرق حديثة ... "
قاروق حمد الله:
"لاحظنا انه، خلال المواجهة، ايد نميري قادة احزاب تقليدية اخرى، مثل السيد  محمد عثمان الميرغني، زعيم طائفة الختمية، المؤيد لمصر.  وعلمنا انه ايد نميري ضد  الانصار حسب طلب المصريين.  ويبدو ان هناك سببا آخرا وسط السياسيين التقليديين، وهو كسب نميري حتى يقلل اعتماده على الشيوعيين. 
وهكذا، وجد التقليديون انفسهم قريبين من نميرى اكثر من اي وقت، واكثر مما توقعوا.  وهكذا، قوى نميري وضعه من ناحيتين:
اولا: التاييد الثوري الخارجي بقيادة المصريين.
ثانيا: التاييد التقليدي الداخلي بقيادة الختمية.  
لهذا، نرى انخفاض احتمال انقلاب قريب ضد نميري، من داخل مجلس قيادة الثورة، او من خارجه.
لكن، حصلنا على معلومات ان فاروق حمد الله، عضو مجلس قيادة الثورة ووزير الداخلية وثاني اقوى عسكري في السودان بعد نميري، يظل يريد منصب نميري.  حسب معلوماتنا، في الماضي فكر حمد في الاعتماد على الانصار ليتمرد على نميري. لكن، بعد الذي حدث للانصار مؤخرا، غير رايه، وفضل، وزملاؤه في مجلس قيادة الثورة، التضامن مع نميرى.
غير ان طموح حمد الله للحصول على منصب نميري يظل مستمرا.  ولابد انه سيراقب تصرفات نميري، اذا اخطا في شئ ما، ليستغل ذلك ضده ... "
الشيوعيون:
"في الجانب الآخر، لان هزيمة الانصار قوت وضع نميري، بدا في تقليل الاعتماد على الشيوعيين. 
نفى الى الخارج عبد الخالق محجوب، امين عام الحزب الشيوعي.  وهناك سبب آخر للنفي، وهو ان نميري يريد تقوية فاروق ابو عبسي، وزير الدولة للشئون الخارجية، وهو اكثر تأييد للمصريين من محجوب.  كما ان ابو عيسى يشترك في صراع داخل قيادة الحزب ضد محجوب.
لا نعرف الخطوة التالية لنميري: هل يريد تقسيم الشيوعيين؟  او اخراجهم كلهم من حكومته؟
مع اقتراب العيد الاول لثورته، يظل نميري يميل نحو اليسار اكثر من اغلبية الشعب السوداني.  بل اكثر من اغلبية مثقفي المدن.  لهذا، وبعد ان هزم الانصار، ربما يريد تقديم تنازلات للقوى التقليدية.  لكن، اذا يريد ذلك، يجب عليه ان يدخل في وزارته معتدلين او محافظين.
ولهذا، امام نميري خياران:
الاول: يتحول نحو الوسط، ويجمع مختلف الاتجاهات السودانية، ويوحد السودان  تحت قيادته.
الثاني: يظل في وضع مثل الذي كان قبل تمرد الانصار، وهو وضع غير مأمون بالنسبة له، لانه سيواجه تمردا من جانبين: التقليديين في جانب، والشيوعيين في الجانب الاخر ... "
الوضع الامني:
"الأن في الخرطوم، رغم القضاء على تمرد الانصار، لاحظنا ان الوضع الامني صار متوترا.  زادت الحكومة الاجراءات الامنية، والاعتقالات، والتحفظات.  وصار السودانيون يحسون بعدم الامان، وبتوقعون اي تطورات في اي وقت.
يبدو ان الانصار كانوا قوة تخيف نميري، لانه الان بعد القضاء على تمردهم، اصدر قرارات شاملة باعتقال من يريد بحجة "حماية النظام الثوري".  ومصادرة ممتلكات من يريد بحجة "حماية الاقتصاد السوداني."  ويريد نميري اضفاء روح الشرعية على قرارات سابقة بمصادرة ممتلكات آل المهدي وأل الخليفة عبد الله.
وعند سؤاله عن عدد المعتقلين السياسيين، اعترف لنا فاروق حمد الله، وزير الداخلية، ان وزارته اعتقلت مؤخرا 300 شخصا، وبهذا ارتفع العدد الى 422.  لكن، يمكن ان يكون العدد اكثر من ذلك.  ايضا، اوضحت معلوماتنا ان الحكومة اعتقلت اشخاصا لم تكن لهم صلة بتمرد الانصار، وفقط لانهم كانوا انتقدوا نميري.
واعلن نميرى بداية محاكمات عسكرية لقادة الانصار.  ومنهم فاروق البرير، المحامي وعضو مجلس الشعب السابق، يوم 21-4.
رأينا:
اولا: رغم ان نميري قال انه يفرق بين الانصار وقادتهم، يبدو ان مثل هذه المحاكمات العسكرية والتحقيقات والاعتقالات تزيد التوتر والخوف بالنسبة للانصار، وبالنسبة لبقية السودانيين.
ثانيا: لان مئات الانصار قتلوا، نفهم ان نميري وزملاءه صاروا يخافون على ارواحهم اكثر من اي وقت مضى، ويريدون حماية انفسهم.  لكن، تزيد الاعتقالات والتحقيقات التي يقوم بها على الحد المعقول.  ويبدو انها تقود نحو تأسيس دولة دكتاتورية عسكرية يسارية ... "
المصريون:
"لم يخفى علينا، وعلى غيرنا، مغزى ان نميري نفى الى مصر، وفي نفس الطائرة، كلا من الصادق المهدي، زعيم حزب الامة، وعبد الخالق محجوب، امين عام الحزب الشيوعي. 
يبدو نميري وكأنه يريد اثبات انه معتدل، ولا يميل نحو اليمين ولا نحو اليسار.  هذا بالاضافة الى زيادة اعتماد نميري على شيوعيين ينافسون عبد الخالق محجوب، مثل: احمد سليمان، وزير الاقتصاد، وفاروق ابو عيسى، وزير الدولة للشئون الرئاسية والخارجية.
خلال فترة تمرد الانصار، لعب المصريون دورا فعالا، رغم ان تفاصيله لم تكشف في الوقت الحاضر.  وجاء الى الخرطوم انور السادات، نائب الرئيس جمال عبد الناصر، وامين هويدي، من كبار رجال الاستخبارات.
حسب معلوماتنا، خطط المصريون لتحالف بين نميري والسيد محمد عثمان الميرغني، زعيم طائفة الختمية، لمواجهة تمرد الانصار.  ويوجد سبب آخر، وهو خوف المصريين من ان يستغل الشيوعيون تمرد الانصار، ويزيدوا قوتهم داخل حكومة نميري، او يسيطرون عليها.
وخطط المصريون لاستعمال آلاف من العسكريين المصريين الموجودين في قاعدة جبل اولياء، جنوب الخرطوم.  وخلال اشتباكات ود نوباوي في امدرمان بين الانصار ورجال نميري، شوهدت طائرات مصرية تحلق فوق المنطقة.  لكن، لا نملك معلومات بان المصريين استعملوا هذه الطائرات ضد الانصار.
على اي حال، صار واضحا ان المصريين كسبوا لاكثر من سبب:
اولا: الأن يعتقلون عبد الخالق محجوب، سكرتير الحزب الشيوعي.  ويعرفون ان معنى ذلك هزيمة التيار المعارض لمصر داخل الحزب الشيوعي امام التيار المؤيد لها.
ثانيا: لأن حزب الامة ظل شوكة في السودان في حلق الرئيس عبد الناصر لقرابة عشرين سنة، لا يقدر المصريون على اخفاء سعادتهم لهزيمة نميري لحزب الامة والانصار ... "
المستقبل:
"في البداية، اعتقد نميري ان تمرد الانصار سيكون شاملا وفي كل البلاد، وخاصة في القوات المسلحة.  وذلك لان نصفها تقريبا من ضباط وجنود ينتمون الى، او يعطفون على، طائفة الانصار.  لكن، بعد ان تأكد له غير ذلك، عرف انها ستكون حربا سريعة وحاسمة بين طائرات "ميج 21" وحراب وسيوف وبنادق عتيقة.
بالنسبة للمستقبل، صار واضحا ان نميري لا يزال لا يثق في القوات المسلحة.  ولهذا، يريد الاعتماد على الشيوعيين.  لكنه،  في نفس الوقت:
اولا: يخاف من سيطرة الشيوعيين عليه، او استبدالهم له بشخص آخر (فاروق حمد الله؟  هاشم العطا؟  بابكر النور؟).
ثانيا: يعرف ان السبب الرئيسي لغضب الانصار عليه هو تحالفه مع الشيوعيين.  لهذا، خطط نميري ليتحالف مع مجموعتين:
في جانب: شيوعيين ليسوا متطرفين. 
في جانب: تقليديين ليسوا انصارا.
ووجد نميرى ضالته في السيد محمد عثمان الميرغني.  رغم ان الميرغني كان قائد الحزب الاتحادي الديمقراطي الذي الغاه نميري عندما وصل الحكم (سنة 1969)، يبدو ان الميرغني يريد ان يركز على دوره كزعيم لطائفة الختمية، المناهضة لطائفة الانصار، عبر تاريخ السودان الحديث.
لكن، يظل الميرغني يعارض الشيوعية ويراها عقيدة الحادية.  وقال ذلك في وضوح في اغسطس الماضي، خلال تشييع جثمان الرئيس السوداني السابق اسماعيل الازهري.  لهذا، يريد نميري تخفيف اعتماده على الشيوعيين، او، على الاقل، الشيوعيين المتطرفين.
حسب معلوماتنا، طلب نميري من قادة الحزب الشيوعي الاعتدال.  ولكن، اكثر من نميري، يعرف الشيوعيون ان المعارضة ضعيفة.  وان نميري يبالغ في خوفه من هذه المعارضة.
لهذا، وزع الشيوعيون، او ربما المتطرفون وسطهم، منشورات تطلب من نميري الاستمرار في "حماية الثورة باتخاذ اجراءات ثورية وحاسمة." وطلبوا:
اولا: تاميم كل البنوك والشركات الاجنبية. 
ثانيا: توزيع اسلحة على مليشيا "ثورية." 
ثالثا: الاستمرار في تطهير "الرجعيين والمعارضين للثورة."
لهذا، نتوقع ان نميري في المستقبل، لأنه لا يثق في اليمين او في اليسار، سيحاول ارضاء هؤلاء، ثم ارضاء اولئك.  مثل عندما وافق مؤخرا على مظاهرة شيوعية، هتفت وطالبت براس الامام المهدي المقتول.  وايضا هتفت "داون داون يو اس ايه" وهذا هتاف مفضل في شوارع الخرطوم ... "
----------------------------------------- 
الحلقة القادمة: انقلاب هاشم العطا