انقلاب حسن حسين
لحسن حظ نميري، فشل، ونسي زملاؤه خلافاتهم معه
واشنطن: محمد علي صالح
هذه هي الحلقة الثامنة من مقتطفات من وثائق وزارة الخارجية الامريكية عن حكومة المشير جعفر نميري (1969-1985).  بداية بسنة 1975 (آخر سنة كشفت وثائقها).  
مع بداية السنة، اجري نميري تعديلا وزاريا كبيرا عزل فيه وزراء "معتدلين"، مثل منصور خالد، وزير الخارجية، وابراهيم منعم منصور، وزير المالية.  ورجح كفة "يساريين" مثل بدر الدين سليمان، واحمد عبد الحليم.  
لكن، بعد شهور قليلة، واجه نميري صعود نجم ابو القاسم محمد ابراهيم كمنافس قوي.  ووقف "اليساريون" الى جانب ابو القاسم.  وبدأوا يخططون ليتخلى نميري عن وزارة الدفاع.  وخاف نميري من انقلاب عسكري داخلي ضده يقوده ابو القاسم واليساريون.
لهذا، في منتصف السنة، اعاد نميري ثلاثة من زملائه القدامى الذين غامروا بارواحهم، وقادوا معه الانقلاب العسكري سنة 1969: خالد حسن عباس، ومأمون عوض ابو زيد، وابو القاسم هاشم.  وبدأت موازين القوى تتغير، بداية باختفاء نجوم "يساريين" مثل بدر الدين سليمان.
لكن، عرف نميري ان خالد حسن عباس يحشد ضباطا موالين له في القوات المسلحة. وعزل نميري بعضهم، وشك في نوايا عباس.  
ويوم 5-9-1975، قاد حسن حسين انقلابا عسكريا.  ولحسن حظ نميري، حدث شيئان: اولا: فشل الانقلاب.  ثانيا: التف حول نميري اعضاء مجلس قيادة الثورة، ونسوا خلافاتهم.  
وهكذا، ضمن نميري لنفسه سنوات اكثر في الحكم:
------------------------

انقلاب حسن حسين:

التاريخ: 5-9-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: فشل محاولة انقلاب
"في الصباح الباكر، سمعنا اصوات مدافع وبنادق.  وبالقرب من مبنى السفارة.  وفي وقت لاحق سمعنا اصواتا مماثلة بالقرب من القصر الجمهوري.
في وقت لاحق، علمنا ان قائد محاولة الانقلاب هو حسن حسين عثمان. وانه قتل.  لا نعرف اي شئ عنه.  ولا يعرف "أوار كونتاكتز" (الذين يمدوننا بمعلومات) اي شئ عنه.  عرفنا انه اخ اللواء  بالمعاش عثمان حسين الذي احاله نميري الى المعاش، ثم ارسله سفيرا الى يوغسلافيا.  وحسب معلومات في ملفاتنا، نعتقد ان عثمان حسين كانت له علاقات بحزب الامة قبل انقلاب نميري سنة 1969...
هناك معلومات ان حسن حسين واخرين معه لهم صلات بالاخوان المسلمين، او، على الاقل، مع جماعات دينية يمينية.  وكان مع الاخوان المسلمين عندما كان طالبا في مدرسة ثانوية في مديرية كردفان.  ونعتقد ان لهذه الاشاعات صلة باعلان حسن حسين الغاء لوتري المباريات الرياضية ("توتوكوره") ...
قبل ان ينتصف النهار، سمعنا اصواتا مدافع وبنادق بالقرب من القصر الجمهوري، واعتقدنا، وكان اعتقادنا صحيحا، ان العسكريين المؤيدين لنميري يقاومون الانقلاب. ثم انتقل اهتمامنا الى الاذاعة والتلفزيون.   لم يصاب اي امريكي باذى، وسمحنا للموظفين السودانيين، حسب طلبهم، ان يعودوا الى منازلهم ...
ليست هناك شكوك ان الشارع خرج تأييد لنميري.  وايضا، ايد نميري القادة العسكريون والوزراء وكبار المسئولين.  وقبل ان يعرفوا ان الانقلاب سيفشل، خرج متظاهرون يحملون صور نميري لمواجهة قوات حسن حسين التي كانت سيطرت على القصر الجمهوري.  وحتى عندما اطلقت تلك القوات طلقات في الهواء، لم تقدر على ان تفرق المتظاهرين ... "

بداية الاحداث:

" ... بدأت الاحداث في الصباح الباكر، عندما سمعنا اصوات مدافع وبنادق.  وصارت اذاعة امدرمان مصدر المعلومات الرئيسي بالنسبة لنا.  
في السادسة والنصف صباحا، قدم راديو امدرمان الضابط حسن حسين عثمان الذي اعلن ان ثورة مايو فشلت، واعلن حل مجلس الوزراء، والاتحاد الاشتراكي السوداني، والامن القومي، ومجلس الشعب، والغي "توتوكوره".  واعلن اطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين ...
كان اليوم هادئا لانه يوم جمعة.  
في وقت لاحق، اعلن حسن حسين اطلاق الحريات العامة، واكد على حرية الصحافة، واستقلال القضاء، وحرمة الجامعات.  كان مقررا ان يسافر نميرى الى كسلا في نفس الصباح.  وخلال ساعات الصباح لم يكن يعرف مصيره.
ثم تحدث في الاذاعة محمد الباقر احمد، نائب نميري، وقال: "اسكت الى الابد صوت قائد محاولة الانقلاب."  وكانت هناك اشاعات عن قتل نميري، لانه لم يتحدث بدلا عن نائبه.  ولان حديثه في الاذاعة والتلفزيون، في الواحدة وخمسة واربعين دقيقة ظهرا، كان مسجلا ...
مما قال نميري: "هزمنا الشيوعيين، سنة 1971، وهزمنا تمرد الاخوان المسلمين سنة 1973، ومعهم نقابات العمال، وجامعة الخرطوم ... لم يكن عدد الضباط الذين اشتركوا في محاولة الانقلاب اليوم كاف لانجاحه ...  لم يكن هدفهم الحكم، ولكن هز النظام، ووقف التقدم نحو الاشتراكية ... كانوا يريدون قتل نميري ليسقط النظام.  لكن ثورة مايو ليست ثورة رجل واحد ...  لم يهزم نميري وزملاؤه هذه المؤامرة، ولكن هزمها الشعب والقوات المسلحة، تأكيدا لتأييدهم لثورة مايو ... "
قبل نميري، كان ذهب الى الاذاعة، وتحدث فيها  ضد محاولة الانقلاب زملاوه في انقلاب سنة 1969 الذي جاء بهم الى الحكم: ابو القاسم محمد ابراهيم، وخالد حسن عباس، ومامون عوض ابوزيد.  بالاضافة الى احمد عبد الحليم، وزير الاعلام ... "

اليوم التالي:

التاريخ: 6-9-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: الانقلاب الفاشل
"اليوم، صدرت صحف الخرطوم تحمل اخبار الانقلاب الفاشل، وصور القتلى والجرحى وصور مظاهرات التأييد لنميري.  وايضا، صورة حسن حسين يتعالج.  قلنا امس انه قتل لان الباقر، نائب نميري، قال ذلك.  ولأن اذاعة بغداد قالت ان احمد عبد الحليم، وزير الاعلام، قال ذلك ...  
وايضا، نقلت الصحف برقيات التأييد من الرئيس المصري السادات، والملك السعودي خالد.  وكان هناك ثلاثة وزراء في لندن، وايدوا نميري: منصور خالد، وزير التربية، ومصطفي عثمان حسن، وزير الاشغال، وبونا ملوال، وزير الدولة للاعلام.  وفي القاهرة، ذهب السيد محمد عثمان الميرغني الى السفارة السودانية، واعلن تأييده لنميري ...
حسب معلوماتنا، كان نميري وزملاؤه يعرفون وجود اتصالات وتحركات داخل القوات المسلحة، لكنهم لم يعثروا على ادلة واضحة.  ونميري نفسه قال: "كان ما حدث معروفا لي وللمؤسسات الامنية."  لكنه قال ذلك وكأنه كان ينتظر وقوع الانقلاب.  ونحن نعتقد انه بالغ في تصوير مدي معرفته بما كان يخطط ضده حسن حسين والذين تحركوا معه.
وقال نميري ان الجبهة الوطنية وراء الانقلاب، وهي التي تضم الاحزاب التقليدية: حزب الامة، الاتحادي الديمقراطي والاخوان المسلمين.
وعلمنا ان عبد الماجد ابو حسبو، من قادة الاتحادي الديمقراطي، كتب بيان الانقلاب، وساعده زميله احمد زين العابدين.  عندما زار الرئيس السادات الخرطوم، كانت الشرطة اعتقلت حسبو وزين العابدين بتهمة توزيع منشورات مضادة ... "

اليوم الثالث:

التاريخ:7-9-1975
من: السفارة، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: نميري يخاطب الشعب
"تحدث نميري لسبعين دقيقة عن تفاصيل الانقلاب العسكري الفاشل.  ومرة اخرى، اتهم الجبهة الوطنية.  وسمي اسماء، منها:
احمد زين العابدين، وقال انه كان يريد ان يكون رئيسا للوزراء، وعبد الماجد ابو حسبو.  وفيليب عباس غبوش الذي وصفه نميري انه عميل لاسرائيل.  والشريف الهندي من الاتحادي الديمقراطي، وبابكر كرار من الاخوان المسلمين، والصادق المهدي وعمر نور الدائم من حزب الامة، وعز الدين على عامر من الحزب الشيوعي.  وابوبكر العوض، وهو مذيع في الاذاعة السودانية، وحسب معلوماتنا كان بتعاون مع اذاعة "صوت امريكا".   
وخاطب نميري القذافي واتهمه بأنه وراء المحاولة، وسأله اذا كان يقبل ان تكون الخرطوم قاعدة لمحاولة انقلاب في ليبيا.
وتحدث نميري عن اسلحة وعملات اجنبية، ومنشورات وزعت في جامعة الخرطوم، وقال انه امر بأغلاق الجامعة، وسيعيد فتحها تحت لواء الاتحاد الاشتراكي ... "

نميري محظوظ:

التاريخ: 17-9-1975
من: السفير ، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: نميري يصير قويا
"صار نظام نميري اكثر قوة بعد فشل الانقلاب العسكري، وذلك لأكثر من سبب:
اولا: فشل الانقلاب، وطبعا كان يمكن ان ينجح ويقضي على نميري.
ثانيا: هبت الجماهير لتأييد نميري، مثل الذين ذهبوا الى القصر الجمهوري وهتفوا ضد قوات حسن حسين قبل ان يعرفوا ان الانقلاب سيفشل.
ثالثا: التف حول نميري زملاؤه في مجلس قيادة الثورة السابق.  وتحدث في الاذاعة يوم فشل الانقلاب ابو القاسم محمد ايراهيم الذي كان نميري يشك في تحالفه مع اليساريين.  وايضا خالد حسن عباس الذي اعاده نميري لمواجهة ابو القاسم، ثم شك نميري فيه هو نفسه.
وهكذا، زادت ارصده نميري في علاقاته مع الرئيس المصري السادات، والملك السعودي خالد.  وصار واضحا انه فقد اي امل في القذافي.  وربما كان يشك في نواياه منذ البداية.  لكن، كذب نميري عندما قال ان ليبيا ارسلت الاموال لصالح الانقلاب، وذلك لأنه تأكد، في وقت لاحق، ان الاموال من بنك السودان والسوق الحرة.  ما تعادل ثمانية وسبعين الف دولار  
وايضا، زادت اسهم نميري الداخلية.  وصار معارضوه في وضع صعب، وقال لهم في وضوح ان من ليس معه فهو ضده.  واعلن حملات تطهير تقضي على معارضيه. ودعا الى تعديل الدستور لمحاربة "اعداء الثورة".  وصار واضحا ان السودان دخل مرحلة جديدة، تقل فيها الحرية اقل مما كانت، وتزيد فيها سلطة النظام اقوى مما كانت ... "
--------------------------------
 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. <mailto:عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.>