الميرغني: ايدت نميري بشروط
ويريد تحسين علاقة الختمية مع امريكا
السفير الامريكي: "ولدا الميرغني ليسا من الاذكياء "
منصور خالد: حكومة قادرة وملتزمة
واشنطن: محمد علي صالح

في الحلقة السابقة من هذه الوثائق الاميركية، وردت ردود فعل، بعد ايام قليلة من الانقلاب العسكري، يوم 25 مايو سنة 1969، الذي قاده العقيد جعفر نميري، واسقط حكومة ديمقراطية انتخبها السودانيون انتخابا حرا:
نقلت الوثائق مقابلة، بعد اسبوعين من الانقلاب، اجراها صحافي مصري مع نميري، وساله عن فلسفته السياسية.  وتلعثم نميري.  مرة قال انها امريكية (لانه كان درس في كلية عسكرية في امريكا).  ثم قال انه ليس ليبراليا.  ثم قال انه اشتراكي، لكن ليس متطرفا.  ثم قال انه تقدمي، وقومي عربي.
ونقلت الوثائق قول خليل عثمان، رجل اعمال سوداني كان يعمل في الكويت، ان الشريف الهندي، وزير المالية في الحكومة التي اسقطها نميري، كان يرتشي.  وقول عبد الله غندور، وكيل سابق لوزارة المالية، ان نميري لم يكن ذكيا، وان زملاءه في مجلس قيادة الثورة لم يدرسوا الجامعة،  و"رؤوسهم فارغة".
في هذه الحلقة وثائق عن السيد محمد عثمان الميرغني، زعيم طائفة الختمية، ومنصور خالد، وزير الشباب في حكومة الانقلاب، وغيرهما:

محمد عثمان الميرغني:

التاريخ: 21-6-1969
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
لللعلم: السفير، لاهاي
الموضوع: مقابلة الميرغني
"ليلة امس، دعاني السيد محمد عثمان الميرغني، زعيم طائفة الختمية، لعشاء خاص في بيته، وكان هناك اخوه احمد الميرغني.  ولاكثر من ساعتين، تحدثنا عن الانقلاب العسكري الذي قاده نميري، والذي مضى عليه شهر تقريبا.
قال محمد عثمان انه يريد ان يبلغني، ويبلغ الحكومة الامريكية، انه ايد انقلاب نميري تأييدا مشروطا، لكنه سيعارض، بكل طريقة ممكنة، اي زيادة للنفوذ الشيوعي في السودان عن طريق حكومة نميري ...
وقال انه قال ذلك لبابكر عوض الله، رئيس الوزراء، عندم زاره في بيته، بيت الميرغني، وطلب منه تأييد الانقلاب.  وان بابكر عوض الله نفى ان الحكومة شيوعية، او يسيطر عليها الشيوعيون.  وتعهد ان يبذل كلما يقدر لمنع الشيوعيين من السيطرة على الحكم في السودان.  واشار الى "علاقة الاب والابن" التي كانت تربطه مع السيد على، والد السيدين محمد عثمان واحمد ...
وقال محمد عثمان انه يعرف ان حكومة نميري فيها عدد من الشيوعيين.  لكنه ايدها على شرط ان تكون اتجاهاتها عربية واسلامية.  
وشن هجوما عنيفا على الشفيع احمد الشيخ، الرئيس الشيوعي لنقابة عمال السكة الحديد، وقال انه سيبذل كل ما يستطيع لمواجهته.  وانه، فعلا، اصدر اوامر لقادة الختمية في كل من عطبرة وبورتسودان لمواجهة النفوذ الشيوعي المتزايد في المدينتين.  
حسب معلوماتنا، توجد في كل من عطبرة وبورتسودان نقابات عمال يقودها شيوعيون: الاولى لعمال السكة الحديد، والثانية لعمال الميناء.  وفي نفس الوقت، يوجد في المدينتين نفوذ كبير للختمية، ونعتقد ان السيد محمد عثمان كان يقصدهم عندما اشار الى هذه النقطة ...
وحسب مصادرنا الخاصة، قبل ايام، زار عطبرة وزير المواصلات الجديد (تعليق: هل كان بدر الدين سليمان؟).  وتحدث في مظاهرة نظمتها نقابة عمال السكة الحديد.  وكان هناك عمال ليسوا شيوعيين.  ورغم انهم استمعوا الى خطاب الوزير وصفقوا له، لكنهم، بعد نهاية الخطاب، هتفوا: "لا شيوعية، ولا الحاد."  وبعد مغادرة الوزير، تعارك الشيوعيون مع غير الشيوعيين.
وقال لنا د. نور (تعليق: لا توضح الوثيقة من هو د. نور) ان الاخوين محمد عثمان واحمد الميرغني، حقيقة، قلقان على زيادة نفوذ الشيوعيين، خاصة في مدن الشمال والشرق حيث لطائفة الختمية نفوذ كبير.
وقال د. نور ان محمد عثمان قابل، مؤخرا، جعفر نميري، رئيس مجلس قيادة الثورة، وذلك "بعد ان تاكد للسيد، من اتصالات كثيرة مع عدد من المستشارين والمصادر، ان نميري ليس شيوعيا."  وان محمد عثمان قال، بعد المقابلة: "تأكد لنا ان نميري، وآخرين في مجلس قيادة الثورة، وبعضهم ينتمون الى طائفة الختمية، سيقدرون على وقف زيادة النفوذ الشيوعي في السودان."
راينا في ولدي السيد على الميرغني، محمد عثمان واحمد، كالآتي:
اولا: لا نقدر على وصفهما بأنهما من الاذكياء، ومن الذين يمكن ان يكونوا قادة اقوياء.  
ثانيا: نحن متأكدون من انهما، طبعا، وطنيان، ومخلصان، ويتمتعان بتاييد الختمية.  
ثالثا: بسبب العامل الديني، يعارضان في صدق النفوذ الشيوعي في السودان.
رابعا: يمكن الاعتماد عليهما في حملة شاملة ضد الشيوعيين، اذا تأكد لهما ان الشيوعيين يريدون السيطرة على السودان.
خامسا: يريدان، في صدق، تقوية علاقة الختمية مع الولايات المتحدة.
سادسا: نحن، طبعا، لم نكن ابدا قريبين من الختمية، منذ قبل استقلال السودان (قبل خمس عشرة سنة تقريبا).  وذلك لان والدهما، السيد على الميرغني، كان يميل كثيرا نحو مصر.  وايضا قادة ختمية آخرون، مثل الشيخ على عبد الرحمن (من قادة الحزب الاتحادي الديمقراطي، وكان وزير داخلية في حكومة محمد احمد محجوب التي عزلها انقلاب نميري) ...

منصور خالد (1):

التاريخ: 18-6-1969
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
للعلم: السفير، لاهاي
الموضوع: منصور خالد
"صباح اليوم، جاء لزيارتي منصور خالد، موظف سابق في الخدمة المدنية في السودان، والآن، ومنذ سنوات، مع منظمة "اليونسكو" في باريس.  قال انه جاء الى الخرطوم في اجازة.  وقريبا، سيسافر الى الولايات المتحدة، محاضرا، لعدة اسابيع، في جامعة كولورادو.  ومن هناك، الى اديس ابابا، مديرا لبرنامج "اليونسكو" في افريقيا.
قال انه "مايلدلي اوبتمستيك" (متفائل في اعتدال) نحو الحكومة الجديدة.  في جانب،  الحكومة "كومبيتنت" (قادرة) و "ديديكيتد" (ملتزمة).  وفي الجانب الآخر، مشكلتها الرئيسية اقتصادية، وحل هذه ربما مستحيل.
وقال انه لا يقلق كثيرا لنفوذ الشيوعيين داخل الحكومة، لانهم مؤهلون، ولأن نميري يقدر على السيطرة عليهم.  وان نميري قال له ان القرارات التي اصدرها مجلس قيادة الثورة، مؤخرا، ومنعت تنظيمات معينة، استهدف منظمات شيوعية ومنظمات موالية لمصر، بهدف تقليص نفوذها.
وقال انه ونميري كانا زميلي دراسة، وصديقين لفترة طويلة.  وان نميري "قود مان" (رجل جيد)، لكنه لا يملك خلفية وتجربة في حكم البلاد.
وقال ان نميري قال له ان مجلس قيادة الثورة يقدر على السيطرة على البلاد، لكنه لاحظ ان المجلس، في الوقت الحاضر "يعمل في فراغ"، بسبب قلة الكفاءة والخبرة العملية.
وقال ان نميري طلب منه ان ينضم الى مجلس استشاري لمجلس قيادة الثورة.  وانه، منصور، سيفكر في الموضوع.  وسيقرر فيه بعد ان يعود من جامعة كولورادو في الولايات المتحدة ... "

منصور خالد (2):

التاريخ: 21-6-1969
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
للعلم: السفير، لاهاي
الموضوع: منصور خالد
"عين نميري منصور خالد وزيرا للشباب والرياضة.  
(تعليق: تاريخ هذه الوثيقة بعد ثلاثة ايام فقط من تاريخ الوثيقة السابقة، يوم قابل خالد السفير الامريكي.  هل كان خالد يعلم ان نميري سيختاره وزيرا؟)
مؤخرا، قابل خالد مسئول "يو اس آي اس" (المكتب الاعلامي الامريكي) في الخرطوم.  واكد له تعيينه وزيرا.
وقال خالد له ان نميري، رئيس مجلس قيادة الثورة، رفض اقتراحا من بابكر عوض الله، رئيس الوزراء، بتعيين وزيرين شيوعيين جديدين في الحكومة.  وان نميري قال انه يريد وزراء غير شيوعيين.
وقال خالد ان واحدا من الوزيرين اللذين رفضهما نميري كان محمد سليمان، اخ احمد سليمان، شيوعي قديم، ومؤخرا عين سفيرا في موسكو.
وقال خالد انه لا يزال يريد السفر الى جامعة كولورادو، لانه التزم بقضاء خمسة اسابيع هناك للتدريس خلال فترة الصيف.  ثم يعود ليتسلم منصبه الجديد ... "

المصريون:

التاريخ: 12-6-1969
من: السفير، القاهرة
الى: وزير الخارجية
صورة الى: السفير، الخرطوم
الموضوع: انقلاب السودان
"صباح اليوم، قابلت حسن صبري الخولي، مستشار الرئيس المصري السادات.  وقال انه كان قابل، قبيل مقابلتي، سفير مصر في السودان.  وتحدثا عن الانقلاب العسكري في السودان هناك.
وكان واضحا من كلام الخولي انه مرتاح للانقلاب.  وانه ليس قلقا على نفوذ الشيوعيين في الحكومة الجديدة.  بل قال انه لا يوجد شيوعيين في مجلس قيادة الثورة.  ويوجد اثنان فقط في مجلس الوزراء.  وان المصريين يعرفون بابكر عوض الله، رئيس الوزراء الجديد، معرفة جيدة.  وانه ليس شيوعيا.  وان نظام نميري قومي عربي، ولا يعادي الغرب.  ويزيد تأييد الشعب السوداني للنظام يوما بعد يوم.  رغم ان المثقفين والطبقة الوسطى يفضلون الانتظار، قبل اصدار حكم نهائي.
لكن، انتقد الخولي قرار نميري بالاعتراف بالمانيا الشرقية (الشيوعية).  وقال انه خطأ كبير، واتخذ لاسباب "جايلدش" (صبيانية).
وقلت انا له انني لم اقرأ تحليلات صحافية او حكومية متكاملة لانقلاب السودان.  ويبدو لى ان المصريين ليسوا متاكدين كيف يقيمون نميري، وماذا سيفعلون معه.  وانني قرأت تحليلات تشبه نميري بعبد الكريم قاسم ...
(تعليق: في سنة 1958، قاد قاسم ثورة العراق التي قضت على العائلة الهاشمية الماكلة.  وسحبت العراق من حلف عسكري مع تركيا واميركا وبريطانيا.  وتحالف مع روسيا).
وقالت له ان قاسم، في البداية، تحالف مع المصريين.  ثم تحول نحو الشيوعيين. وكان حاكما دمويا.  وان نميري لا يبدو  متطرفا ودمويا مثل قاسم.
لفترة قصيرة، فكر الخولى في كلامي، ثم قال انه يتفق معي.  وان الحقيقة هي ان المصريين لا يعرفون اي شئ عن نميري.  وانه، الخولي، رغم خلفيته العسكرية، لا يؤيد سيطرة العسكريين على الحكم، لان مشاكل الحكم كثيرة ومعقدة ... "

الروس:

التاريخ: 11-6-1969
 من: قسم الاستخبارات والمعلومات، وزارة الخارجية
الى: وزير الخارجية
(صور الى السفراء في دول المنطقة)
الموضوع: النفوذ الشيوعي في القرن الافريقي
"يهتم الروس بالدول الاربعة التي تقع جنوب مصر، السودان واثيوبيا والصومال وكينيا، دول القرن الافريقي، لانها في موقع استراتيجي هام بين المحيط الهندي والبحر الابيض المتوسط.  
ويقسم الروس هذه الدول الى موالية للغرب، اثيوبيا وكينيا، والى مسلمة، السودان والصومال.  وبالنسبة لاثيوبيا وكينيا، ينتظرون وفاة او عزل الامبراطور هيلاسلاسي والزعيم جومو كنياتا.  ويتوقعون تغييرات كثيرة بعد ذلك.  وبالنسبة للسودان والصومال، يستغلون كل فرصة لزيادة نفوذهم ...
لهذا، يمكن القول ان الانقلاب العسكري اليساري في السودان، بقيادة نميري، يجب ان يثير قلقنا ...
اذا صار السودان شيوعيا، او انحاز نحو روسيا، ستنقلب موازين القوى في القرن الافريقي.  وسيحقق الروس خبطة لم يكونوا حتى يحلمون بها.  وفي هذه الحالة، يجب ان نهتم بمصير حليفتنا اثيوبيا ... "
---------------------------------------------
الحلقة القادمة: تعديل وزاري، ونميري يطرد شيوعيين
----------------------------------------------
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. <mailto:عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.>