دراسة حالة إفرادية: الفرار من كالوكيتنغ، جنوب دارفور
349 -    أجرت اللجنة مقابلات مع عدة شهود عيان تتعلق باغتصاب ثلاث نساء أثناء فرارهن من الهجوم على قريتهن المسماة كالوكيتنغ بجنوب دارفور، في حوالي شهر آذار/مارس 2004؛ وقد قتلت إحداهن أثناء ذلك. وتلقت اللجنة المعلومات التالية بشأن هذا الحادث:
        هوجمت القرية في حوالي الرابعة صباحا. ودخل البيوت رجال يحملون الأسلحة ويرتدون ملابس كاكية اللون، ووجوههم مغطاة. وكانت هناك أسلحة كثيرة منها بنادق الكلاشينكوف والرشاشات طراز DSHK والمسدسات طراز GM وكذلك مَركبات خضراء. وكان الجيش هناك، وكان الجميع يرتدي الملابس الكاكية اللون. وكانت هناك طائرتان أو ثلاث طائرات بيضاء وخضراء أتت على ارتفاع منخفض جدا. وهاجمت طائرة بيضاء. وأدلت إحدى الضحايا بما يلي: "كانت الساعة نحو الرابعة صباحا عندما سمعت دوي إطلاق النار. وهرب ثلاث منا معا. وكنا جارات. ثم أدركنا أننا لم نحمل معنا ما لدينا من ذهب. فلما عدنا رأينا الجنود. فقالوا لنا: قفن! قفن! كان هناك عدة جنود. وأعطى أولهم سلاحه إلى صاحبه وأمرني أن استلقي على الأرض. وجذبني وألقاني على الأرض. ثم خلع سرواله. وشق ثيابي وكان هناك شخص يمسك يداي. وأولج [كناية عن الجماع]. ثم أولج الثاني، ثم أولج الثالث. وعجزت بعد ذلك عن الوقوف. وكانت هناك فتاة أخرى. فلما قال لها: استلقي على الأرض، قالت: لا. اقتلني. كانت شابة. كانت بكرا. كانت مخطوبة. فقتلها". وذكرت المرأة الثالثة، التي كانت هناك أيضا أنها اغتصبت بنفس الطريقة.

        دراسة حالة إفرادية: خارج مخيم زمزم للمشردين داخليا في شمال دارفور
350 -    أجرت اللجنة أيضا مقابلات مع شاهدات عيان لحادث آخر يتعلق بمجموعات من النساء ذهبن لبيع الحطب في السوق في الفاشر في حوالي شهر تشرين الأول/أكتوبر 2004. وحصلت اللجنة على المعلومات التالية:
        كانت ثلاث مجموعات منفصلة من النساء عائدة في المساء من الفاشر إلى مخيم زمزم شمال دارفور. وكانت إحدى الشاهدات ضمن المجموعة الأولى، التي أمرت بالوقوف عند نقطة تفتيش خارج الفاشر، واحتجزت هناك فترة من الوقت، ثم سمح لها بمواصلة طريقها. فمضت الشاهدة مع مجموعتها التي تتضمن أربع نساء أخريات وطفلين، واتجهت المجموعة نحو مخيم زمزم. وبعد نقطة التفتيش بكيلومترين تقريبا، أقبل ما يناهز 20 جنديا مرتدين زيا مموها وتوجهوا في سياراتهم صوب مجموعة النساء وأمروهن بالتوقف، بينما كانوا يطلقون بعض الطلقات النارية. وأُمرت النساء بأن يترجلن عن حميرهن ويستلقين على الأرض. وكانت الشاهدة تحمل طفلا هو ابن أخت زوجها عمره سنة واحدة، وقد بدأ يبكي. وأمسك أحد الجنود بالطفل ورمى به بعيدا في جانب الطريق. فلما سألت امرأة مسنة في المجموعة الجندي لم فعل ذلك ركلها في رأسها. وأخذ جنود آخرون يضربون النساء الأربع الأخريات، بمن فيهن الشاهدة. وأمسك بعض الجنود امرأة من النساء الأخريات فألقوها أرضا وبدأوا يغتصبونها. وأثناء ذلك، ألقى الجنود الشاهدة على الأرض ونزعوا ثيابها أيضا من ناحية رأسها. ثم جامعها أربعة جنود في فرجها، الواحد تلو الآخر. وبينما كانت تجري هذه الأحداث، قال أحد الجنود: "أنتن سبايا الحرب". وخلال هذا الحادث، اغتصبت النساء الثلاث الأخريات أيضا، بمن فيهن المسنة. وكان الجنود على وشك الانتهاء من اغتصاب النساء الخمس عندما وصلت إلى نفس المكان المجموعة الثانية من النساء التي ذهبت إلى الفاشر لبيع الحطب. وسمح للمجموعة الأولى بالانصراف. وسمعت الشاهدة أن نساء المجموعة الثانية قد اغتصبن أيضا.

        دراسة حالة إفرادية: خارج مخيم قرندنق للمشردين داخليا، غرب دارفور
351 -    وأجرت اللجنة مقابلة مع أختين اغتصبتا بينما كانتا تقطعان الحطب في غريري خارج مخيم قرندنق للمشردين داخليا في غرب دارفور، وذلك حوالي شهر أيلول/ سبتمبر 2004. وحصلت اللجنة على المعلومات الموثوقة التالية:
        قبل رمضان بثلاثة أشهر، كانت مجموعة من النساء، منهن ثلاث شابات، يقطعن الحطب في غريري خارج مخيم قرندنق للمشردين داخليا، حيث كن يعشن لمدة 10 أشهر خلت. وحوالي الساعة الحادية عشرة قبيل الظهر، جاء أربعة رجال عرب نحوهن وأمروهن بأن يجلسن. وكان أكبر الرجال سنا يرتدي ملابس كاكية اللون بينما ارتدى الشبان الثلاثة جلابيات. وضرب الرجل الأكبر سنا الشاهدة، البالغة من العمر 17 سنة، ست مرات على ظهرها وثماني مرات على ساقيها. ولا زالت آثار هذا الحادث باديةً عليها [وقد تحققت منها اللجنة]. ثم عزل الرجل الأكبر سنا الشاهدة عن الفتيات الأخريات واغتصبها. ثم قام الشبان الثلاثة باغتصاب الفتيات الأخريات. وأدلت الشاهدة بما يلي: "خلع ثيابي الداخلية فقط. وأخرج قضيبه من سرواله. ولم يقل شيئا، وإنما ظل يضربني وهو يغتصبني. وبعد ذلك بلغ مني الأذى والتعب حدا لم أستطع معه التحرك، وأخذتني النساء الأخريات إلى الطبيب في مستشفى جنينة الكبير. كنت أنزف دما قليلا. وكتب الطبيب تقريرا يفيد بأنني قد اغتصبت. وقال لي أيضا إن هناك شيئا ما انكسر في داخلي. وكانت معي أيضا في ذلك اليوم أختي البالغة من العمر 8 سنوات وقد اُغتصبت هي الأخرى ولكنها لم تتعرض للضرب. وأصبت بجروح في ظهري وساقي".
352 -    والخلاصة، أنه وإن كانت اللجنة لم يتأت لها التثبت من العدد الدقيق لحالات الاغتصاب المرتكبة، فإنها قد انتهت إلى نتيجة مؤداها أن عددا كافيا من هذه الجرائم قد اُرتكب خلال الهجمات التي تعرضت لها القرى وفي أعقابها، وأن هذه الهجمات قد أثارت في صفوف النساء والفتيات من الخوف ما أرغمهن على البقاء في المخيمات وعدم العودة إلى قراهن الأصلية، وأن ذلك يمكن أن يعتبر أحد العوامل التي أدت إلى تشريدهن. كما أن حالات الاختطافات والحجز والاغتصاب المتكرر البالغة الفظاعة التي ارتكبت على مدى فترات طويلة، قد ساهمت أيضا في إشاعة الخوف. وبالمثل، وجدت اللجنة أدلة كافية على استمرار ارتكاب الاغتصاب والعنف الجنسي بصورة منهجية ضد النساء خلال تشريدهن، على نحو يديم الشعور بعدم الأمن في صفوفهن والخوف من مغادرة مواقع المشردين داخليا.
353 -    ويبدو أن الأنماط السابقة الذكر تدل على أن الاغتصاب والعنف الجنسي قد استخدما من جانب جنجويد وجنود الحكومة (أو على الأقل بالتواطؤ معهما) كاستراتيجية متعمدة بغرض تحقيق أهداف معينة، بما في ذلك ترويع السكان، وإحكام السيطرة على حركة السكان المشردين داخليا وإطالة أمد تشردهم. وتبرهن حالات مثل حالة كايلك على أن الاغتصاب قد استخدم كوسيلة لكسر معنوية السكان وإذلالهم.

    '2'    الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي التي ارتكبها المتمردون
354 -    كانت حالات الاغتصاب والعنف الجنسي التي ذكرت التقارير أن المتمردين قد ارتكبوها أقل عددا. إذ يدعى أنه في تشرين الثاني/نوفمبر 2004، اختطف جيش تحرير السودان واحتجز لمدة ثلاثة أيام، خمس فتيات من قبيلة غِمير قرب كلبص في غرب دارفور. وتفيد الادعاءات بأنه خلال هذه الأيام الثلاثة اغتصبت أربع فتيات منهن واعتدي على الخامسة اعتداء جنسيا. وعلاوة على ذلك، كانت هناك ادعاءات تفيد أن ما يناهز 60 امرأة وفتاة من قبيلة بني منصور قد تعرضن للاغتصاب أو للاعتداء الجنسي من جانب متمردين في منطقة ملام في ما بين شهري شباط/فبراير وتموز/يوليه 2004.
355 -    ولم تتمكن اللجنة من التحقيق في تلك الإفادات. غير أن اللجنة لم تكتشف خلال تحقيقاتها في الأحداث التي شارك فيها المتمردون أي حالات اغتصاب ارتكبها المتمردون.

    (ب)    التقييم القانوني
356 -    إن المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (وكذلك التعذيب) أمور محظورة في العديد من الصكوك الدولية لحقوق الإنسان التي يعد السودان طرفا فيها، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية(137) واتفاقية حقوق الطفل(138) والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان وحقوق الشعوب(139). وتطالب اتفاقية حقوق الطفل فضلا عن ذلك بأن تتعهد الدول الأطراف بحماية الطفل من جميع أشكال الاستغلال الجنسي والانتهاك الجنسي(140). وعلاوة على ذلك، يكفل العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية(141) حق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسمية والعقلية يمكن بلوغه بما في ذلك الصحة الجنسية والإنجابية.
357 -    كما أن المادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف ملزمة لجميع الأطراف في الصراع، وتحظر في جملة أمور الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، وبخاصة...المعاملة القاسية والتعذيب(142) والاعتداء على الكرامة الشخصية¡ وعلى الأخص المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة(143). وإذا كان السودان ليس طرفا في البروتوكول الإضافي الثاني لاتفاقيات جنيف، فإن بعض أحكامه تشكل قانونا عرفيا دوليا ملزما لجميع الأطراف في الصراع. ويشمل ذلك حظر الاغتصاب والإكراه على الدعارة وكل ما من شأنه خدش الحياء(144) والرق(145).
358 -    والاغتصاب يمكن أن يكون جريمة حرب، عندما يرتكب إبانَ صراع مسلح دولي أو داخلي، أو جريمة بحق الإنسانية (سواء اقترف في زمن الحرب أو السلم) إذا كان يشكل جزءا من هجوم واسع الانتشار أو منهجي ضد المدنيين؛ ويمكن أيضا أن يشكل إبادة جماعية. وورد تعريف للاغتصاب في أحكام القضاء الدولي (قضية أكايسو، الفقرتان
597 و 598؛ وقضية ديلاليتش وآخرين، الفقرة 479؛ وقضية فـُـورونجيــا، الفقرة 185، وقضية كوناراك وآخرين (الفقرات 438-60)، وفي الأحكام الصادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية إم سي ضد بلغاريا (الحكم المؤرخ 4 كانون الأول/ديسمبر 2003 ، الفقرات 88-108 و 148-187)،  وفي "أركان الجرائم" التي اعتمدتها المحكمة الجنائية الدولية. والاغتصاب بإيجاز هو أي تعد جسمي ذي طبيعة جنسية يرتكب بدون رضى المجني عليه، أي باستعمال القوة أو الإكراه، مثل الذي يحدث نتيجة الخوف من العنف أو الإرغام أو الحبس أو استغلال ظروف قسرية(146).
359 -    وإضافة إلى الاغتصاب، يحظر القانون الدولي ويجرم أيضا، باعتبار ذلك جريمة بحق حرب أو جريمة بحق الإنسانية، أيَّ عمل خطير من أعمال العنف الجنساني يُقحم الضحية في عمل ذي طبيعة جنسية باستعمال القوة أو التهديد باستعمال القوة ضد الضحية أو شخص آخر أو باستغلال ظروف قسرية. وعلة تجريم العنف الجنساني حتى عندما لا يتخذ شكل الإيلاج القسري في جسم الإنسان هي أن مثل هذه الأعمال تمثل شكلا مفرطا من الإهانة والانتقاص من قَدْر الضحية يتنافى مع أبسط مبادئ احترام الكرامة الإنسانية.
360 -    وواضح من المعلومات التي جمعتها ومحصتها اللجنة أن الاغتصاب أو غيره من أشكال العنف الجنسي التي ارتكبها جنجويد أو جنود الحكومة في دارفور كان واسع الانتشار ومنهجيا، ويمكن من ثم أن يعد بمثابة جريمة بحق الإنسانية. وعلى أساس جملة أمور منها أن مرتكبي هذه الأعمال كانوا يدركون أنهم سينعمون في الواقع بالإفلات من العقاب، يمكن أن يُستنتج أنهم كانوا واعين بأن أعمال العنف التي يرتكبونها تشكل جزءا من هجوم منهجي على مدنيين. واللجنة تستخلص أن جرائم العنف الجنسي المرتكبة في دارفور يمكن أن ترقى إلى جريمة الاغتصاب بوصفه جريمة بحق الإنسانية، كما ترى أن الجرائم المرتكبة في دارفور في بعض الحالات يمكن أن ترقى إلى مستوى جريمة الرق الجنسي بوصفه جريمة بحق الإنسانية. وفضلا عن ذلك، ترى اللجنة أن الإقدام على ممارسة الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي أساسا ضد ثلاث قبائل "أفريقية" يشكل دليلا على وجود قصد تمييزي عند الجناة. وبناء عليه، تخلص اللجنة إلى  أن أركان الاضطهاد بوصفه جريمة بحق الإنسانية قد تكون أيضا متوافرة.
361 -    وكما ذكر، لم تقف اللجنة على أي حالة اغتصاب مرتكبة من جانب المتمردين. غير أنه إذا ارتكبت بالفعل أعمال اغتصاب من أطراف فاعلة من المتمردين فإنها ستشكل جرائم حرب.

    8 -    التعذيب وامتهان الكرامة الشخصية والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة
    (أ)    النتائج الوقائعية
362 -    أفادت عدة منظمات بوقوع حالات تعذيب ومعاملة لا إنسانية ومهينة في حق المدنيين في دارفور. فقد وردت تقارير تفيد بأن أفراد قوات الجنجويد وقوات الحكومة كانوا خلال الهجمات يُقبلون بصورة متواترة على الاغتصاب وإحراق النساء وضربهن وتجريدهن من الثياب، وعلى الإيذاء بالقول والإذلال في حق المدنيين. ونُقل عن إحدى المنظمات أنه قد استعملت أساليب قتل قاسية ولا إنسانية، منها مثلا حالتان من القتل عن طريق الصلب. كما وردت تقارير عن وقوع أعمال تعذيب ومعاملة قاسية ولا إنسانية ومهينة في حق المدنيين الذي زج بهم الجنجويد وأفراد قوات الحكومة في الحجز القسري بعد الهجمات على قراهم. وتحدثت بعض المصادر عن تعذيب الأسرى من المحاربين الأعداء على يد الحكومة والمتمردين على حد سواء.
363 -    وذكرت بعض المنظمات أيضا حالات تفيد أن أفرادا ممن ألقي القبض عليهم في سياق الصراع في دارفور قد عُذبوا على يد ضباط جهاز الأمن الوطني والمخابرات خلال احتجازهم. وورد أن المحتجزين كانوا يتعرضون للمعاناة البدنية والنفسية بصورة منهجية عقابا لهم بسبب الاشتباه في انتسابهم إلى المتمردين أو تقديم الدعم لهم، ورغبةً في الحصول على معلومات أو اعترافات.

    '1'    التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة التي ارتكبتها حكومة السودان والجنجويد أو أيهما
    (أ)    التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة المرتكبة خلال الهجمات
364 -    توصلت اللجنة خلال تحقيقاتها إلى وقائع تثبت أن التعذيب والمعاملة القاسية والمهينة وأعمالا لا إنسانية قد ارتكبت كجزء من الهجمات المنهجية الواسعة الانتشار التي شنتها الجنجويد وقوات الحكومة ضد السكان المدنيين. ورغم أن قوات الحكومة لم تشارك على وجه العموم مشاركة مباشرة في ارتكاب مثل هذه الأعمال، فإن الجنجويد قد ارتكبوا هذه الأعمال في معظم الأحوال بحضور هذه القوات وتحت حمايتها وبقبول ضمني منها.
365 -    وقد ارتكب الجنجويد خلال عدة هجمات أعمالا لا إنسانية من قبيل رمي الأشخاص، بمن فيهم الأطفال، في النار. وقد وردت أنباء عن وقوع خمس حوادث من هذا القبيل، من قرى أربتيت وتربيبة وتنكو ومنقرصة وكانجو في غرب دارفور. وفي معظم هذه الحوادث أحرق الضحايا حتى الموت. ومورس تعذيب نفسي بالغ القسوة على كثير من الأمهات حين رأين أطفالهن وهم يحرقون أحياء بعد أن انتزعهم أفراد الجنجويد من بين أذرعهن وألقوا بهم في النار. وأضرمت النيران في منازل وهي مازالت عامرة بأهلها. وكان الأطفال أكثرَ ضحايا هذه الأعمال. وشملت أشكال القتل اللاإنسانية التي استعملها الجنجويد صلب الضحايا أثناء الهجوم على قرية حشاب في شمال دارفور في كانون الثاني/يناير 2004. ووردت حالة واحدة من دلبة في غرب دارفور تفيد أن الضحية ضرب حتى الموت.
366 -    وتعرض الأشخاص المستهدفون بالهجوم عموما، وأغلبهم من القبائل الأفريقية، للضرب والجلد بالسياط على يد الجنجويد. ومن بين هؤلاء الأشخاص نساء وفتيات. وفي كثير من الحوادث تعرض الضحايا للضرب الشديد كشكل من أشكال التعذيب. وقد رأت اللجنة العديد من الضحايا الذين ما زالت تبدو على أجسادهم ندوبٌ من أثر هذا الضرب، ورأت بعضا ممن عانوا من ضرر بدني دائم من جراء ذلك. وشاع أيضا في كثير من الحوادث اللجوء إلى تجريد النساء من ثيابهن واستعمال لغة تحقيرية كوسيلة للإذلال والتعذيب النفسي.
367 -    ومما يُثير  الجزعَ الشديد ما وقع من أعمال التعذيب وضروب المعاملة القاسية والمهينة التي صاحبت جرائم خطيرة أخرى ارتكبتها قوات الحكومة والجنجويد في حق السكان المدنيين خلال حادثة كايِلك في جنوب دارفور. وخلال هذا الهجوم وما تلاه من احتجاز حجر قسري للسكان، تعرض العديد من الأشخاص للتعذيب الشديد بهدف انتزاع المعلومات منهم عن المتمردين، أو عقابا أو ترويعا للسكان. وسمعت اللجنة أيضا تقارير موثوقا بها تفيد أن الأشخاص الذين يأسرهم المهاجمون تُربط أنشوطة حول أعناقهم فيُجرون على الأرض بالجياد والجمال. ووصف شهود كيف أن شابا اُقتلعت عينه. فلما فقد بصره، أرغم على أن يركض ثم قُتل رميا بالرصاص. وكان الحراس يراقبون الضحايا وفي أيديهم سياط يستعملونها للسيطرة عليهم وإذلالهم. وأفاد العديد من الشهود أن عبارات سب وشتم استعملت في حق المحتجزين، حيث كانوا يسمونهم "عبيدا" في الغالب. وزاد من معاناة هؤلاء قلة الطعام والماء، والظروف غير الصحية حيث كانوا يُحجزون في أماكن صغيرة وخاضعة للمراقبة يُرغمون على قضاء حاجتهم فيها، بسبب القيود المفروضة على حركاتهم. وورد أن عدة مئات من الأطفال ماتوا من تفشي المرض خلال احتجازهم.

    (ب)    ممارسة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة في حق محتجزين على يد جهاز الأمن الوطني والمخابرات، والمخابرات العسكرية
368 -    جمعت اللجنة أدلة جوهرية تثبت الاستعمال المنهجي للتعذيب من جانب جهاز الأمن الوطني والمخابرات، والمخابرات العسكرية، في حق المحتجزين تحت سيطرتهم. وإضافة إلى معلومات موثوقة أخرى، سجلت اللجنة شهادة أشخاص قبض عليهم في سياق الصراع في دارفور وهم حاليا محتجزون في الخرطوم، وتتعلق بما تعرضوا له من تعذيب ومعاملة لاإنسانية ومهينة. ويشمل ذلك من يحتجزهم جهاز الأمن الوطني والمخابرات في مكان احتجاز سري في الخرطوم، اكتشفته اللجنة وقامت بتفتيشه.
369 -    وسمعت اللجنة تقارير مفزعة عن التعذيب البدني والنفسي والمعاملة القاسية والمهينة التي تعرض لها هؤلاء المحتجزون، وظروف الاحتجاز اللاإنسانية التي فرضت عليهم. فأكثرهم تعرضوا مرارا للضرب والجلد بالسياط والصفع، وفي إحدى الحالات حبسوا تحت الشمس اللافحة لمدة أربعة أيام. وعلق ثلاثة أشخاص من السقف وضربوا، واستمر ضرب أحدهم لمدة 10 أيام. وقابلت اللجنة أيضا شخصا آخر تعرض للتعذيب على يد جهاز الأمن الوطني والمخابرات لمدة ثلاثة أيام بعد إلقاء القبض عليه من مخيم المشردين داخليا في غرب دارفور. وذكر أنه عُلِّق من السقف وضُرب بصورة متكررة. وقد رأت اللجنة الندوب التي تُركت على أجسام هؤلاء المحتجزين والسجناء كعلامات على التعذيب الذي مورس عليهم. وفي كثير من هذه الحالات استعمل التعذيب، بما فيه التهديد بالموت والإيذاء البدني، للحصول على المعلومات قسرا أو لانتزاع اعترافات. فكانت عيونهم تعصب وأيديهم تقيد كلما نقلوا من مكان احتجاز إلى آخر، وكانوا يحرمون أحيانا من الطعام لمدد طويلة.
370 -    وكان المحتجزون الذي حبسوا في مكان الاحتجاز السري، السابق الذكر، يُحجزون في زنزانات ذات نوافذ عليها قضبان لمدة 24 ساعة في اليوم، من غير أي تحرك بدني بالخارج (وكان عدد نُزلاء الزنزانات من المحتجزين يتراوح بين واحد و 11).  ولم يكن يسمح دائما للمحتجزين باستعمال مرحاض خارجي يوجد في نفس الطابق، ومن ثم كانون يُضطرون في جملة أمور إلى استعمال قنينات للتبول داخل زنزاناتهم. ولم يكن يتاح علاج طبي أو نظام غذائي مناسب لبعض الأشخاص الذين كانوا يعانون من مشاكل صحية خطيرة.
371 -    وتمكنت اللجنة أيضا من زيارة وحدة الاحتجاز التابعة للمخابرات العسكرية التي تقع داخل مقر قيادة الجيش في الخرطوم. ومُنحت اللجنة الإذن بالدخول لزيارة بعض الضباط العسكريين المحتجزين في قسم من مركز الاحتجاز، غير أنها سرعان ما اكتشفت وجود قسم آخر في نفس المركز، حيث كان يُحتجز ما لا يقل عن 40 محتجزا، معظمهم جنود وضباط صف (عريف، ورقيب وما إلى ذلك). كل هؤلاء حُبسوا في سياق الصراع في دارفور (بعضهم كانوا من دارفور وآخرون ألقي عليهم القبض بدعوى أنهم تناولوا بالنقد سياسة الحكومة في دارفور). وكان المحتجزون قد حبسوا في 20 زنزانة (أما الزنزانة الواحدة والعشرون فكانت فارغة)، ويوجد قُبالتها ممر في منطقة مغلقة. وكانت الزنزانات ضيقة (مساحتها تقدر بنحو 1×2 متر أو 1×2.5 متر أو 1×2.3 متر)، ولها سقوف عالية جدا وبعض الفتحات الضيقة في السقف. وكانت ثلاث عشرة زنزانة تؤوي محتجزين اثنين في كل منها، بينما لا تؤوي سبع زنزانات إلا محتجزا واحدا في كل منها. وكان معظم المحتجزين جنودا، غير أن قلة من الزنزانات كان تحوي عسكريين ومدنيين. وليس في الزنزانات ضوء، وتُبقى "نافذة" الباب المعدنية مغلقة طيلة اليوم تقريبا، فلا تفتح إلا لفترة تتراوح بين عشر دقائق وخمس عشرة دقيقة في أوقات الصلاة (خمس مرات في اليوم). وهكذا يعيش المحتجزون في ظلام مطبق تقريبا خلال معظم النهار والليل، ولمدد تصل إلى شهور. وغالبا ما لا تحتوي الزنزانات، ذات الجدارن والسقوف الأسمنتية، على حشية أو بطانية، بل يوجد فيها حصير فقط. ولا يسمح للمحتجزين بأي تمرين في الهواء الطلق. ولا يكادون يخرجون من زنزانتهم إلا لقضاء الحاجة في أربعة مراحيض توجد في نهاية الممر. وعلى مقبض الباب علقت قنينة للتبول. وقد قدم للمحتجزين صابون و/أو معجون أسنان يومَ زيارة اللجنة، لأول مرة منذ شهور (147).
372 -    وكشف أحد المحتجزين عن بعض الندوب في ظهره وذراعه، نتيجة الضرب. وذكر شهود آخرون أنهم كثيرا ما سمعوا الصرخات الآتية من القسم السري الآخر في المركز.
373 - وحبس محتجزون آخرون، أغلبهم ضباط، في زنزانات أكبر، وبدا أنه يمكن لهم الدخول إلى بقعة صغيرة للصلاة. وشبيه بما ذكر أعلاه، لم يتلق أي من المحتجزين الذين قوبلوا في مركز الاحتجاز التابع للمخابرات العسكرية أي علاج طبي مطلوب. ولا تعلم أسرهم مكانهم.

    '2'    التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة التي ارتكبها المتمردون
374 -    أفادت بعض المصادر، كما ذكر، أن الأسرى من المحاربين الأعداء قد تعرضوا للتعذيب على يد المتمردين. غير أن اللجنة لم تحصل على معلومات تدل على وقوع ذلك.

    (ب)    التقييم القانوني
375 -    يحظر عدد من الصكوك الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان ممارسة التعذيب. فقد وردت أحكام تحظر التعذيب في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية حقوق الطفل، والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان وحقوق الشعوب. والسودان طرف في الصكوك الثلاثة الأخيرة، وهو بهذه الصفة فهو ملزم بها قانونا. والحظر الوارد في الصكوك الدولية السالفة الذكر حظرٌ مطلق لا تقييد له في أي ظرف من الظروف. وفضلا عن ذلك، لا يجوز بمقتضى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تقييد حظر اللجوء إلى التعذيب حتى في حالة الطوارئ العامة.
376 -    وإضافة إلى ذلك، يعتبر حظر التعذيب أيضا إحدى القواعد القطعية للقانون الدولي، أو هو بعبارة أخرى قاعدة آمرة. وهو على هذا النحو لا يمكن تقييده باتفاق دولي مناف، ناهيك عن قانون وطني. و هذه الصبغة القانونية التي يتسم بها حظر التعذيب في القانون العرفي الدولي قد أيدتها المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في قضية  فـُـورونجيــا (الفقرات 144 و 153-157)، ومجلس اللوردات في قضية بينوشيه(148)، كما أكدها مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالتعذيب(149).
377 -    ويحظر التعذيب والمعاملة القاسية بموجب المادة العامة 3 من اتفاقيات جنيف. وهذه الاتفاقيات تحظر التعذيب حظرا مطلقا، في الصراعات المسلحة الداخلية والدولية على حد سواء.
378 -    وإضافة إلى التعذيب الذي يمارس، كما ذكر سابقا، في شكل ضرب المحتجزين وإساءة معاملتهم إساءة شديدة ولا إنسانية، ترى اللجنة أن الظروف التي شوهدت في مركز الاحتجاز التابع للمخابرات العسكرية في الخرطوم، والتي ورد وصفها أعلاه، تعد بمثابة تعذيب. فإرغام الأشخاص الموجودين في الحجز العسكري على العيش لمدة 24 ساعة في اليوم في زنزانات صغيرة للغاية شبيهة بالأقفاص وفي ظلام دامس ومن دون تمرين بدني بالخارج على الإطلاق، يعد في حد ذاته بمثابة تعذيب، ومن ثم فهو يشكل انتهاكا جسيما لحقوق الإنسان الدولية وللقانون الإنساني الدولي.
379     في سياق الصراع في دارفور، مورس التعذيب على نطاق واسع وبصورة واسعة الانتشار ومنهجية ليس فقط خلال الهجمات على السكان المدنيين، حيث كان يرتبط ارتباطا وثيقا بهذه الهجمات، بل مورس أيضا في مراكز الاحتجاز الخاضعة لسلطة جهاز الأمن الوطني والمخابرات، والمخابرات العسكرية. وترى اللجنة أن حالات التعذيب التي وقعت يمكن بناء على ما تقدم أن تعد بمثابة جريمة بحق الإنسانية، ونظرا لما اتسمت به الهجمات من طابع تمييزي، يمكن أن تنطوي حالات التعذيب هذه أيضا على جريمة الاضطهاد بوصفه جريمة بحق الإنسانية.

    9 -    النهب
    (أ)    النتائج فيما يتعلق بالوقائع
380 -    لاحظت اللجنة أن معظم التقارير التي درستها تقدم روايات متماثلة جدا عن عمليات منهجية وواسعة قام بها الجنجويد لسلب ونهب ممتلكات المدنيين، ولا سيما في سياق الهجمات على نحو ما وُصف آنفا. وتشير تلك التقارير إلى روايات شهود تتعلق بالهجمات التي يقوم بها العرب أو الجنجويد، بدعم من القوات الحكومية في أحيان كثيرة. ولا تعزى عمليات السلب عموما إلا للجنجويد أو العرب أو "لرجال يرتدون زيا رسميا" دون تحديد هويتهم، بينما لم يبلَّغ بوضوح عن وقوع حوادث نهب على أيدي القوات الحكومية وحدها. وتتعلق أغلبية الحوادث المبلغ عنها بسلب الماشية والأغذية وغيرها من الممتلكات الخاصة، وتقع أثناء الهجمات على القرى وتؤدي أحيانا إلى قتل المدنيين وتدمير القرى ذاتها. وجرى أيضا تسجيل نهب ممتلكات المشردين داخليا في الأماكن التي نزحوا إليها، حيث قام الجنجويد بسلب الخيم البلاستيكية والأغذية وغير ذلك من متاع الأسر المعيشية.
381 -    وعلاوة على ذلك، أفادت مصادر أخرى عن وقوع عدد ضئيل من حوادث السلب وحدد الضحايا هوية مرتكبيها بكونهم من حركة تحرير السودان أو حركة العدالة والمساواة أو مجرد متمردين. وقد طالت تلك الحوادث بصورة رئيسية المركبات، سواء فرادى أو في قوافل، وتعلقت غالبية الحالات بسلب الأغذية والإمدادات. وفي عدد قليل جدا من الحالات، أفيد أيضا أن المتمردين ارتكبوا أعمال السلب أثناء هجوم على إحدى القرى، خاصة في غرب دارفور. ووقع عدد من حوادث السلب ضد المركبات الإنسانية وغير ذلك من ضروب اللصوصية التي لم يتعرف فيها الشهود على هوية المعتدين.
382 -    ويبدو أن الحوادث المبلغ عنها لا تنطوي على نمط جغرافي أو زمني محدد يتصل بسلب الممتلكات غيرَ الأنماط المحددة في إطار الفروع التي تتناول جرائم تدمير القرى والهجمات، وهي أن الغالبية العظمى من الضحايا ينتمون لقبائل الفور والمساليت والزغاوة وغيرها من القبائل الأفريقية.
383 -    وخلال البعثات التي قامت بها اللجنة إلى السودان ودارفور، كانت النتائج التي توصلت إليها متطابقة جدا مع التقارير التي درستها. وكان جل الحوادث التي حققت فيها اللجنة تتعلق بسلب الممتلكات الخاصة للمدنيين على أيدي الجنجويد في سياق الهجمات المشتركة التي يشنها الجنجويد والحكومة على القرى.
384 -    وأفيد أيضا عن وقوع عدد من حالات اللصوصية المسلحة التي تمثلت في سرقة عدد من المدنيين في المركبات، فضلا عن أهداف مدنية أخرى. ولم تحدد هوية المعتدين في الأغلب الأعم.
385 -    وثمة نمط خاص سجلته اللجنة ويتمثل في تشديد الأشخاص الذين استُجوِبوا من بين المشردين داخليا واللاجئين تشديدا كبيرا على جريمة السلب، مبينين أن الجنجويد قد سلبوا أولئك الأشخاص كل ما كانوا يملكون، ويشمل ذلك جميع الأمتعة الضرورية للحياة في ظروف دارفور العصيبة، ومنها المقالي والأكواب والملابس، فضلا عن الدواب التي تمثل المصدر الرئيسي للدخل لدى الأشخاص المتضررين. ولقد قام المشردون داخليا واللاجئون في حالات كثيرة بتجميع قوائم مفصلة للأدوات التي سلبت منهم، وعرضت تلك القوائم على اللجنة.
386 -    ومن أمثلة شهادات الشهود التي جمعتها اللجنة الحادثتان النموذجيتان التاليتان:
        في يوم السبت 27 كانون الأول/ديسمبر 2003، بقرية دوماي تاميت في جنوب دارفور:"تعرضنا لهجوم في الصباح الباكر حوالي وقت صلاة الفجر في نحو الساعة 30/5. [أظهر الشاهد جرحا بالرصاص في ساقه]. وكان المهاجمون يمتطون خيولا وجمالا وكان بعضهم يرتدون زيا رسميا. وقد قتلوا 17 شخصا، بينهم امرأتان وصبيان، وجرحوا 18 شخصا، وسلبوا نحو 150 1 رأس من الماشية ونحو 800 من الأغنام والمعز".
        في آذار/مارس 2004، بقرية دوبو في شمال دارفور: "جعلوا يضرمون النار في كل شيء ويسرقون أمتعتنا. وقد وقع علينا الهجوم يومَ مجيء الطائرة نفسه، وقصفوا 5 سيارات وقام الجنجويد بنهب القرية. وأخذوا ماشيتنا وأمتعتنا".
387 -    وحققت اللجنة أيضا في النهب الذي وقع أثناء الهجمات التي شنها الجنجويد خلال آب/أغسطس وأيلول/سبتمبر 2003، في محلية مستيري (غرب دارفور)، حيث هوجمت 47 قرية وارتكب الجنجويد أعمال السلب. وفي إحدى الحوادث، قام مئات من العرب الجنجويد في الصباح الباكر من أحد أيام آب/أغسطس 2003 بشن هجوم على كورشا -قرية تورغو. وكانوا يرتدون أزياء عسكرية خضراء ويركبون خيولا وجمالا. فطوقوا القرية وأخذوا في إطلاق النار على الرجال والصبيان. فقتل 6 رجال ودفنوا في مقابر واحدة. وفي اليوم السابق للهجوم، شوهدت طائرة عمودية وطائرة أخرى من طراز Antonov وهما تحلقان في سماء القرية. وسرق المهاجمون الماشية برمتها. وأحرقت القرية ولجأ الناس إلى مدينة مستيري.
388 -    وقد تبين للجنة أيضا وجود حالات سلب على أيدي حركات المتمردين، ولا سيما أثناء الهجمات التي طالت مراكز الشرطة وغيرها من المنشآت الحكومية، حيث قام المتمردون بنهب الأسلحة من الحكومة. وكانت تلك الهجمات تستهدف عادة المنشآت الحكومية على وجه التحديد للحصول على الأسلحة والذخيرة التي يحتاجها المتمردون في قتالهم. وأكد المتمردون أنفسهم هذه الممارسة للجنة. كما تبين للجنة، علاوة على ذلك، حدوث بضع حالات من السلب تعرضت لها الممتلكات الخاصة على أيدي المتمردين. وعلى سبيل المثال لا الحصر، شنت حركة العدل والمساواة في تشرين الأول/أكتوبر وكانون الأول/ديسمبر 2003، هجوما على كلبص في غرب دارفور على نحو ما وُصف أعلاه، حيث نهبوا الدكاكين في السوق. ولاحظت اللجنة أيضا عددا من حالات النهب التي طالت القوافل الإنسانية، رغم أنه لم يكن من الممكن تأكيد هوية مرتكبيها.
389 -    وفي الختام، فإن اللجنة قد وجدت، وفقا لأغلبية الحوادث التي أفادت عنها سائر المصادر، أن معظم حالات النهب كانت من عمل الجنجويد، فيما كان عدد قليل منها من عمل القوات الحكومية. وطال السلب القبائل الأفريقية بصورة رئيسية، وكان يستهدف الممتلكات الضرورية لبقاء تلك القبائل وكسب رزقها. وشاركت حركات المتمردين أيضا في أعمال النهب، مستهدفة بها مراكز الشرطة أساسا للحصول على الأسلحة؛ واستهدف المتمردون في بعض الحالات الممتلكات الخاصة أيضا.

    (ب)    التكييف القانوني
390 -    على نحو ما أشير إليه آنفا، تعد جريمة النهب أو السلب جريمة حرب بموجب القانون الدولي العرفي. وتتمثل تلك الجريمة في حرمان الشخص من ممتلكاته بدون موافقة منه أثناء صراع مسلح داخلي أو دولي، والاستيلاء على تلك الأمتعة أو الأصول للاستخدام الخاص أو الشخصي، بنية إجرامية هي حرمان ذلك الشخص من ممتلكاته.
391 -    ومما لا شك فيه أن نهب القرى والاستيلاء على الماشية والمحاصيل وأمتعة الأسر المعيشية وسوى ذلك من الممتلكات الشخصية للسكان على أيدي القوات الحكومية أو المليشيات الخاضعة لسيطرتها يمثل جريمة حرب.
392 -    واستنادا إلى المعلومات المتاحة للجنة، يبدو أن النهب الذي قام به الجنجويد أساسا في سياق الهجمات على القرى، تم على نطاق واسع وبتغاض من حكومة السودان من خلال نشر ثقافة الإفلات من العقاب والدعم المباشر للجنجويد.
393 -    وإضافة إلى ذلك، تعتبر اللجنة، كما هو الشأن بالنسبة لتدمير القرى، أن السلب قد حصل بطريقة منتظمة وواسعة النطاق ضد القبائل الأفريقية وكان تمييزيا ومدروسا لتدمير مصادر رزق السكان المتضررين وسبل بقائهم. ومن ثم، يمكن جدا أن يمثل شكلا من أشكال الاضطهاد بوصفه جريمة ضد الإنسانية.
394 -    وتعتبر اللجنة أيضا أن من المعقول أن تكون حركات المتمردين مسؤولة عن ارتكاب جريمة النهب التي هي جريمة حرب، ولو أن ذلك حصل على نطاق محدود.

    10 -    الحبس غير المشروع وحالات الحبس الانفرادي وحالات الاختفاء القسري
    (أ)    النتائج فيما يتعلق بالوقائع
395 -    منت التقارير الواردة من سائر المصادر التي استعرضتها اللجنة معلومات عن حالات الاختطاف والحبس غير المشروع والاحتجاز في حق المدنيين إبان هجمات الجنجويد أو القوات الحكومية، فضلا عن المتمردين، و في أعقاب تلك الهجمات. ويتعلق العديد من التقارير باختطاف النساء. ورغم التبليغ عن الحوادث، فإن عددا قليلا جدا من الروايات كان يتضمن تفاصيل مستفيضة.
396 -    بيد أن اللجنة استطاعت بفضل تحقيقاتها أن تجمع معلومات أكثر أهمية بشأن حالات الاختفاء القسري. وتؤكد تلك المعلومات الاختطاف وحالات الاختفاء القسري التي قام بها الجنجويد في أعقاب الهجمات على القرى. وفي العديد من الحالات، تعرضت النساء والرجال للاختطاف أو الاختفاء، دون أن يعرف مصير عدد كبير منهم. كما أثبتت اللجنة أن القوات المسلحة الحكومية، وجهاز أمن الدولة والاستخبارات العسكرية مسؤولة عن الحبس والاحتجاز غير المشروعين للمدنيين. وعلاوة على ذلك، تلقت اللجنة معلومات موثوق بها تبرهن على نمط الحبس غير المشروع للأشخاص الموجودين داخل مخيمات المشردين داخليا. ولم يكن في مقدور العديد من المشردين داخليا الذين قابلتهم اللجنة أن يبتعدوا ولو بضعة أمتار عن خيمهم خوفا من هجمات الجنجويد، بما في ذلك من الاغتصاب أو القتل. واستمعت اللجنة لشهادات موثوق بها من نساء تعرضن للاعتداء والضرب بل وللاغتصاب في بعض الحالات، وهن يجلبن الحطب أو الماء من خارج المخيم. وفي بعض الحالات، منع المشردون داخليا من الوصول إلى ماشيتهم ومحاصيلهم الواقعة في مكان قريب، بسبب خطر هجمات الجنجويد خارج المخيمات. ويتجسد هذا النمط في شهادة شاهد من فتة برنو بشمال دارفور:
        أصبح جميع سكان القرى المحيطة بفتة برنو يقيمون حاليا في مخيم المشردين داخليا بفتة برنو في حالة من العوز الشديد. إننا نود العودة إلى القرى والإقامة فيها. غير أن الإقامة فيها غير مأمونة. فعمليات الجنجويد ما زالت كثيفة جدا على أطراف مخيمنا. وكثيرا ما يتعرض الأشخاص في مخيمنا لهجوم الجنجويد عندما يغادرون المخيم. وثمة مخيم تابع لشرطة الحكومة على مقربة من مخيمنا، ولكن الشرطة تقاعست عن حماية أهالينا من هجوم الجنجويد. وقبل شهرين، هجم الجنجويد على عمي وأخته عندما غادرا مخيم فتة برنو ناحية قرية كرين. وقتل الجنجويد أخت عمي وأطلقوا الرصاص على عمي فأصابوه في كتفه اليمنى وساقه اليمنى.
397 -    وقد تبين للجنة أن اختطاف النساء على أيدي الجنجويد يشكل أيضا جزءا من بعض حوادث الهجمات التي حققت فيها، بما في ذلك التي وقعت في الطويلة بشمال دارفور، وملقة ومنقرصة والكنجو بغرب دارفور. ولقد كان في مقدور الذين فروا أو أفرج عنهم في نهاية المطاف أن يحكوا ما قاسوه من حالات الحبس القسري والاسترقاق الجنسي والاغتصاب والتعذيب. وكنمط عام، كان يجري إخراج النساء قهرا من قراهن ويُستبقين في معسكرات الجنجويد مدة من الزمن قد تمتد أحيانا إلى ثلاثة أشهر، قبل أن يفرج عنهن أو يتمكن من الفرار من الأَسْر.
398 -    وفي بعض حوادث هجمات الجنجويد، جرى اختطاف رجال وفتيان وما زالوا مفقودين في العديد من الحالات. وتلقت اللجنة أدلة على اختطاف المدنيين على أيدي قادة الجنجويد واحتجازهم في المعسكرات التي تعرفت عليها اللجنة والتي كانوا يتعرضون فيها للتعذيب والتشغيل. وخلال زيارات الرصد المرتبة سلفا لفائدة المراقبين المستقلين، نُقل أولئك المدنيون خارج المعسكر وتم إخفاؤهم. ولدى اللجنة أدلة موثوق بها تدل على أن القوات العسكرية تسيطر على تلك المعسكرات وأن الضباط العسكريين كانوا على علم بالاحتجاز غير الشرعي للمدنيين في المعسكر. وفي إحدى الحالات، احتجز الجنجويد مدنيا في أعقاب هجوم على قريته، وأبقي في الأسر في معسكر الجنجويد، ثم نُقل فيما بعد إلى ثكنة عسكرية في المنطقة.
399 -    وشملت أخطر حالات الاختفاء القسري اختفاء المدنيين على أيدي جهاز الأمن والمخابرات، المدنية منها والعسكرية. وتلقت اللجنة معلومات موثوق بها مؤداها أن عدة أفراد قد نقلوا على أيدي أشخاص يعملون في الاستخبارات العسكرية أو الأمن. وفي حين عاد بعض من هؤلاء الأفراد في وقت لاحق، يظل العديد منهم مفقودين. وقدم الذين عادوا شهادة موثوقا بها حول وجود عدد كبير من المفقودين في أماكن احتجاز غير رسمية وسرية، يرعاها جهاز الأمن في مواقع مختلفة من منطقة دارفور.
400 -    وفي إحدى الحالات التي وقعت خلال هجوم مشترك قام به في آذار/مارس 2004 الجنجويد والقوات المسلحة الحكومية على عدة قرى تقع حول الدليج في منطقة وادي صالح في غرب دارفور، جرى احتجاز 300 شخص ونقلهم على أيدي القوات الحكومية. وما زال نصف هؤلاء الأشخاص تقريبا مفقودا، ويخشى أن يكون العديد منهم قتلوا.
401 -    ويبدو أن الاعتقال والاحتجاز غير الشرعيين للأشخاص ممارسة شائعة في عمليات جهاز أمن الدولة فيما يتصل بالصراع في دارفور. وقد التقت اللجنة بأشخاص كانوا قيد الاحتجاز السري. وكان من بين أولئك المحتجزين طلبة ومحامون وتجار. وفي العديد من هذه الحالات، كانت أسرهم على غير علم باعتقالهم أو بأماكن وجودهم. وكان من بينهم صبي عمره 15 عاما اعتُقل في تشرين الثاني/نوفمبر 2004 في نيالا شمالَ دارفور، عندما كان عائدا إلى منزله من العمل. ولم تعلم أسرته بأمر اعتقاله أو بمكان وجوده. وكان الصبي مريضا بداء الصرع، ولم يتلق أي مساعدة طبية منذ احتجازه. وكان جميع المحتجزين يوضعون في الحبس الانفرادي. وباستثناء الحالة المذكورة أعلاه، أبقي الجميع رهن الاحتجاز لمدة تزيد عن ثلاثة أشهر، بل قد استغرقت تلك المدة سنة تقريبا في حالة واحدة، بدون توجيه أي تهمة لهم. ولم يقدموا إلى محكمة أبدا، كما لم يسمح لهم برؤية محام.
402 -    وتلقت اللجنة أيضا معلومات موثوقا بها بشأن حالات اختطاف على أيدي المتمردين. وفي حالة هجوم للمتمردين على قلبوس في قرب نهاية عام 2003، اختُطف 13 رجلا وما زالوا مفقودين. وفي هجوم آخر على إحدى القرى في منطقة ظلاطية غربَ دارفور، اختُطف ثلاثة أطفال على أيدي مجموعة من المتمردين. ولا يزال هؤلاء الأطفال في عداد المفقودين. وتلقت اللجنة معلومات إضافية عن قيام المتمردين باختطاف أشخاص من فتة برنو ومقلة وكلكل. واتهم المتمردون هؤلاء الأشخاص بالتعاون مع الحكومة والقبائل العربية. وتلقت اللجنة معلومات موثوق بها تفيد أن هؤلاء الأشخاص عذبوا وعُرِّضوا للمعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة. وفي حالات أخرى، اختُطف الأشخاص بعد أن صودرت مركباتهم واقتيدوا من قبل مجموعات المتمردين. وذُكِرت حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة باعتبارهما الجهتين المسؤولتين عن تلك الحوادث.

    (ب)    التكييف القانوني
403 -    تكفل المادة 9 من العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حماية حق كل فرد في الحرية وفي الأمان على شخصه. على أنه يتعين بالضرورة أن تقرأ أحكام تلك المادة في سياق سائر الحقوق التي يسلم بها العهد، ولا سيما عدم جواز التعذيب في المادة 7، والمادة 10 التي تنص على المبدأ الأساسي المتمثل في المعاملة الإنسانية لجميع الأشخاص المحرومين من حريتهم واحترام كرامتهم. وأي حرمان من الحرية يجب أن يتم طبقا لأحكام المادة 9: إذ يجب ألا يكون الحرمان من الحرية تعسفيا؛ ويجب أن يتم طبقا للقانون وللإجراء المقرر فيه؛ ويجب تقديم معلومات عن أسباب التوقيف؛ ويجب إتاحة الرجوع إلى محكمة للفصل في الاعتقال، فضلا عن الحصول على تعويض في حال وقوع انتهاك. وتسري تلك الأحكام حتى عندما يستخدم الاحتجاز لأسباب الأمن العام.
404 -    ومن بين الضمانات المهمة التي تنص عليها الفقرة 4 من المادة 9، الحق في الرجوع إلى محكمة للفصل في قانونية الاعتقال. وقد ذكرت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في تعليقاتها العامة أن الضمانات التي قد تمنع انتهاكات القانون الدولي هي الأحكام التي تمنع الحبس الانفرادي، وتمنح المحتجزين إمكانية مناسبة للوصول إلى أشخاص من قبيل الأطباء والمحامين وأفراد العائلة. وفي هذا الصدد، شددت اللجنة أيضا على أهمية الأحكام التي تقتضي احتجاز المعتقلين في أماكن معروفة لدى العموم وتستوجب تسجيل أسماء المعتقلين وأماكن الاعتقال حسب الأصول. ويستنج من تعليقات اللجنة أنه لكي تكون الضمانات فعالة، يجب أن تتاح تلك السجلات للأشخاص المعنيين، كالأقارب، أو لأشخاص مستقلين يتولون الرصد والمراقبة.
405 -    وحتى في الحالات التي تتحلل فيها دولة ما تحللا شرعيا من بعض أحكام العهد، فإن حظر الاحتجاز غير المعترف به أو احتجاز الرهائن أو حالات الاختطاف، يكتسي صبغة مطلقة. ولا تخضع للاستثناء معايير القانون الدولي تلك، شأنها في ذلك شأن الحق الإنساني لجميع الأشخاص في أن يعاملوا معاملة إنسانية وباحترام للكرامة المتأصلة في الشخص الإنساني.
406 -    وتقع المسؤولية الأساسية عن الامتثال للالتزامات القائمة بموجب القانون الدولي على عاتق الدول. وتتسع مهمة الدول لتشمل كفالة حماية تلك الحقوق حتى عندما تتعرض للانتهاك أو التهديد من قبل أشخاص ليس لهم أي مركز أو سلطة رسمية. وتظل الدول مسؤولة عن جميع انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان التي تقع بسبب تقاعس الدولة عن تهيئة الظروف التي تمنع الأعمال المحظورة أو اتخاذ التدابير اللازمة لردعها، كما تكون مسؤولة عن أية جرائم فعل بما في ذلك التشجيع على تلك الأعمال المحظورة أو إصدار الأمر بارتكابها أو التسامح إزاءها أو اقترافها.
407 -    وتبرز أهمية تحديد المسؤولية الجنائية الفردية عن الجرائم الدولية سواء ارتكبت في إطار سلطة الدولة أو خارج نطاق تلك السلطة، علاوة على مسؤولية الدولة وهي تمثل جانبا حاسما في وجوبية إنفاذ الحقوق وحمايتها من الانتهاك. ويتيح القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي الروابط الضرورية لعملية التحديد تلك.
408 -    وفيما يتعلق بالقانون الإنساني الدولي، تحظر المـــادة 3 المشتركة بين اتفاقيــات جنيف أعمال الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، بما في ذلك المعاملة القاسية والتعذيب، وأخذ الرهائن، والاعتداء على الكرامة الشخصية، وعلى الأخص المعاملة المهينة أو الحاطة بالكرامة.
409 -    ووفقا للنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، فإن عبارة "الاختفاء القسري للأشخاص" تعني إلقاء القبض على أي أشخاص أو احتجازهم أو اختطافهم من قبل دولة أو منظمة سياسية، أو بإذن أو دعم منها لهذا الفعل أو بسكوتها عليه. ثم رفضها الإقرار بحرمان هؤلاء الأشخاص من حريتهم أو إعطاء معلومات عن مصيرهم أو عن أماكن وجودهم، بهدف حرمانهم من حماية القانون لفترة زمنية طويلة(150).وعندما ترتكب تلك الأعمال كجزء من هجوم واسع أو منتظم موجه ضد سكان مدنيين، مع العلم بالهجوم، فإنها قد تشكل جريمة ضد الإنسانية(151).
410 -    وقد يندرج اختطاف النساء على أيدي الجنجويد ضمن الاختفاء القسري بوصفه جريمة ضد الإنسانية. وتثبت الحوادث التي جرى التحقيق فيها أن حالات الاختطاف تلك كانت منتظمة، وأنها ارتكبت بقبول ضمني من جانب الدولة، بما أن حالات الاختطاف أعقبت هجمات مشتركة بين الجنجويد والقوات الحكومية ووقعت في حضورها وبعلمها. وكانت النساء يُستبقين في الأسر لمدة طويلة من الوقت، وكانت أماكن وجودهن غير معروفة لدى أسرهن على امتداد فترة حبسهن. وتعتبر اللجنة أيضا أن القيود المفروضة على المشردين داخليا المقيمين بالمخيمات، ولا سيما النساء، عن طريق بث الرعب في نفوسهن بواسطة أعمال الاغتصاب أو القتل أو التهديد بالاعتداء على الحياة والسلامة البدنيــة من قبــل الجنجويد، تشكل حرمانا خطيرا من الحرية البدنية، وبالتالي انتهاكا لقواعد القانون الدولي.
411 -    وتعتبر اللجنة أيضا أن إلقاء القبض على الأشخاص واحتجازهم على أيدي جهاز أمن الدولة والاستخبارات العسكرية، بما في ذلك إبان الهجمات وعمليات الاستخبار ضد القرى، قد تشكل أيضا جريمة الاختفاء القسري بوصفها جريمة ضد الإنسانية، وذلك بغض النظر عن كونها تشكل انتهاكات خطيرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان. ولقد كانت تلك الأعمال منهجية وواسعة النطاق على السواء.
412 -    إن اختطاف الأشخاص خلال هجمات الجنجويد واحتجازهم في مخيمات يتعهدها الجنجويد، بدعم وتواطؤ من القوات العسكرية الحكومية، يشكلان انتهاكين جسيمين لحقوق الإنسان ويندرجان ضمن حالات الاختفاء القسري. على أن اللجنة لم تعثر على أي دليل على أنهما كانا من اتساع النطاق والانتظام بحيث يشكلان جريمة ضد الإنسانية. غير أن المحتجزين عُرِّضوا لاعتداءات جسيمة على حياتهم وسلامتهم البدنية. فقد عذبوا أو عُرِّضوا للمعاملة القاسية والمهينة والحاطة من كرامتهم. وارتكبت تلك الأعمال في إطار الصراع المسلح وارتبطت به ارتباطا مباشرا. وتعتبر اللجنة أن تلك الأعمال تشكل جرائم حرب باعتبارها انتهاكات خطيرة للمادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف، الملزمة للسودان.
413 -    كما أن اختطاف الأشخاص على أيدي المتمردين يشكل انتهاكات خطيرة وجسيمة لحقوق الإنسان، وتندرج ضمن الاختفاء القسري، ولكن اللجنة لم تعثر على أي دليل على أنها كانت من اتساع النطاق والانتظام بحيث تشكل جريمة ضد الإنسانية. غير أن اللجنة تمتلك ما يكفي من المعلومات التي تثبت أن الاعتداءات على الحياة والسلامة البدنية للمحتجزين ارتكبت إبان الحوادث التي حققت فيها اللجنة. كما تعرض المحتجزون للتعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة. وارتكبت تلك الأعمال في إطار الصراع المسلح وارتبطت به ارتباطا مباشرا، ومن ثم فهي تشكل جرائم حرب بوصفها انتهاكات خطيرة للمادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف.

    11 -    تجنيد الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة واستخدامهم في أعمال القتال المسلح
    (أ)    النتائج فيما يتعلق بالوقائع
414 -    كان ثمة بعض التقارير من مصادر أخرى عن استخدام الأطفال الجنود من قبل المجموعتين المتمردتين حركة العدل والمساواة وحركة تحرير السودان. بيد أن تلك التقارير لم تتضمن تفاصيل فيما يتعلق، مثلا، بطريقة تجنيدهم أو منطقة نشرهم. ووجهت حكومة السودان أيضا هذا الادعاء ضد المتمردين، ولكنها لم تقدم أي معلومات محددة أو أدلة يمكنها أن تساعد اللجنة في التوصل إلى نتيجة فيما يتعلق بصحة أو عدم صحة هذه الواقعة.
415 -    وتدل تحريات اللجنة على أن حركة العدل والمساواة وحركة تحرير السودان قاما باستخدام الأطفال كجنود. على أنه ليس ثمة ما يدل على أن ذلك يشكل تجنيدا قسريا. وقد شوهد هؤلاء الأطفال وهم يرتدون زيا رسميا ويحملون أسلحة داخل معسكرات المتمردين وحولها. وأكد المراقبون المستقلون وجود الأطفال الجنود في مناطق الصراع. ورغم أن اللجنة لا يمكن أن تستبعد مشاركتهم في القتال، فإنها لم تتلق معلومات موثوق بها عن نشر الأطفال الجنود في القتال المسلح.
416 -    وواجهت اللجنة قادة مجموعتي المتمردين كلتيهما بتلك الادعاءات أثناء لقاءاتها بهم. وقد أنكرت المجموعتان كلتاهما استخدام الأطفال في الصراع المسلح. ولا تنكر قيادة حركة تحرير السودان أن الأطفال يقيمون في بعض المعسكرات التابعة لها. بيد أنها تنكر أن يكون أولئك الأطفال جنودا أو أن يكونوا مشاركين في أعمال القتال المسلح. وتذكر تلك القيادة أن أولئك الأطفال يُتِّموا نتيجة للصراع وأن جيش تحرير السودان يوفر لهم الرعاية. ولا تعتبر اللجنة أن هذا التفسير مقنع. وعلى نحو ما ذكر أعلاه، أكدت مصادر مختلفة أن الأطفال يرتدون الزي الرسمي ويحملون الأسلحة. وبالتالي، لا يمكن للجنة أن تستبعد مشاركتهم في القتال.

    (ب)    التقييم القانوني
417 -    على نحو ما ذكر آنفا، نشأت قاعدة عرفية دولية بشأن هذه المسألة مفادها أنه يُحظر استخدام الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة في أعمال القتال المسلح. وقد صادق السودان أيضا على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 182 المتعلقة بحظر أسوأ أشكال عمل الأطفال واتخاذ إجراءات فورية للقضاء عليها، التي تحظر التجنيد القسري أو الإجباري للأطفال لاستخدامهم في النـزاع المسلح. وتعرف الاتفاقية الأطفال بكونهم جميع الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 18 سنة. وعلاوة على ذلك، يعد المتمردون، شأنهم في ذلك شأن حكومة السودان، ملزمين بالمادة 8 من البروتوكول المتعلق بتحسين الحالة الأمنية في دارفور وفقا لاتفاق نجامينا، المؤرخ 9 تشرين الثاني/نوفمبر 2004. وبموجب هذا الحكم تمتنع الأطراف عن استخدام الأطفال كجنود أو مقاتلين، وفقا للميثاق الأفريقي لحقوق الطفل الأفريقي ورفاهه واتفاقية حقوق الطفل والبروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن اشتراك الأطفال في المنازعات المسلحة.
418 -    ويترتب على ذلك أنه إذا ثبت على نحو مقنع أن الحكومة أو المتمردين جندوا الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة في أعمال القتال العسكري الفعلي، فيجوز مساءلتهم على تلك الجريمة.

    سابعا -    الإجراءات التي اتخذتها الهيئات السودانية لوقف الانتهاكات ومعالجتها
419-    وجه انتباه حكومة السودان إلى الجرائم الخطيرة التي يدعى ارتكابها في دارفور. ولم يكن المجتمع الدولي وحده هو الذي يطالب بوضع حد للانتهاكات وتقديم مرتكبيها للعدالة، بل والأهم من ذلك أن هذا ما كان يطالب به شعبه. ففي حين أقر عدد من المسؤولين الحكوميين بارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان والقانون الإنساني في دارفور، إلا أنهم قالوا إن مرتكبيها كانوا يتصرفون بروح المسؤولية وبنية حسنة لوقف العنف ومعالجة الأزمة. وقال البعض إنه رغم القول بأن الحكومة لم تكن قادرة أحيانا على كل معالجة المشاكل إلا أنه لا يمكن لأحد أن يزعم بأنها لم تكن راغبة في ذلك.
420-    ويقيّم الفرع الوارد أدناه فعالية التدابير التي اتخذتها حكومة السودان، وخاصة فيما يتعلق بالتحقيق في هذه الجرائم وتقديم مرتكبيها للعدالة. وهو يركز على دور وكالات إنفاذ القانون بشكل خاص، ولا سيما الشرطة، ويبحث بعض جوانب النظام القانوني والقضائي، ويقيم بعض الآليات غير القضائية، مثل لجنة التحقيق الوطنية واللجان المعنية بالاغتصاب.

    ألف -    الإجراءات التي اتخذتها الشرطة
421-    إن دور الشرطة في الصراع الحالي غير واضح تماما. إذ تدعي الحكومة بأن هذه المؤسسة أضعفت نتيجة الصراع في دارفور. فقد كانت الهجمات على مخافر الشرطة ومعاقلها ونهب الأسلحة على يد المتمردين، سمة رئيسية في أعمال التمرد. وفي واقع الحال، تزعم الحكومة أنه خلال الفترة من كانون الثاني/يناير 2003 إلى تشرين الثاني/نوفمبر 2004، قتل 685 شرطيا على يد المتمردين، وجرح 500، وأن 62 شرطيا في عداد المفقودين، وتم نهب 247 1 قطعة سلاح من مخافر الشرطة(152)، وتفيد بأن ذلك أدى إلى تقوض القانون والنظام، وتشجيع أعمال اللصوصية والجريمة.
422-    والمعتاد في الصراعات المسلحة الدولية أن قوة الشرطة المدنية لا تشارك رسميا في أعمال القتال، ويمكن اعتبارها على الأقل نظريا، جهة غير مقاتلة تستفيد من الضمانات والحمايات من الهجمات. أما في حالة الصراع الداخلي الخاصة في دارفور، فإن التمييز بين الشرطة والقوات المسلحة غالبا ما يكون غير واضح. وهناك عوامل قوية تشير إلى وجود حالات قاتلت فيها الشرطة إلى جانب قوات الحكومة خلال الهجمات، أو أنها امتنعت عن التدخل أو التحقيق في الهجمات على السكان المدنيين، التي ارتكبها الجنجويد. وتوجد -كذلك مزاعم واسعة الانتشار ومؤكدة بأن بعض أعضاء الجنجويد قد أدمجوا في الشرطة. وأكد الرئيس البشير في لقاء مع وسائط الإعلام الدولية أنه لكبح جماح الجنجويد، فقد تم إدماجهم في "مجالات أخرى"، مثل القوات المسلحة والشرطة"(153). لذلك، فإن اللجنة ترى أن الوضع "المدني" للشرطة في سياق الصراع في دارفور، أمر يدعو للتساؤل(154).
423-    بيد أن الضحايا عزوا في بعض الأحيان دورا إيجابيا للشرطة. فقد أخبروا اللجنة بأن الشرطة كانت مستهدفة بالفعل خلال الهجمات التي شنت على القرى، إلا أنهم أنحوا باللائمة بشكل رئيسي على الجنجويد لمثل هذه الأعمال. وكذلك، ففي حين أعرب الضحايا غالبا عن عدم ثقتهم بقدرة الحكومة ورغبتها في الدفاع عنهم، كانت الشرطة موضع استثناء من هذا الاتجاه. ولعل السبب يعزى إلى أنه باستثناء قادة الشرطة، كان معظم أفراد الشرطة في دارفور من أبناء دارفور. وأبلغ بعض الشهود اللجنة أنه خلال الهجمات التي شنها الجنجويد، كانت الشرطة، التي كانت قليلة العدد في الغالب تحاول الدفاع عن القرويين، إلا أنها لم تكن في أغلب الأحيان جيدة التجهيز، وكان مهاجموهم يفوقونهم عددا. وأحد الأمثلة على ذلك، الهجوم الذي شنه الجنجويد على موللي (قبيلة المساليت) في 23 نيسان/أبريل 2003 - في يوم انعقاد السوق. وقد دمرت أكشاك السوق تدميرا تاما ونهبت المواشي. وألقت الشرطة القبض على 7 من الجنجويد، لكن المحكمة أمرت بإطلاق سراحهم، بزعم عدم توفر الأدلة.
424-    وقد بدأ اتجاه تفوق الجنجويد على الشرطة، حتى قبل حدوث الأزمة الحالية، ويمكن استخلاص ذلك من المعلومات التي قدمتها الحكومة نفسها. فمثلا، يصف الحكم الصادر في القضية المعروفة بقضية "جاكر الهادي المقبول وآخرين"، كيف أن مجموعة مشتركة من الشرطة والقوات الشعبية المسلحة يبلغ عددها 39 شخصا، تركوا سكان الثابت تحت رحمة مجموعة كبيرة من مهاجمي الفرسان(155). وتشمل القضية قبيلتين عربيتين هما قبيلة المماليا والرزيقات. وتتمثل وقائع القضية في مقتل أحد أفراد الأمن الوطني من قبيلة الرزيقات في شجار مع رجلين من الشرطة من قبيلة المماليا. وبعد 40 يوما من الحادث، اجتمع من 700 إلى 800 شخص من الفرسان بلباسهم الرسمي ومجهزين بالأسلحة للانتقام لموته . وهاجموا وقتلوا 54 شخصا وجرحوا 24 شخصا آخر، وحرقوا منازل قبل انسحابهم، ونهبوا أبقارا وممتلكات منزلية. واستنادا إلى الحكم، فقد طلبت القوات الرسمية البالغ عددها 39 شخصا من الشرطة والقوات الشعبية، من قيادتها السماح لها بالتصدي للمهاجمين،لكن القيادة رفضت بسبب الفارق العددي ثم انسحبت القوات الرسمية.
425-    ومع تصاعد الأزمة وعدم فعالية الشرطة في معالجة الأزمة، بدا أن السكان في دارفور لم يعد لديهم الثقة في هذه المؤسسة. وقد أبلغ عدد من الضحايا اللجنة بأنهم لم يتوجهوا إلى الشرطة لتقديم شكاواهم عن الأعمال التي قامت بها القوات الرسمية أو الجنجويد. إذ كانوا يعتقدون أن الشرطة لن تتابع هذه الشكاوى، وكانوا يخشون من عمليات الانتقام. وفي الواقع، عندما طلب إلى الموظفين في ولايات دارفور الثلاث تقديم معلومات عن عدد الشكاوى المسجلة، قدموا بشكل رئيسي قوائم بالشكاوى المسجلة بشأن الهجمات التي قام بها المتمردون. أما بالنسبة للهجمات التي شنها الجنجويد، فلم تقدم سوى معلومات قليلة. وكانت أكثر قوائم الشكاوى شمولا ضد الجنجويد هي التي قدمها محافظ شمال دارفور. وقد شملت 93 شكوى مسجلة بين الفترة من شباط/فبراير 2003 إلى تشرين الثاني/نوفمبر 2004. إلا أن القائمة لم تتحدث عن التدابير التي اتخذتها الشرطة لمتابعة هذه الشكاوى.
426-    وزعمت الحكومة أنه كان يوجد بين 000 9 و 000 12 شرطي منتشرين في دارفور لحماية الأشخاص المشردين داخليا. إلا أن هؤلاء الأشخاص المشردين داخليا لم يلمسوا تأثير هذا التواجد، كما يظهر الوضع في مخيم فاتابورنو للمشردين داخليا. فقد حصر السكان في منطقة حددت بصخرة حمراء وقاع نهر (وادي). وكانت أي محاولة يقوم بها شخص من السكان المشردين داخليا للمغامرة باجتياز المنطقة المحددة، تقابل بطلقات نارية من الجنجويد في مخابئهم الجبلية القريبة. ولم تبد الشرطة، المتمركزة على حافة المخيم، أي اهتمام بالتصدي للجنجويد. ومن المنطقي الافتراض بأن وجود الشرطة كان يعود لأسباب سياسية أكثر من كونها لتوفير الحماية. وفيما بين الفترة 27 أيلول/سبتمبر 2003 وأيار/مايو 2004، تعرضت 7 قرى(156) بالقرب من نيالا للهجوم المستمر على يد الجنجويد. وقد أسفر ذلك عن نزوح ما يزيد على 000 1 مدني. ولم تتخذ الشرطة أي إجراء ضد الجنجويد.
427-    وقد منعت عوائق إجرائية عديدة الشرطة من القيام بعمل فعال. ومثال على ذلك، الممارسة التي تقتضي من ضحايا جرائم معينة في دارفور، كالاغتصاب، الحصول على ما يسمى "النموذج 8" من الشرطة قبل التمكن من الحصول على الفحص والمعالجة الطبية. وقد اعتمد أمر توجيهي عنوانه "مرسوم جنائي صادر عن وزارة العدل 1-2004"، الذي سرى مفعوله اعتبارا من 21 آب/أغسطس 2004، للاستغناء عن ذلك الطلب. إلا أنه كان من الواضح من اللقاءات التي أجرتها اللجنة مع ضحايا الاغتصاب، بمن فيهن الضحايا في مخيم زمزم للمشردين داخليا في شمال دارفور، بأن الشرطة كانت لا تزال تطبق قاعدة النموذج رقم 8. وكان التردد ينتاب مكتب المدعي العام والشرطة عند سؤالاهما عن معرفتهما بالمرسوم، واتضح للجنة أنهما لم يكونا على علم بوجود هذا المرسوم. كما أن المسؤولين القضائيين في الخرطوم لم يكونوا على علم بمرسوم آب/أغسطس 2004 وبالمرسوم اللاحق حول المسألة ذاتها، الذي أصبح ساري المفعول اعتبارا من 11 كانون الأول/ديسمبر 2004.

    باء -    الإجراءات التي اتخذتها الهيئة القضائية
428-    طلبت اللجنة مرارا إلى الحكومة أن تزودها بمعلومات عن الإجراءات القضائية التي اتخذتها لتقديم مرتكبي الجرائم المزعومة في دارفور إلى العدالة. ورغم الطلبات المتكررة التي قدمتها اللجنة، واصلت الحكومة ذكر حالة واحدة فقط تتصل بمهمة اللجنة والتي اتخذت الهيئة القضائية إجراء فيها عام 2003. وكانت تلك هي قضية جمال سليمان محمد شايب في قرية حلوف المتعلقة بمقتل 24 فردا، بعضهم من النساء والأطفال، ونهب الممتلكات وحرق القرية. أما القضيتان الأخريان اللتان أحيلتا إلى اللجنة كدليل على الإجراءات التي اتخذتها الهيئة القضائية فهما أولا قضية جاكر الهادي المقبول وآخرون المعروضة أمام المحكمة الخاصة في نيالا المذكورة أعلاه، والثانية قضية حافظ محمد دهب وآخرون المتعلقة بالهجمات على قرية جقمة وجبرة التي أسفرت عن مقتل 4 أشخاص، وحرق أحد الأشخاص، وجرح آخرين، وكذلك نهب البيوت وحرقها. إلا أن هاتين القضيتين المعنيتين حدثتا في عام 2002. لذلك فإن اللجنة تعتبر أن الحكومة أخفقت في إظهار أنها اتخذت تدابير لمقاضاة المتورطين في الهجمات التي حدثت منذ شباط/فبراير 2003.
429-    واستشهدت الحكومة كذلك بثلاث قضايا جرى فيها قصف عن طريق الخطأ. وذكرت أنها عوضت ضحايا قرى هبيلا، وأم جوزين وتولو. وقدم رئيس اللجنة العسكرية التي أنشئت لتعويض الضحايا في هبيلا إحاطة للجنة. وزعم بأن الضحايا أحجموا عن الحصول على التعويض. إلا أن اللجنة علمت من مصادر أخرى أن السبب الحقيقي هو أن الضحايا ألحوا على إجراء تحقيق شامل في الخطأ المزعوم الذي حدث.
430-    واتهمت الحكومة المتمردين بمهاجمة مباني المحكمة وموظفيها، ليستدل من ذلك على أن هذا قد أضعف من فعاليتها. واستشهادا بأحد الأمثلة، أُبلغت اللجنة أنه أثناء هجوم شن على كتوم، شمال دارفور في 1 آب/أغسطس 2003¡ هاجم المتمردون المحكمة الجنائية وبيوت القضاة ونهبوا محتوياتها. كما أحرقت الوثائق ومواد الإثبات والملفات. وخلال هجوم شن في 10 تموز/يوليه 2004 على قربة أليت، التي كانت موضع هجمات متكررة من قبل حركة/جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة وكذلك القوات الحكومية، اختطف المتمردون قاضيا. ثم أطلق سراحه في 13 آب/أغسطس 2004. وفي هجوم آخر على القرية ذاتها في 20 أيلول/سبتمبر 2004، ادعت الحكومة أن المتمردين هاجموا المحكمة ودمروا أثاثها والوثائق فيها. ويبدو أن منزل القاضي قد نهب أيضا.
431-    ووفقا للنتائج التي توصلت إليها اللجنة، لا يبدو أن النظامين القضائي والقانوني في السودان بشكلهما الحالي قادران على مواجهة التحديات الخطيرة الناجمة عن الأزمة في دارفور. فقد أعرب الضحايا غالبا عن عدم الثقة في قدرة الهيئة القضائية على العمل باستقلالية وبطريقة حيادية. وإن وجود بعض كبار القضاة في دارفور ممن شاركوا في وضع السياسات المثيرة للجدل وتنفيذها مثل عودة الأشخاص المشردين داخليا، قد أضعف من مصداقية الهيئة القضائية في أعين الجماهير. وفيما يلي وصف مقتضب للنظام القضائي وتقييم عن قدرته في نشر العدالة وفق معايير حقوق الإنسان الدولية.

    1 -    لمحة عامة عن النظام القضائي السوداني
432 -    يؤكد دستور عام 1998 استقلالية الهيئة القضائية. إلا أنه يبدو أن الهيئة القضائية تم التلاعب فيها وتسييسها خلال العقد الأخير. إذ يتعرض القضاة الذين لا يتفقون مع الحكومة غالبا إلى المضايقة، بما في ذلك الطرد من الخدمة.
433 -    وتحدد المادة 103 من الدستور هيكل النظام القضائي في البلد الذي يشمل المحكمة العليا، ومحاكم الاستئناف، والمحاكم الابتدائية. وحسب الترتيب الهرمي، تأتي المحكمة العليا، المؤلفة من ثلاثة قضاة وذات أعلى سلطة قضائية ونهائية، في قمة الهرم. وتعد قراراتها في دعاوى الاستئناف المحالة إليها من محكمة الاستئناف حول المسائل الجنائية والمدنية والشخصية والإدارية نهائية، ولا يمكن أن يغيرها إلا رئيس القضاء، إذا رأى مخالفة قانون معين للشريعة.
434 -    ويوجد لكل عاصمة ولاية محكمة استئناف يرأسها ثلاثة قضاة. وتقع دعاوى الاستئناف في المسائل الجنائية والمدنية والشخصية المحالة من المحاكم العامة في إطار محكمة الاستئناف. ويمكن للمحكمة أن تراجع قرارتها ولها اختصاص محكمة ابتدائية ذات قاضي واحد لاستعراض المسائل المتعلقة بالسلطة الإدارية.
435 -    وتنشأ المحاكم العامة بموجب قانون الإجراءات الجنائية لعام 1991 الذي يتيح لرئيس القضاء أن يشكلها، وأن يحدد اختصاصها. وينقسم اختصاص المحاكم إلى استئنافي جزئيا وابتدائي في جزء آخر. وتحال دعاوى الاستئناف من المحاكم المحلية إلى المحاكم العامة. ويكمن الاختصاص الأصلي للمحاكم في إصدار الأحكام بشأن القضايا التجارية، والقضايا التي تشمل الأحوال الشخصية لغير المسلمين.
436 -    وللمحاكم الجزئية اختصاص أصلي واستئنافي لسماع دعاوى الاستئناف المتعلقة بالمسائل المدنية (القانون الإجرائي المدني لعام 1983) والمسائل الجنائية (القانون الجنائي لعام 1991) من محاكم المدن. ويقوم رئيس القضاء بتحديد الصلاحيات المالية للمحاكم في القضايا المدنية وسلطاتها الجزائية فيما يتعلق بفرض غرامات في المسائل الجنائية.
437 -    وتعد محاكم المدن أدنى درجات المحاكم في السودان. إذ يمكن استئناف القرارات التي تصدرها محاكم المدن في المحاكم الجزئية. وهي محاكم شعبية يتم اختيار أعضائها من بين مواطنين من ذوي السيرة والسمعة الحسنة. ومما يميز هذه المحاكم تطبيقها للأعراف التي لا تتعارض مع القانون العام أو السياسة العامة. وفي معظم الحالات، تلجأ إلى المصالحة والاتفاق في حل النـزاعات بشأن مناطق الرعي والماء والزراعة. ويتم إنشاؤها بموجب أمر يصدره رئيس القضاء.
438 -    وبالإضافة إلى ذلك، تقوم محكمة دستورية مُنشأة بموجب المادة 105 من الدستور بشكل رئيسي بالنظر والبت في المسائل المتعلقة بتفسير مواد الدستور، ومن بين أمور أخرى، "مزاعم المتظلمين من أجل توفير الحماية للحريات والحرمات والحقوق التي يكفلها الدستور". وبما أن رئيس الجمهورية علّق أحكاما هامة في الدستور عام 1999 ومنح سلطات واسعة لأجهزة الأمن، فلا توجد إلا دلائل ضعيفة على فعالية هذه المحكمة.
439 -    ورغم الهيكل المبين أعلاه، فقد أُنشئ نظام من المحاكم الخاصة والمتخصصة، ولا سيما في دارفور. ويبدو أن القضايا التي تهم الحكومة تُحال إلى هذه المحاكم. وبالإضافة إلى المحاكم المبينة أدناه، أنشأ رئيس الجمهورية بعض المحاكم الاستثنائية للمحاكمة في قضايا معينة. فقد أُحيلت مثلا قضية تشمل 72 ضابطا في الجيش، معظمهم من دارفور، إلى هذه المحكمة الاستثنائية في الخرطوم. وقد أُحضر قاض من كردفان خصيصا للاشتراك في المحاكمة في هذه القضية.
440 -    وفي 12 كانون الثاني/يناير 2005، راقبت اللجنة جلسة محاكمة مجموعة مؤلفة من 28 شخصا من دارفور، كان منهم عدد من الطيارين في القوات الجوية رفضوا المشاركة في قصف مناطق في دارفور. ورغم أن الجلسة كان يشوبها التوتر، فقد أُخبرت اللجنة أنها المرة الأولى التي تجري فيها محاكمة وفق الإجراءات النظامية. ففي جلسات سابقة، كانت حتى الأسئلة المتعلقة بالقضايا القانونية التي يطرحها الدفاع مرفوضة. وفي إحدى المراحل طردت المحكمة فريق الدفاع. وخلال تلك الفترة، كان الشهود يُستجرَبون ويتم الحصول على اعترافات ضد المتهمين. وعندما غيّر شاهد إفادته أثناء جلسة المحاكمة بعد تدخل محامي الدفاع، بدأت المحكمة إجراءات شهادة الزور ضده فانهار في المحكمة.

    2 -    المحاكم المتخصصة
441 -    أُنشئت مبدئيا كمحاكم خاصة بمراسيم بموجب حالة الطوارئ في دارفور في عام 2001، وحُوّلت المحاكم في عام 2003 إلى محاكم متخصصة. فقد أصدر رئيس القضاء مرسوما في 28 آذار/مارس 2003 أنشأ بموجبه أولا المحكمة المتخصصة في غرب دارفور، وفعل الشيء ذاته فيما بعد في شمال وجنوب دارفور. إلا أنها فشلت في إصلاح بعض العيوب في المحاكم الخاصة التي انتقلت إلى المحاكم المتخصصة.
442 -    وورثت المحاكم المتخصصة وظائف واختصاصات المحاكم الخاصة. ولذلك، فإن المحاكم الجديدة مثل سلفها، تقوم بمحاكمة المتهمين بأعمال السطو المسلح، واللصوصية، والجرائم المرتكَبة ضد الدولة، وحيازة الأسلحة النارية غير المرخصة، والهجمات ضد الدولة، وتعكير صفو النظام العام، وأي جرائم يمكن أن يدرجها رئيس القضاء أو رئيس الجهاز القضائي في اختصاص المحكمة. ويُذكر أن معظم ممن تمت محاكمتهم في هذه المحاكم لحيازة أسلحة هم من المجتمعات الزراعية، ولم يكونوا عمليا من القبائل البدوية أبدا.
443 -    وكان يرأس المحاكم الخاصة قاض مع عضو من الشرطة وعضو من الجيش. إلا أنه بما أن الذي يرأس المحكمة المتخصصة الآن قاض واحد، فإن السلطات السودانية تدفع بأن هذه المحاكم تعد أفضل بالمقارنة مع المحاكم السابقة. وثمة زعم آخر بأنها أُنشئت لدواعي السرعة والفعالية.
444 -    وقد أُنشئت المحاكم الجنائية المتخصصة خاصة في دارفور وكردفان، وذلك للمساعدة في تسريع جلسات بعض القضايا. إلا أن سبب إنشائها قد يوصف بأنه 'لانتهاج مسار سريع'، وليس 'للضرورة العملية'، وخاصة في ضوء الواقع إذ أنه، استنادا إلى التقارير، فإن جلسة من أجل تهمة يُعاقب عليها بالإعدام قد لا تستغرق أكثر من ساعة واحدة.
445 -    وتتمثل إحدى نقاط الضعف المتأصلة في المرسوم 2003 الذي أنشأ المحاكم، في عدم كفالة استبعاده للأدلة المستندة إلى الاعترافات التي تنتـزع نتيجة للتعذيب أو بأشكال أخرى من الإكراه. ومن الأمور الأساسية بالنسبة لمبادئ أصول المحاكمات عدم إرغام المتهم على أن يشهد ضد نفسه أو الاعتراف بالذنب (المادة 13-3 (ز) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية). لذلك، عندما يطعن أحد المتهمين في المحكمة بأن اعترافه المزعوم قد انتزع منه تحت التعذيب، يوجه انتباه المحكمة إلى التحقيق في هذا الطعن والحكم، مع إعطاء الأسباب، بمقبولية الدعوى أو الاعتراف المزعوم قبل متابعتها. وثمة أمثلة عديدة تبين أن المحاكم المتخصصة لا تضطلع بعملها بهذه الطريقة. وقد أُفيد أنه ألقي القبض على شخص في كانون الثاني/يناير 2004 بتهمة صلته بأعمال لصوصية. وقيل إنه عُذِّب على يد قوات الأمن مما أدى إلى اعترافه بالتهمة. ولدى مثوله أمام المحكمة في حزيران/يونيه 2004، قال للقاضي إنه اعترف تحت التعذيب وإنه يسعى لسحب اعترافه. فرفض القاضي بسرعة سحب الاعتراف واستمرت القضية ضد المتهم. وأي قانون يتجاهل إجراء التحقيق في اعتراف مطعون به، ويسمح للقاضي برفض سحب الاعتراف بسرعة، يتعارض مع حقوق المتهم.
446 -    ويسمح مرسوم المحاكم الخاصة بأن يمثل المتهم "أصدقاء" فقط. وبمعنى آخر، لا يستطيع المتهم أن يمارس حقه في أن يمثله محام يختاره هو. ورغم أن مرسوم عام 2003 يسمح بالتمثيل القانوني، فإنه غير مكتمل. وأمام المحامي وقت محدد لاستجواب شهود الإثبات وشهود الدفاع، وثمة قيود على زيارة المتهم المحتجز لتيسير إعداد دفاعه.
447 -    ولا تزال المحاكمات تجري بإجراءات موجزة، كما دأبت على ذلك المحاكم الخاصة ويمكن أن تصدر المحكمة أحكام الإعدام في طائفة واسعة من الجرائم. واستنادا إلى المرسوم، يجب تقديم استئناف خلال سبعة أيام إلى رئيس الجهاز القضائي، الذي يحيل القضية إلى أعضاء محكمة الاستئناف. وتُعتبر هذه فترة قصيرة نسبيا، إذا ما نظرنا إلى سجلات المحكمة وأسس الاستئناف التي يجب تحضيرها قبل إكمال تقديم الشكوى. كما لا تخضع القرارات التمهيدية للطعن. ولا يمكن للمرء إلا أن يعتقد بوجود عنصر هنا لتثبيط همة الأشخاص المدانين حتى لا يقوموا باستئناف الأحكام الصادرة، بإدانتهم. وباستثناء الحكم بالإعدام، والبتر، أو السجن المؤبد الذي يبت فيه فريق من القضاة، فإن الاستئناف يبت فيه قاض واحد. ولا توجد إمكانية لإجراء مراجعة قضائية أخرى. وفي الحالة التي يكون فيها حق الاستئناف محدودا يزداد احتمال الحكم على الأبرياء بالإعدام.
448 -    ولا يبدو أن المحكمة تميز بين المجرمين البالغين وبين القصّر. لذلك، يتعرض القصّر لخطر الحكم بالإعدام، ولا سيما عندما يُتهمون ويُحاكمون مع البالغين. ففي رواية موثوقة شملت محاكمة سبعة أشخاص أُلقي القبض عليهم في مخيم للمشردين داخليا في كالما كان من بينهم شخصان تقل أعمارهما عن 18 سنة. وأنكر السبعة التهمة وزعموا استخدام الوحشية من قبل الشرطة. وفي محكمة نيالا المتخصصة حيث كانوا يُحاكمون من أجل جريمة قتل، وكانوا يواجهون الحكم بالإعدام إذا ما أُدينوا.
449 -    والواقع هو أن المحاكم المتخصصة تنطبق بشكل رئيسي على دارفور وكردفان، وليس على السودان كله مما يجعل مصداقية وموثوقية هذه المحاكم مشكوكا فيها كما يجعل الغرض من هذه المحاكم واضحا وجليا للعيان. وستقدم الحكومة خدمة جليلة لنظامها القضائي إذا اتخذت خطوات لإلغاء المرسوم الذي أنشئت بموجبه المحاكم. وتوصي اللجنة بأن تكفل الحكومة إغلاق تلك المحاكم.

    جيم -    القوانين السودانية ذات الصلة بالتحقيق الحالي
450 -    ثمة عدد من الأخطاء الخطيرة التي تمنع النظام القضائي في السودان من العمل بسرعة وبشكل صحيح لمعالجة الاعتداءات. وهناك الكثير من التساؤلات بشأن توافق القوانين السودانية مع المعايير الدولية. فقد أُعلنت حالة الطوارئ في السودان في عام 1999 وتجدد باستمرار منذ ذلك الوقت. وتم تعليق الضمانات الدستورية الهامة. وفي الواقع، لا تزال المراسيم تحكم السودان بشكل رئيسي. ومثال على ذلك مرسوم المحكمة المتخصصة. وحاول المسؤولون القضائيون شرح عملية إقرار المراسيم كتدبير مؤقت يُتخذ عندما يكون البرلمان في عطلة، ويجوز للبرلمان أن يبقيه أو يلغيه عندما يعود إلى الانعقاد. وعندما سُئل عن مصير مشتبه فيه أدين بموجب المرسوم قبل أن يقوم البرلمان بإلغاء المرسوم، كانت إحدى الإجابات "أنه لا يمكن الرجوع فيه" وكانت الإجابة الأخرى أن الحكم بالإدانة قد يسقط عند الاستئناف. ولا يمكن للمرء إلا أن يلاحظ الاستخدام المستمر بصورة متوازية للمراسيم والقوانين وكأنها تنحو لأن تجعل من العملية البرلمانية لعبة ألغاز.
451 -    وعلاوة على ذلك، فإن القوانين الجنائية السودانية لا تحظر بصورة كافية جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية. كما أن قانون الإجراءات الجنائية لعام 1991 يضم أحكاما تمنع المقاضاة على هذه الأعمال بشكل فعال. ويمنح القانون سلطات واسعة للوكالات التنفيذية ويمنح حصانة من المقاضاة للعديد من موظفي الدولة. ولإيضاح بعض هذه المشاكل، نعرض أدناه أحكام قانون قوات الأمن الوطنية لعام 1999، كمثال على ذلك.
452 -    في المادة 31 من قانون الأمن الوطني، صدر أمر من المدير العام، بأنه يمكن لموظف الأمن إلقاء القبض على أحد الأشخاص، وأن يفتشه ويحتجزه ويحقق معه. وأمامه ثلاثة أيام يقدم خلالها إلى المحتجز أسباب اعتقاله واحتجازه. ويمكن للمدير العام أن يمدد الفترة إلى ثلاثة أشهر فقط، ويجوز أن تُجدد بموافقة النائب العام لمدة ثلاثة أشهر أخرى. وإذا احتاج الأمر، يجوز للمدير العام أن يطلب من مجلس الأمن الوطني تجديد الاحتجاز لمدة ثلاثة أشهر أخرى. ويحق للمحتجز أن يستأنف هذا القرار أمام القاضي. إلا أنه لا توجد ضمانات بإمكانية الحصول على مساعدة من محام فورا. ويتم تجاهل الفترة المحددة للاحتجاز بموجب المادة 31 في أغلب الأحيان. وقد التقت اللجنة بعدد كبير من المحتجزين في مراكز الاحتجاز الأمنية ممن احتُجزوا لفترات طويلة دون الحصول على مساعدة من محام أو المثول أمام المحكمة.
453 -    وتمنح المادة 9 من القانون سلطات معينة لأعضاء الجهاز الذي يعينه المدير العام لتنفيذ مهام خاصة. إذ يخوّل احتجاز ممتلكات المحتجزين "وفقا للقانون". وهناك حق بموجب المادة 32 (2) يسمح للمحتجز بالاتصال بأسرته "حيثما لا يخل ذلك بسير الاستجواب والتحقيق في القضية". وهذه العبارات تنفي الوضوح ولا تجلب إلا الغموض وتهبط بمستوى القانون. وحتى لو كان أفراد أسرة المحتجز على اطلاع بحق الاتصال به أو بالجهة التي يمكن للأسرة أن تتقدم بطلب للسماح لها بالاتصال به، فمن المشكوك فيه أن تتوفر لديهم الشجاعة لتحدي هالة الخوف التي تحيط بأجهزة الأمن. وتبين التحقيقات التي أجرتها اللجنة أنه في أغلب الأحيان، عندما تسعى القلة القليلة الشجاعة للحصول على إذن، فإنه لا يُمنح لهم. والنتيجة، أن المحتجز يصبح محتجزا مجهولا، وتتجاوز فترة احتجازه في بعض الأحيان 12 شهرا، بدون توجيه اتهام له، وبدون إمكانية الحصول على محام، وعدم المثول أمام المحكمة وعدم السماح بالزيارات له. وفي سجن كوبر في الخرطوم، أجرت اللجنة لقاءات مع عدد من هؤلاء المحتجزين. وقد احتُجز آخرون في أحد السجون في شمال الخرطوم منذ كانون الثاني/يناير 2004 في ظروف مشابهة. وهو انتهاك جسيم لحقوق المحتجزين ومخالف للمادة 14-3 (ج) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن جهاز الأمن الوطني ينتهك المادة 31 من قانونه الذي يشير إلى أنه بعد انتهاء مدة الاحتجاز المحددة، أي مدة أقصاها 9 أشهر، يجب تقديم المحتجز إلى المحاكمة أو إطلاق سراحه.
454 -    وتمنح المادة 33 حصانات واسعة لأعضاء الأمن الوطني وأجهزة المخابرات والمتعاونين معهم. ولا يُرغم أحد منهم على إعطاء معلومات عن أنشطة المنظمة التي اطلعوا عليها خلال عملهم. وباستثناء موافقة المدير، لا يمكن إقامة دعوى مدنية أو جنائية ضد أي منهم عن أية أعمال ارتكبوها ولها صلة بعملهم، والمدير وحده هو الذي يملك الموافقة على ذلك إذا كان هذا العمل لا يرتبط بمهامهم. إلا أنهم يحتفظون بحقهم في تقديم دعوى للتعويض ضد الدولة. وعندما يوافق المدير على رفع دعوى قضائية ضد أحد أعضاء القوة والمتعاونين معه وتستند الدعوى إلى أعمال قام بها خلال عمله الرسمي، سواء كانت خلال أو بعد انتهاء فترة توظيفهم يقدم إلى المحاكمة في محكمة عادية لكنها سرية. ومرة أخرى، فإن ذلك يخالف المادة 41-1 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي ينص على عقد "جلسة عامة" كمعيار أساسي من أجل محاكمة عادلة. وعند مواجهة السيد صلاح عبد الله، المعروف كذلك بالسيد صلاح قوش (مدير عام الأمن الوطني وجهاز المخابرات) مسألة المحاكمات "السرية" فإنه وصف الترجمة الانكليزية بأنها غير دقيقة. ومنذ ذلك الحين، بدأت اللجنة تترجم النص العربي، ومن الواضح إن المحاكمة "السرية" جزء من القانون. ويستدل من المادة 33 بوضوح على أنه يمكن لأحد أفراد خدمات الأمن، تحت مظلة القانون، أن يعذب مشتبها فيه، بل وحتى أن يقتله إذا كانت تصرفاته تتم في سياق تأدية مهامه. وتوصي اللجنة بقوة بإلغاء هذا القانون.
455 -    واستنادا إلى ما ذُكر أعلاه، فإن اللجنة تعتبر أنه نظرا لمسألة الإفلات من العقاب التي تسود دارفور اليوم، فقد أظهر النظام القضائي أنه يفتقر إلى هياكل وسلطة ومصداقية وإرادة كافية للمقاضاة بشكل فعال وإنزال العقاب بالجناة الذين ارتكبوا الجرائم التي يدعى أنها لا تزال ترتكب في دارفور.

    دال -    الإجراءات التي اتخذتها هيئات أخرى
    1 -    لجنة التحقيق السودانية
456 -     أنشأ الرئيس لجنة تحقيق وطنية في 8 أيار/مايو 2004. وقد كُلفت هذه الهيئة المؤلفة من 10 أعضاء بمهمة جمع المعلومات عن الانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان من جانب الجماعات المسلحة في ولايات دارفور، والتحقيق في الادعاءات الموجهة ضد الجماعات المسلحة في المنطقة، وما يمكن أن يكون قد ترتب عليها من خسائر في الأرواح والممتلكات، وتحديد أسباب الانتهاكات متى تأكدت. وقد زُودت اللجنة بنسخة من التقرير النهائي للجنة الوطنية في 16 كانون الثاني/ يناير 2005.
457 -     ويوضح التقرير النهائي طريقة عمل اللجنة الوطنية. فهي قد اجتمعت 65 مرة، واستمعت إلى 228 شاهدا، وزارت ولايات دارفور الثلاث عدة مرات. كما قامت بزيارة 30 موقعا من المواقع التي وقعت فيها أحداث، والتقت بالسلطات المحلية، ولا سيما القوات المسلحة. وطلبت وثائق من مختلف الهيئات الحكومية، واستعرضت تقارير المنظمات التي زارت السودان، بما فيها الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، ومنظمة المؤتمر الإسلامي فضلا عن مختلف هيئات حقوق الإنسان، ولا سيما هيئة العفو الدولية، ومنظمة رصد حقوق الإنسان، إضافة إلى تقارير بعض الحكومات، ولا سيما الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي. وبعبارة أخرى، فإن اللجنة الوطنية كانت على علم تام بادعاءات خطيرة بجرائم ارتكبت في دارفور.
458 -     ويبدأ التقرير بإعطاء لمحة عامة عن دارفور. ويخصص جزءا كبيرا لجريمة الإبادة الجماعية. ويناقش خمس جرائم هي: تفجير المدنيين بالقنابل في سياق اتفاقيات جنيف؛ وأعمال القتل؛ وأعمال القتل التي تتم خارج نطاق القانون، والاغتصاب باعتباره جريمة ضد الإنسانية، والنقل القسري، والتطهير العرقي.
459 -     وفيما يلي ترجمة غير رسمية للنتائج الرئيسية التي توصلت إليها اللجنة الوطنية، كما ترد في موجزها التنفيذي:
        "ارتكبت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في ولايات دارفور الثلاث. وكانت جميع الأطراف ضالعة، بدرجات متفاوتة، في هذه الانتهاكات التي أدت إلى الكثير من المعاناة البشرية التي أرغمت سكان دارفور على الهجرة إلى عواصم الولايات واللجوء إلى تشاد.
        وإن ما حدث في دارفور، بالرغم من جسامته، لا يشكل جريمة من جرائم الإبادة الجماعية، وذلك لعدم وجود ظروف يتقرر على أساسها ما إذا جرت إبادة جماعية. ولم تجد اللجنة الوطنية دليلا على تعرض أي من الجماعات العرقية أو الدينية أو الوطنية المحمية، عن سوء قصد، لأذى بدني أو عقلي أو لظروف معيشية تستهدف استئصالها كليا أو جزئيا. فالأحداث التي وقعت في دارفور لا تماثل ما وقع في رواندا أو البوسنة أو كمبوديا. ففي تلك الحالات الأخيرة، كانت الدولة تتبع مجموعة من السياسات تفضي إلى استئصال جماعة محمية معينة.
        ووجدت اللجنة الوطنية دليلا على أن أحداث دارفور تسببت فيها العوامل المذكورة في التقرير والظروف الموضحة. كما وجدت دليلا على أن وصف الأحداث بكونها تمثل إبادة جماعية كان يرتكز على أرقام غير محققة ومبالغ فيها فيما يتعلق بأعداد القتلى.
        كما وجدت اللجنة الوطنية دليلا على أن القوات المسلحة قد قصفت بعض المناطق التي كان بعض أعضاء المعارضة يلتمسون اللجوء إليها. وقد أسفر هذا القصف عن مقتل بعض المدنيين. وقد حققت القوات المسلحة في الحادث وقامت بتعويض من أصابتهم أضرار أو خسائر في مناطق هبيلا، وأم قزوين وتولو. ولا يزال يجري التحقيق في حادث واد هجم.
        وجدت اللجنة الوطنية دليلا على أن جماعات المعارضة المسلحة قد ارتكبت أفعالا مماثلة إذ قتلت مدنيين عزل وجرحت أفرادا عسكريين في مستشفى برام وحرقت بعضهم أحياء.
        كما وجدت اللجنة الوطنية دليلا على أن العديد من حوادث القتل قد ارتكبتها قبائل مختلفة ضد بعضها البعض في سياق الصراع الدائر في بعض المناطق، مثل سانيا دليبا, وشطايا وغيرهما.
        ويمثل قتل المواطنين في جميع الحالات المذكورة آنفا انتهاكا للمادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف لعام 1949 ...
        هذا، مع العلم بأن حوادث القتل التي ارتكبتها جميع أطراف الصراع المسلحة، والتي يمكن اعتبارها، في ظل مختلف الظروف التي ارتكبت فيها، انتهاكا للمادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف لعام 1949، لا تشكل، في رأي اللجنة الوطنية، جريمة من جرائم الإبادة الجماعية، نظرا إلى عدم توافر أركان هذه الجريمة، ولا سيما عدم وجود أي دليل على استهداف أي جماعة محمية، ولعدم وجود قصد جنائي.
        وقد وردت من جميع الأطراف مزاعم بوقوع حالات إعدام بلا محاكمة. بيد أن بعض هذه المزاعم لم تثبت ثبوتا قطعيا. لذلك، فقد أوصت اللجنة الوطنية بإجراء تحقيق قضائي مستقل ... والمبرر لذلك هو أن أي شهادة تُقدم إلى اللجنة الوطنية لا ينبغي قبولها كدليل أمام أي محكمة تنفيذا للمادة 12 من قانون عام 1954 الخاص بلجنة التحقيق والتي تنص على أن أي شهادة تُقدم أثناء أي تحقيق يجري بمقتضى هذا القانون لن تُقبل كدليل أمام أي محكمة مدنية أو جنائية.
        وفيما يتعلق بجرائم الاغتصاب والعنف الجنسي التي حظيت بكثير من الاهتمام في وسائط الإعلام الدولية، فقد حققت اللجنة الوطنية فيها في جميع ولايات دارفور على مختلف المستويات، واستمعت إلى عدد من الشهود حلفوا اليمين، بمن فيهم الضحايا الذين أحالتهم اللجنة الوطنية إلى المرافق الطبية المعنية لفحصهم طبيا. وكان لدى اللجنة الوطنية التقارير المفصلة للجان القضائية التي زارت مختلف مناطق دارفور، بما فيها مخيمات المشردين.
        وقد أثبتت جميع هذه التدابير للجنة الوطنية أن جرائم اغتصاب وعنف جنسي قد وقعت في ولايات دارفور. كما أثبتت أن تلك الجرائم لم تكن تقع بانتظام ولم تكن منتشرة ومن ثم فهي لا تمثل جريمة ضد الإنسانية على نحو ما ذكر في المزاعم المشار إليها. كما ثبت للجنة الوطنية أن معظم جرائم الاغتصاب اتُهم فيها مجهولون، بيد أن التحقيقات أسفرت عن اتهام عدد من الأشخاص، منهم 10 من أفراد القوات النظامية. وقد رفعت وزارة العدل الحصانة عنهم وتجري حاليا محاكمتهم. وقد ارتكبت معظم هذه الجرائم بشكل فردي في سياق الفوضى الأمنية السائدة. وقد لاحظت اللجنة الوطنية أن كلمة "اغتصاب"، بمعنييها القانوني واللغوي، غير معروفة لنساء دارفور عموما. فهن يعتقدن أن كلمة "اغتصاب" تعني استخدام العنف لإرغام شخص ما على فعل شيء ضد إرادته، لا الاغتصاب بمعناه المقصود على وجه التحديد ... ومن أسف أنه قد التقطت صور لمشاهد اغتصاب جماعي وعُرضت خارج السودان. وقد اتضح فيما بعد أن هذه الصور مزورة. وقد اعترف بعض المتورطين في هذا العمل بأنهم تلقوا مبالغ من المال لإغرائهم على أداء الأدوار التي ظهرت في تلك المشاهد المصورة ...
        ولا يخفي أن التشريد القسري، باعتباره أحد عناصر التطهير العرقي، والذي يعني الترحيل القسري أو العنيف لفئة عرقية أو فئة تتكلم لغة معينة أو لها ثقافة مهيمنة، من أرض استوطنتها استيطانا شرعيا إلى منطقة أخرى، وهو الأمر الذي يُربط على مدى التاريخ بينه وبين فكرة تكوين "الدولة القومية"، يعد جريمة ضد الإنسانية.
        وفي ضوء ما تقدم، قامت اللجنة الوطنية بزيارة العديد من المناطق في ولايات دارفور، حيث وقع، وفقا لبعض المزاعم، ترحيل قسري أو تطهير عرقي. وقد استجوبت اللجنة سكان تلك المناطق وتأكد لها أن بعض الجماعات القبلية العربية قد هاجمت منطقة أبرام، وبخاصة، قريتي ميرايا وأم شوكة، مشردة بعض الطوائف غير العربية واستوطنت المنطقة بيد أن السلطات، على حسب ما ذكره مفوض منطقة كاس، قد شرعت في اتخاذ تدابير لتصحيح الوضع وإعادة الممتلكات إلى أصحابها. وقد أدت أفعال بعض الجماعات العربية إلى الترحيل القسري لتلك الطوائف غير العربية. وعليه، تعتقد اللجنة الوطنية أنه ينبغي إجراء تحقيق قضائي لمعرفة الظروف والملابسات التي أدت إلى هذا الوضع. وإذا ثبتت جريمة الترحيل القسري، فينبغي اتخاذ تدابير قانونية ضد تلك الجماعات، إذ أن هذا الحدث يشكل سابقة خطيرة منافية للأعراف، وقد تؤدي إلى نشوب أفعال مماثلة تزيد المشكلة سوءا.
        وقد زارت اللجنة العديد من القرى التي أُحرقت في مناطق كلبص، والجنينة، ووادي صالح، وكاس. ووجدت اللجنة أن معظم هذه المناطق غير مأهول، مما استحال معه على اللجنة استجواب سكانها. ووجدت اللجنة الوطنية هنالك بعض قوات الشرطة التي تم نشرها بعد الأحداث التي وقعت، وذلك تمهيدا للعودة الطوعية للمشردين. بيد أن المعلومات التي أدلى بها رجال الشرطة والعُمد الذين رافقوا اللجنة الوطنية، والأدلة القائمة، تشير إلى أن جميع الأطراف مسؤولة، في ظل ظروف الصراع المتأجج، عن إحراق القرى. وتأكد لدى اللجنة الوطنية أن أعمال الحرق كانت هي السبب المباشر لترحيل سكان القرى الذين ينتمون لقبائل مختلفة، معظمهم من قبيلة الفور، إلى مخيمات، مثل دليج وكلما بالقرب من مناطق آمنة حيث تتوافر مختلف الخدمات. وعليه، تعتقد اللجنة أن جريمة الترحيل القسري لم تثبت، باستثناء الحادث المذكور آنفا والذي أوصت اللجنة بإجراء تحقيق بشأنه.
        وقد أدت الأحداث التي وقعت إلى تشريد أعداد كبيرة من المواطنين. فقد جرى ترهيب وتخويف المواطنين. وقد تسبب هذا الوضع في ترك العديد من المواطنين لقراهم واللجوء إلى المخيمات. وقد تأكد للجنة الوطنية أن قبائل دارفور، بغض النظر عن أصلها العرقي، قد استضافت المشردين الذين التمسوا المأوى، وأنه لم يحدث أن استوطنت قبيلة بالقوة مكان قبيلة أخرى. وقد أكد ذلك ناظر ألباني حلبة وناظر الحبانية ..."
460 -     وقد اقترحت اللجنة الوطنية في توصياتها اتخاذ تدابير إدارية وقضائية، ولا سيما أن أسباب الصراع ينبغي دراستها، وأن العجز الإداري، الذي كان أحد العوامل التي أدت إلى تفاقم الصراع، ينبغي تصحيحه. كما أوصت بإنشاء لجان تحقيق تُعنى بالبنود التالية:
    (أ)    الادعاءات المتعلقة بعمليات الإعدام بدون محاكمة في دليج وتنكو، إذ تعتقد اللجنة الوطنية أن هنالك قرائن ينبغي إجراء تحقيق قضائي تفصيلي بشأنها بما يؤدي إلى محاكمة الأشخاص الذين يثبت ارتكابهم الأفعال التي هم متهمون بارتكابها، ولا سيما أن هنالك اتهامات موجهة إلى أشخاص معينين.
    (ب)    الادعاءات بأن بعض الجماعات العربية استولت على قريتين لقبيلة الفور في منطقة كاس. وقد علمت اللجنة أنه يُجرى تحقيق إداري تقوم به لجنة أنشأها والي ولاية جنوب دارفور بالنظر إلى جسامة الاتهام وعواقبه مما يستلزم التعجيل بالتدابير المطلوبة.
    (ج)    التحقيق في أحداث بورام، ومليط، وكلبص، أي الإجهاز على الجرحى في المستشفيات وحرق بعضهم وهم أحياء، واتخاذ الإجراءات اللازمة ضد مرتكبي تلك الأحداث، ولا سيما أنه ذُكرت في شهادات الشهود أسماء معينة معروفة للمواطنين.
461 -     وباختصار، فإن الموجز التنفيذي يقرر أنه ارتكبت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في ولايات دارفور الثلاث، كانت جميع الأطراف ضالعة فيها. غير أن ما حدث لا يشكل عملا من أعمال الإبادة الجماعية. وقد بولغ في أعداد القتلى، إذ لم تتجاوز الخسائر في الأرواح التي تكبدتها جميع الأطراف، بما فيها القوات المسلحة والشرطة، بضعة آلاف. وقد وقعت أعمال اغتصاب وجرائم أخرى من جرائم العنف الجنسي، ولكنها لم تكن واسعة الانتشار ولم تحدث بانتظام بما يصل إلى اعتبارها جريمة ضد الإنسانية. وتوصي اللجنة الوطنية بإجراء تحقيقات قضائية في أحداث معينة، وبإنشاء لجنة قضائية للتحقيق في الخسائر من الممتلكات.
462 -     وترى اللجنة أنه في حين أن من المهم للجنة الوطنية الاعتراف ببعض التجاوزات، إلا أن النتائج التي توصلت إليها والتوصيات التي قدمتها ليست بما يكفي ويلائم للتصدي لخطورة الوضع. وببساطة، فإن هذه النتائج والتوصيات لا تقدم إلا القليل جدا متأخرا جدا. ثم إن الحجم الهائل للجرائم المزعومة التي ارتُكبت في دارفور لا يكاد يستوعبه تقرير اللجنة الوطنية. وعلى ذلك، يحاول التقرير تبرير الانتهاكات بدلا من البحث عن تدابير فعالة للتصدي لها. وفي حين أن ذلك مخيب للآمال، ولا سيما لضحايا الانتهاكات، فإن اللجنة لم تفاجأ بلهجة التقرير ومحتواه. وتدرك اللجنة أن اللجنة الوطنية كانت تخضع لضغط هائل من أجل تقديم وجهة نظر قريبة من منظور الحكومة للأحداث. ويقدم تقرير اللجنة الوطنية مثالا صارخا على سبب استحالة قيام أي هيئة وطنية، في ظل الظروف الراهنة في السودان، بتقديم تقرير محايد عن الوضع في دارفور، ناهيك بالتوصية بتدابير فعالة.

    2 -    لجنة التحقيق البرلمانية
463 -     أنشئت، وفقا لقرار الجمعية الوطنية 38 المؤرخ كانون الأول/ديسمبر 2003¡ لجنة برلمانية لتعزيز السلم والأمن والتنمية في ولايات دارفور، تتألف عضويتها من حوالي 59 شخصا. وكان من المقرر أن تلتقي بالسلطات المسؤولة والهيئات التنفيذية، والشخصيات ذات العلاقة، فضلا عن مقابلة أطراف الصراع. وقد توصلت اللجنة إلى نتائج كان من بين ما عبرت عنه القلق إزاء تخلف النمو في دارفور، كما اشتملت النتائج على توصية بتحسين أحوال المشردين داخليا.
464 -     وقدمت اللجنة توصيات في مجالات الأمن، والمعونة الإنسانية، وتعزيز البنية الاجتماعية، والخدمات والتنمية، وفتح مخافر للشرطة مزودة بما يكفي من إمدادات لسرعة مواجهة الأزمات، والاستيلاء على الأسلحة التي في أيدي المشبوهين. وحتى الآن لا يوجد ما يشير إلى امتثال الحكومة لتوصيات اللجنة البرلمانية فيما يتعلق بتحسين أحوال المشردين داخليا، وتنمية البنية الاجتماعية وتحسين الخدمات عموما في دارفور، ولا إلى الامتثال بتوصيتها المتعلقة بالاستيلاء على الأسلحة التي في أيدي المشبوهين. فالاستيلاء على الأسلحة يعني بطبيعة الحال الاستيلاء على أسلحة جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة وكذلك مليشيا الجنجويد، التي تحظى بدعم الحكومة من جميع الوجوه الأخرى.

    3 -    لجان مكافحة الاغتصاب
465 -     في البيان المشترك الصادر عن الحكومة والأمم المتحدة أثناء الزيارة التي قام بها الأمين العام في 3 تموز/يوليه 2004، بشأن الوضع في دارفور، التزمت حكومة السودان باتخاذ تدابير ملموسة لوضع نهاية للإفلات من العقاب على انتهاكات حقوق الإنسان في المنطقة. ولهذه الغاية، تعهدت الحكومة بالتحقيق فورا في جميع حالات الانتهاكات، بما فيها الحالات التي نبهتها إليها الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، وغيرهما من المصادر.
466 -     وكان من بين الانتهاكات الجسيمة البارزة لحقوق الإنسان في المنطقة والتي أبلغت عنها مصادر عديدة، الادعاءات المتعلقة باغتصاب النساء، وغير ذلك من حوادث الاعتداء الجنسي على النساء. وقد قام وزير العدل، بموجب الصلاحيات التي تخولها له المادة 3 (2) من قانون لجان التحقيق لعام 1954، بإصدار قرار في 28 تموز/يوليه 2004، بإنشاء لجان منفصلة للتحقيق في حالات الاغتصاب في ولايات دارفور الثلاث.
467 -    وقد تألفت كل لجنة من هذه اللجان من ثلاثة أعضاء، قاضية بمحكمة الاستئناف، رئيسة لها، ومستشارة قانونية عن وزارة العدل وضابطة شرطة. فكان جميع أعضاء اللجان من النساء.
468 -    وكُلفت اللجان بمهمة "التحقيق في جرائم الاغتصاب في ولايات دارفور الثلاث". وخُولت اللجان سلطات مكتب المدعي العام المحلي من أجل أداء ولايتها(157). وطُلب إلى اللجان تقديم تقرير إلى وزير العدل في غضون أسبوعين من بدء أعمالها.
469 -    وقبل التعليق على عمل اللجان، يتطلب الأمر التصدي لنقائص الولاية التي أسندت إليها. فقد كانت الولاية المسندة للجان التحقيق في عمليات الاغتصاب أضيق من أن تتيح التصدي للادعاءات الخطيرة المتعلقة بممارسة العنف ضد النساء. علما بأن التقارير المتعلقة بالاعتداءات التي تعرضت لها النساء، قد شملت الاغتصاب، وإن لم تقتصر عليه. ثم إن استبعاد أشكال أخرى من الاعتداء الجنسي من نطاق التحقيق قد ترك عددا كبيرا من الادعاءات دون معالجة. كما أن نطاق الولاية الممنوحة للجان لم يشمل وسائل رد الحق إلى نصابه وتعويض الضحايا. وقد حدَّ ذلك من فعالية المبادرة إلى تحقيق الانتصاف الشامل للضحايا. علما بأن القانون الدولي لا يتطلب من الدول التصدي لانتهاكات حقوق الإنسان واتخاذ تدابير لمنع وقوعها، فحسب، بل يفرض عليها أيضا تقديم علاج فعال للانتهاكات(158).
470 -    ولم تعط اللجان أي مبادئ إرشادية لضمان تناسب طرق التحقيق مع الغرض من وضع نهاية لحالات الإفلات من العقاب، والتيسير على الضحايا في الإبلاغ عن الجرائم المرتكبة ضدهم. علما بأن القانون الجنائي وقانون الإجراءات الجنائية في السودان لا يتضمنان نصوصا موضوعية وإجرائية يمكن تطبيقها على الوضع الخاص بالجرائم المرتكبة أثناء الصراع المسلح. إن غياب مثل هذه المبادئ التوجيهية، بما في ذلك تحديد معايير اختيار القضايا التي تقتضي التحقيق فيها والمقاضاة عليها، قد حرم اللجان مما يلزم من توجيه فيما يتعلق بالطرق الملائمة للتحقيق في الجرائم التي تشكل انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. إن إغفال هذا الأمر من جانب وزارة العدل قد أثر في عمل اللجان وفي قدرتها على تحقيق أغراضها.
471 -    وقد كان الوقت المخصص للجان لكي تؤدي في غضونه عملها غير كاف إلى حد بعيد، بالنظر إلى ضخامة مهمتها. ويشير ذلك إلى افتقاد أي التزام جاد من جانب الحكومة للتحقيق في الادعاءات المتعلقة بالاغتصاب على نطاق واسع ووضع نهاية لحالات الإفلات من العقاب على هذه الجريمة.
472 -    وخلال البعثة الأولى للجنة إلى السودان التقت في الخرطوم برئيسات وأعضاء اللجان الثلاثة المعنية بحالات الاغتصاب. وتشكر اللجنة الحكومة على إتاحة هذه الفرصة لها، وعلى تمكين أعضاء اللجان من حضور الاجتماعين اللذين عُقدا مع اللجنة.
473 -    وقد أخبر أعضاء اللجنة أن اللجان بدأت عملها في الولايات بمقتضى الولاية القضائية لكل منها في 11 آب/أغسطس 2004. وقد اعتمدت اللجان الثلاث جميعها منهجية مشتركة وقد أعلن عن إنشاء اللجان ووصولها في مختلف الولايات من خلال وسائط الإعلام الإلكترونية. واتخذت اللجان الترتيبات اللازمة لإذاعة هذا الإعلان في جميع مخيمات المشردين داخليا في الإقليم، وقامت بزيارة المخيمات لتلقي شكاوى الاغتصاب. كما زارت مخافر الشرطة ومكتب المدعي العام المحلي للحصول على معلومات عن أي حالات مسجلة بالفعل من حالات الاغتصاب.
474 -    وفي المخيمات التقت اللجان بمديري المخيمات والزعماء القبليين والمحليين لسكان المخيمات. وتم تشكيل لجان صغيرة في كل من المخيمات التي زارتها لشرح ولاية اللجان والحصول على معلومات من المشردين داخليا.
475 -    وأثناء عمل لجان التحقيق في حالات الاغتصاب، صدر قرار لوزير العدل في 21 آب/أغسطس 2004، بإلغاء شرط تسجيل أي شكوى خاصة بحالة اغتصاب لدى الشرطة قبل فحص الضحية طبيا أو حصولها على علاج طبي.
476 -    ويتضح من تقارير اللجان أنها لم تتلق سوى بضع شكاوى. وكان العديد من الحالات التي تناولتها مسجلا بالفعل في مخافر الشرطة قبل وصولها، أو حدث أثناء الفترة التي كانت تجري فيها تحقيقها في مختلف الولايات. وقد اتبعت اللجان نهجا في إجراء تحقيقاتها، يقوم وفقا لما قالته رئيساتها، على الاستماع إلى الشكوى، ثم استجواب الضحية للتحقق مما إذا كانت أركان جريمة الاغتصاب، كما هي معرفة في القانون الجنائي لعام 1991، قائمة(159)، ثم الطلب من الضحية الخضوع لفحص طبي. فإذا أكد التقرير الطبي صحة ادعاءات الضحية، تحال القضية إلى الشرطة لإجراء المزيد من التحقيق فيها. وفي الحالة التي لا يذكر فيها اسم المغتصب أو يكون مجهولا، لا يجري مزيد من التحقيقات. وحيثما تثبت صحة الادعاءات وتتعرف الضحية على المغتصب يوصى بإحالة القضية للمقاضاة إلى مكتب المدعي العام المحلي.
477 -    وقد أبلغت رئيسات اللجان اللجنة أن اللجنة التي أوفدت إلى شمال دارفور لم تعالج أي حالة تلقت بشأنها شكوى مباشرة. وقد أكملت تلك اللجنة تحقيقاتها في 8 حالات وأرسلتها إلى المدعي العام لاتخاذ ما يراه من إجراءات أخرى. أما في غرب دارفور فلم تسجل اللجنة الموفدة إليها سوى ثلاث حالات بشأن شكاوى مباشرة من الضحايا. وقد قامت اللجنة بالتحقيق في هذه الحالات الثلاث إضافة إلى حالات أخرى (كانت مسجلة بالفعل لدى الشرطة قبل أن تبدأ اللجنة عملها، ثم أحالتها إلى المدعي العام. وأما في جنوب دارفور، فقد حققت اللجنة الموفدة إليها في حالات سبق تسجيلها لدى مخفر الشرطة في نيالا. ولم تتذكر رئيسات اللجان مجموع عدد الحالات التي حققت فيها اللجان في كل من غرب وجنوب دارفور ولم يكن لدى أعضاء اللجان وثائق تتضمن تفاصيل عن الحالات.
478 -    وقد قام المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بتسليم وثيقة إلى اللجنة جاء فيها أن لجان التحقيق الثلاث قد أنهت زيارة للمنطقة استغرقت ثلاثة أسابيع وقدمت تقريرها المؤقت إلى وزير العدل في أيلول/سبتمبر. وقد سجلت اللجان معا 50 حالة¡ 29 حالة في غرب دارفور و 10 حالات في شمال دارفور، و 11 حالة في جنوب دارفور. وكان 35 من هذه الحالات ضد مجهولين. ولا تتوافر معلومات عن عدد الذين تم التعرف عليهم أو مقاضاتهم أو إدانتهم من المتهمين في الحالات التي حققت فيها اللجان. كما لم يُتح للجنة الاطلاع على تفاصيل الحالات. وجاء في المعلومات التي قدمها المجلس الاستشاري بشأن الإجراءات المتخذة لإنهاء حالات الإفلات من العقاب، ذِكْر 7 حالات اغتصاب قبض على مرتكبيها وحوكموا؛ وحالة واحدة حوكم فيها 13 متهما وأدينوا بإنتاج شريط فيديو مزور استهدف توريط القوات المسلحة في ارتكاب جريمة اغتصاب؛ وحالتين قام فيهما المدعي العام المحلي، بناء على تقارير من مراقبي الأمم المتحدة، بزيارة مخيمات المشردين داخليا وسجل أقوال الضحايا وشرع في اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة؛ وحالة واحدة من حالات الاختطاف والاغتصاب سجلت ضد جماعات معارضة مسلحة مجهولة.
479 -    وقد أبلغت اللجنة بالمصاعب التي واجهتها لجان التحقيق في حالات الاغتصاب في تنفيذ ولايتها. والعقبات الشديدة التي واجهتها بسبب نقص الموارد والمساعدة التقنية. بيد أن النهج الذي اتبعته اللجان في أداء عملها لم يكن من الممكن أن يؤدي إلى تحقيق الأغراض التي أنشئت من أجلها. ولم تقم اللجان بإيلاء الاعتبار الواجب للسياق الذي كانت تعمل فيه، واعتماد نهج مناسب للظروف. ثم إن حوادث الاغتصاب التي دعيت إلى التحقيق فيها كانت قد وقعت على مدى فترة امتدت 18 شهرا، وكانت المتضررات قد رحلن، ربما أكثر من مرة. وقد أقرت جميع اللجان بأنها قد تلقت شكاوى تتعلق بحالات اغتصاب وقعت أثناء هجمات على القرى. ولم يُسجل أي من هذه الشكاوى أو يحقق فيها. وكانت الأسباب التي ذكرت بشأن عدم اتخاذ إجراءات بشأن تلك الحالات هي عدم تقديم الضحايا للجنة، وعدم وجود شهود، وعدم قيام الضحايا بطلب فحص طبي أو تقديم تقرير خاص بفحص سبق أن قامت به سلطة مختصة.
480 -    وقد حمّلت اللجنة الضحايا عبئا لا داعي له طالبة منهن تقديم بينات، ولم تمارس اللجان ما لديها من صلاحيات لحفز السلطات المعنية على إجراء تحقيقات بغية سد الثغرات في المعلومات المقدمة من الضحايا والشهود. ثم إن الاعتماد على الأدلة الطبية، مثلا، للشروع في التحقيق يبدو في غير محله متى كانت غالبية الشكاوى متعلقة بحالات اغتصاب وقعت منذ زمن، أو متى كانت الضحية امرأة متزوجة.
481 -    كما أن نقص التزام اللجان بتحقيق مراميها واضح في العديد من جوانب عملها. وأول هذه الجوانب عدم استجابة الناس لدعوة اللجان لهم بتقديم الشكاوى إليها. وقد تلقت اللجنة نفسها عدة تقارير من ضحايا في مخيمات المشردين داخليا تدعي تعرضها للاغتصاب وغيره من أشكال الاعتداء الجنسي على النساء أثناء هجمات وقعت على بعض القرى، وأثناء فرارهن من تلك القرى، ثم بعد ذلك حول المخيمات التي أوين إليها. إن إحجام الناس بشكل عام عن الاتصال باللجان لتقديم شكاواهم يشير إلى عدم ثقتهم في الحكومة.
482 -    ولم تستطع اللجان التخفيف من عدم الثقة باتخاذ نهج يوحي بمزيد من الثقة في قدرتها على الانتصاف للضحايا. علما بأن أولئك الذين اتصلوا باللجان لتقديم شكاوى أو معلومات بشأن حالات اغتصاب لم يجدوا استجابة تشجعهم على الاعتقاد بأن التحقيق سيؤدي إلى نتائج مجدية. وفي كثير من الحالات، فإن اللجان لم تجد فيما تلقته من شكاوى ما يكفي من وقائع للمضي في التحقيق. ووجدت في بعض الحالات عدم وجود أدلة كافية للمضي في التحقيق. وكان العديد من الشكاوى التي استمعت إليها موجهة ضد مجهولين. وقد سجلت بعض الشكاوى لدى الشرطة، ولكن العديد منها لم يكن مسجلا لأن الشاكين فقدوا اهتمامهم عندما علموا أن هذه الشكاوى لا يمكن المضي في معالجتها بسبب عدم تحديد المتهم أو المشتبه فيه.
483 -    وقد رفضت اللجان العديد من الحالات بحجة أن استجوابها للضحايا كشف عن أن الجريمة المشكو منها لا تصل إلى حد الاغتصاب، إذ لم يقع فيها إيلاج، أو أن الشاكيات قد خلطن بين الاغتصاب والاضطهاد، وجئن عن خطأ بشكاوى تتعلق بأشكال أخرى للاعتداء أو العنف، مثل الضرب.
484 -    وقد أكدت لجان التحقيق في حالات الاغتصاب أثناء مناقشاتها مع اللجنة بشأن منهجية تلك اللجان، على الإعلان الواسع النطاق عن ولايتها. كما قيل إنه قد أنشئت لجان صغيرة في المخيمات لشرح القصد من التحقيق للضحايا. وفي ضوء ذلك، فإن من غير المفهوم القول بأن النساء اختلط عليهن الأمر وأن شكاواهن لم تكن من وقوع اغتصاب لهن. ومن تجربة اللجنة في مقابلة الضحايا والشهود، فإنها لا تجد هذا التبرير مقنعا. فالنساء اللاتي أدلت ببلاغات إلى اللجنة عن عنف ارتكب ضدهن، كان بإمكانهن فهم طبيعة ما تعرضن له من اعتداء، بما في ذلك الاغتصاب.
485 -    ومن المخيب للآمال أن اللجان قصرت نفسها على جريمة الاغتصاب، ولم تتناول حالات وقعت فيها أشكال أخرى من الاعتداء الجنسي، بما فيها محاولة الاغتصاب. وقد فاتت اللجان فرصة قيّمة لجمع معلومات مهمة عن جرائم ارتكبت ضد نساء بسبب عدم تسجيلها المعلومات التي أحيلت إليها، وقصرها تسجيل الحالات على الشكاوى التي يمكن، في تقديرها، المضي في التحقيق فيها.
486 -    وقد خولت اللجان صلاحيات توجيه التحقيقات، وتوجيه الاتهامات، وتقديم الادعاءات، والإشراف على سير القضايا في المحكمة. غير أن اللجان قصرت مهمتها على تلقي الشكاوى وإحالة الحالات إلى الشرطة لإجراء مزيد من التحقيقات بشأنها. وفي حالة عدم قيام الشرطة بإجراء تحقيقات لم تتخذ اللجان أي إجراءات. وفي الحالات التي أوصت اللجان بمقاضاة مرتكبيها لم تكن لديها أي معلومات عما إذا كانت تلك الحالات قد قدمت للمحاكمة، وما إذا كانت المحاكمة قد أسفرت عن إدانة مرتكبيها. وقد أنهت اللجان عملها في غضون ثلاثة أسابيع وعرضت تقاريرها على وزير العدل من خلال المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان. ولم تشارك اللجان في أي متابعة لتقاريرها. وهي لم تتلق أي تعليقات على تقاريرها من الوزارة، كما لم تشارك في أي متابعة لتقاريرها.
487 -    ولو أن نية الحكومة كانت وضع نهاية لحالات الإفلات من العقاب وإقامة آلية للتيسير على الضحايا في الإبلاغ عن جرائم الاغتصاب بغية ضمان مساءلة الفاعلين، فإن المبادرة التي اتخذتها كانت سيئة الإعداد وتفتقر إلى إمكانية تحقيق هذا الغرض. وقد أنشأت الحكومة اللجان كتدبير عاجل، ولكنها أخفقت في جعلها فعالة أو ذات أي فائدة لجبر الضحايا. وقد أجري تقييم لمنهجية عمل اللجان والتفاصيل الواردة من رئيساتها عن العمل كشف عن العديد من الثغرات. ولا يمكن للجنة الموافقة على موقف الحكومة القائل بأن الإحصاءات المتعلقة بعمل اللجان تشير إلى معدل لحدوث جريمة الاغتصاب يقل كثيرا عن المعدل المبلغ عنه من قبل مصادر أخرى من قبيل الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، وغيرهما من المنظمات الوطنية والدولية. ثم إن عمل لجان التحقيق في حالات الاغتصاب لا يقدم أساسا سليما لأي استنتاجات فيما يتعلق بمعدل حدوث الاغتصاب في دارفور، ولا يفي بشرط تحمل الدولة المسؤولية عن التحقيق في حالات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وإخضاع المسؤولين عنها للمساءلة.

    ثامنا -    الإجراءات التي اتخذها المتمردون لعلاج الانتهاكات المرتكبة
488 -    أبلغ كل من الحكومة والمتمردين أنفسهم اللجنة أن المتمردين لم يتخذوا أي إجراءات للتحقيق في الجرائم الدولية التي ارتكبها أعضاؤهم وقمع تلك الجرائم. والمبررات التي يقدمها المتمردون لهذا القصور هي إما أن هذه الجرائم لم تُرتكب، وإما أن الذين ارتكبوها هم أعضاء في الوحدات العسكرية قاموا بما قاموا به على مسؤوليتهم الشخصية، من دون تعليمات صدرت إليهم من القادة السياسيين أو العسكريين.