نظرة شاملة
يوم 11 تشرين الأوّل/أكتوبر 2007، أعلنت الحركة الشعبيّة لتحرير السودان تعليق مشاركتها في حكومة الوحدة الوطنيّة لأنّ حزب المؤتمر الوطني يُمسك عن تطبيق جوانب مهمّة من اتفاقيّة السلام الشامل لعام 2005 والتي وضعت حدّاً لنزاع امتد أجيالاً ودار في الأصل بين  الشمال والجنوب. وبعد أشهر من اجتماعات رفيعة المستوى، ومواقف سياسيّة وخطابات عنيفة اللهجة، وافقت الأطراف المتناحرة على اتخاذ سلسلة تدابير والابتعاد عن شفير الهاوية. انضمت الحركة الشعبيّة لتحرير السودان إلى الحكومة وترتب عن ذلك إعادة هيكلة صفوف هذه الأخيرة في تاريخ 27 كانون الأوّل/ديسمبر 2007. وصفت السماء وتبددت غيوم أزمة فوريّة فيما استمرّت المشاكل الكامنة وتنامى خطر اندلاع مواجهات جديدة في منطقة أبيي.  فإذا أُريد للسلام أن يدوم، يجب على الطرفين الالتزام مجدداً بتطبيق كامل لاتفاقيّة السلام الشامل ويجب على الأسرة الدوليّة أن تعود إلى الالتزام مجدداً بدعم صفقة سلام هشّة والاعتراف بأنّ تطبيق اتفاقيّة السلام الشامل من شأنه أن يوجد أفضل بيئة لإحلال السلام في دارفور وأبعد منه.
يُسجّل تقدّم في معظم المواضيع ولكنّ الضمانات بشأن تطبيق جداول العمل الجديدة المُحددة في شهر كانون الثاني/ديسمبر لا تزال قليلة. وبينما يستعد الطرفان للانتخابات الوطنيّة المزمع عقدها عام 2009 ولاستفتاء استقلال الجنوب عام 2011، يُتابعان التباحث في اتفاق "شراكة" على الرغم من اصطدام اتفاقيّة السلام الشامل بمخاطر ثلاثة. أوّلاً، لم يتوانَ من يعتبر صفقة السلام والانتخابات تهديداً لسلطانه عن السيطرة على حزب المؤتمر الوطني سيّما منذ وفاة جون قرنق قائد الحركة الشعبيّة لتحرير السودان في تموز/يوليو 2005. وبعد تهميش نائب الرئيس علي عثمان طه الذي فاوض على السلام مع قرنق على أمل أن تشكل شراكة انتخابيّة مع الثوّار السابقين ضمانةً لتحقيق حزب المؤتمر الوطني فوزاً ديمقراطيّاً، سعى النظام إلى حماية سيطرته على الدولة وعلى الاقتصاد وإلى تأجيل الانتخابات. ولا زال حزب المؤتمر الوطني يسعى إلى شراكة تُضعف الحركة الشعبيّة لتحرير السودان، أي الحركة المنافسة الوطنيّة، وتجعل منها شريكاً مستضعفاً وجنوبيّاً صرف.
ثانياً، لا تزال الحركة الشعبيّة لتحرير السودان منقسمة على ذاتها بشأن الأولويّات. ويُسجّل الاختلاف الأوّل بين الذين يؤيدون إستراتيجية تضع الجنوب في المرتبة الأولى وتركّز على استفتاء العالم 2011، والذين يدعمون رؤيا قرنق لسودان جديد ويسعون إلى أداء دور سياسي على الساحة الوطنيّة بما في ذلك من خلال مواجهة مفتوحة مع حزب المؤتمر الوطني. ويسعى هذا الأخير إلى تغيير حكم البلاد وإلى معالجة شكاوى المناطق المهمّشة الخاضعة لسيطرته. فلقد نالت المواجهات من اتفاقيّة السلام الشامل وأضعفتها كما نسفت موقع الحركة في مقابل حزب المؤتمر الوطني.
عرضت الحركة الشعبيّة لتحرير السودان على حزب المؤتمر الوطني بطاقةً انتخابيّةً مشتركةً في مقابل التطبيق الكامل لاتفاقيّة السلام الشامل بدءاً بأبيي. وحالياً تميل كفّة الموقف لصالح مؤيدي جدول أعمال وطني. ولكنّ المؤتمر الوطني الثاني للحركة الشعبيّة لتحرير السودان والمتوقّع عقده في شهر أيار/مايو فسيشكّل مناسبةً مهمّة للتوفيق بين الرؤى المتنافسة ولإضفاء الشفافيّة على عمليّات اتخاذ القرارات كما سيكون  فرصةً مشوبة بالخطر للقادة الذين يواجهون مطالب من دوائر عدّة بما فيها جبال النوبة والنيل الأزرق وأبيي.
ثالثاً، يُلاحظ عدم التزام الجهات الضامنة الدوليّة والأمم المتحدة دعم اتفاقيّة السلام الشامل بسبب الانشغال بدارفور من جهة وبسبب غياب التوافق حول التدابير المستقبليّة من جهةٍ أخرى. وفي خلال أزمة 2007، أبدت هذه الفعاليّات قلقها حيال تأثير الاتفاقيّة المحتمل في محاولات البتّ في قضيّة دارفور. وحيث خلصت الحركة الشعبيّة لتحرير السودان إلى أنّه لا يسعها الاعتماد على الجهات الضامنة، بدأت تحشد قوّاتها العسكريّة التي يعتبرها عدد من الأعضاء نقطة قوّتها العمليّة الوحيدة للضغط على حزب المؤتمر الوطني كما لعقد تحالفات مع مجموعات مهمّشة وفصائل ثوريّة في داخل دارفور، وكوردوفان والشرق وأقصى الشمال.
يعتبر كلا الطرفين أنّ العودة إلى الحرب لا تصبّ في مصلحتهما وأنّه لخيرهما العمل معاً. ولكنّ التخوين بينهما عظيم ويطالب كلّ منهما بالتعاون بحسب شروطه. فإذا أُريد للسلام أن يدوم، فيجب عليهما تكريس جهودهما مجدداً لاتفاقيّة السلام الشامل وتوسيع الدعم الوطني لها. ويتعيّن تالياً المسارعة إلى اتخاذ التدابير التالية:
·    يتعيّن على حزب المؤتمر الوطني أن يوكل مهمّة تدبير هذا الملف إلى فريق العمل الذي نجح في التفاوض على اتفاقيّة السلام الشامل، لأنّ في هذا أفضل فرصة لإعادة إحياء السيناريو المربح الذي أدّى إلى التوقيع على الاتفاقية. ويُنظر إلى هذه الخطوة على أنّها دليل نيّة حسنة وإعادة التزام بتطبيق الاتفاقية.
·    يتعيّن على الحركة الشعبيّة لتحرير السودان استغلال فرصة انعقاد المؤتمر الوطني في أيار/مايو لمعالجة الخلافات الداخليّة، واعتماد إستراتيجية واضحة بشأن تطبيق اتفاقيّة السلام الشامل وبناء آليّات شفافة لاتخاذ القرارات.
·    يتعيّن على الجهات الدوليّة الضمانة لاتفاقيّة السلام الشامل والدول الشريكة أن تعقد مؤتمراً ضمن إطار الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية أو منتدى شركاء الهيئة لتطوير إستراتيجية متناسقة حول تطبيق اتفاقيّة السلام الشامل تراعي العلاقة بدارفور.
·    يجب إعادة إحياء مفوضية الرصد والتقييم لتدقق في الآليّات وتعقد اجتماعات منتظمة على مستوى البعثات. هذا ويجب على رئيس المفوضيّة الجديد أن يُشجّع الأعضاء الدوليين على دعم عمل المفوضيّة وتوحيد مواقفهم بشأن المواضيع قيد التباحث في مجموعات العمل. وإذا استحال على البعثات الدبلوماسيّة الأساسيّة في خرطوم أن تكون أكثر فعاليّة، فعليها أن توجد مفوضية ظلّ، تكون لها حريّة إعداد التقارير من دون الاصطدام بضوابط الأطراف.
·    يتعيّن على بعثة الأمم المتحدة إلى السودان أن تزيد مراقبة بؤر التوتر في أبيي وعلى طول الحدود بين الشمال والجنوب والتفاوض مع الأطراف لإقامة منطقة منزوعة السلاح يُمكن فيها لقوّات البعثة أن تنتشر لترصد حركات القوّات وتساعد على تفادي تصعّد المناوشات المحليّة. وكان حزب المؤتمر الوطني قد عمد متعنتاً إلى قطع الطريق المؤدي إلى شمال أبيي أمام بعثة الأمم المتحدة إلى السودان مما يشكل انتهاكاً لولاية البعثة وهو ما يجب معالجته. ويتعيّن على الأمين العام أن يطلب من البعثة إرسال تقارير شهريّة إلى مجلس الأمن مع التشديد على تطبيق أبرز محاور اتفاقيّة السلام الشامل مثل أبيي، إعادة نشر القوّات المسلّحة، الإحصاء، الاستعداد لعقد الانتخابات، الإدارة الماليّة وشفافية عائدات النفط. كما يجب إعداد تقارير شهريّة باستنتاجات مفوضيّة الرصد والتقييم وإحالتها إلى مجلس الأمن.
·    يتعيّن على الأسرة الدوليّة أن تعمل يداً بيد مع حكومة الوحدة الوطنيّة لوضع خطط طوارئ في ما يخصّ الإحصاء (خصوصاً في دارفور) ولمعالجة التلكؤ في إعداد انتخابات العام 2009.
والأهمّ أنّه لا يجب على السياسات الدوليّة أن تظلّ منقسمةً بين اتفاقيّة السلام الشامل ودارفور. فنزاعات السودان العديدة المتفجرة إنما هي امتداد لمجموعة واحدة من المشاكل الوطنيّة ويتعيّن تالياً التعاطي معها من هذا المنطلق.
نايروبي/بروكسل، 13 آذار/مارس 2008.