وثائق امريكية عن نميري (30):

 

فضيحة المخدرات:

 

تورط فيها خالد حسن عباس، واقيل من كل مناصبه

 

استقالة مأمون عوض ابو زيد زادت عزلة المصريين

 

غزل مع الصادق المهدي المعتقل

 

واشنطن: محمد علي صالح

  

بهذه الحلقة، تدخل هذه الوثائق من وزارة الخارجية الامريكية عن سنوات الرئيس المشير جعفر نميري سنة 1972.  شهدت السنة السابقة، 1971، فشل الانقلاب الشيوعي الذي قاده هاشم العطا.  ثم اعدامه مع بابكر النور، وفاروق حمد الله، وعبد الخالق محجوب، سكرتير عام الحزب الشيوعي، والشفيع احمد الشيخ، سكرتير اتحاد نقابات عمال السودان، وجوزيف قرنق، وزير شئون الجنوب.

 

قبل نهاية سنة 1971، شكل نميري وزارة نصفها عسكريين ونصفها تكنوقراطيين،. وفسرت الوثائق الامريكية ذلك بأنه يعني ان نميري اراد الوصول الى هدفين:

 

اولا: ضمان منصبه اعتمادا على القوات المسلحة. 

 

ثانيا: تنمية السودان اعتمادا على الوزراء التكنوقراطيين.

 

لكن، بدأت سنة 1972 بمشاكل داخل وزارة نميري نفسها، كما توضح الوثائق الآتية:

 

--------------------------

 

محمد عبد الحليم:

  

التاريخ: 8-1-1972

 من: القائم بالاعمال، الخرطوم

 

 

الى: وزير الخارجية

 

الموضوع: مشاكل السودان الاقتصادية


"مؤخرا، غادر الخرطوم وفدان: واحد من البنك الدولي، والثاني من صندوق النقد العالمي.  وعلمنا من بعض اعضاء الوفدين ان المسئولين السودانيين اعترفوا، اخيرا، بخطورة الوضع الاقتصادي، والتي، منذ فترة طويلة، لم تكن سرا.  وان هؤلاء المسئولين لم يعترضوا على توصية من توصيات الصندوق، وهي تخفيض قيمة العملة السودانية.  قالوا انهم يوافقون مبدئيا، لكنهم ليسوا متأكدين اذا كان الوقت الحاضر هو الوقت المناسب ...

 

 

لكن، يبدو ان السودانيين لن يقبلوا اتخاذ خطوات صعبة وقاسية.  

 

مثلا: عرفنا ان محمد عبد الحليم، وزير الخزانة، اقنع نميري مسبقا بأن لابد من خطوات قاسية، مثل تخفيض ميزانية الخدمة المدنية.  لكنه، عندما عرض الموضوع في اجتماع لمجلس الوزراء، لم يجد تأييدا من اي وزير، ولا حتى من نميري.  واعلن استقالته.  لكن، طلب منه الوزراء الا يستقيل، ووعدوه بالوصول الى حل مقبول للجميع ...

 

راينا:

 

اولا: نعم، شروط صندوق النقد قاسية.

 

ثانيا:  نعم، ربما لن يقبلها السودانيون.  مثلا: رغم تهديد وزير الخزانة بالاستقالة، نشرت صحف سودانية ان الحكومة تعهدت بتوظيف كل خريجي الجامعات الذين سجلوا انفسهم كعاطلين (1200 خريج) ..."

  

ضغوط مصرية:

  

التاريخ: 21-1-1972

 

من: القائم بالاعمال، الخرطوم

 

الى: وزير الخارجية

 

الموضوع: ضغوط مصرية

 

"بعد مرور ستة شهور على الانقلاب الشيوعي الفاشل، وبعد تحول نميري بعيدا عن روسيا وبقية دول المعسكر الشيوعي، وبعد ان شكل وزارة يتقاسمها عسكريون وتكنوقراطيون، مما اوضح لنا انه يريد الاستقرار العسكري والتنمية الاقتصادية، يبدو ان وضع نميري ليس مستقرا: 

 

اولا: بسبب تدهور الوضع الاقتصادي. 

 

ثانيا: بسبب ضغوط مصرية.

 

عن النقطة الثانية، من المفارقات ان المصرييين، الذين ساعدوا نميري في هزيمة الانقلاب الشيوعي قبل ستة شهور فقط، صاروا يعتقدون انه يتقرب من الولايات المتحدة اكثر مما يجب، وانه يجب الا يقطع علاقاته مع روسيا وبقية دول المعسكر الشيوعي ...

 

منذ عشرة ايام، منذ زيارة مراد غالب، وزير خارجية مصر الجديد، صار واضحا ان هناك ضغوطا مصرية على نميري ليستمر مع الخط القومي العربي.  قال له ان لهذا سببين:

 

اولا: سياسي: اهمية وحدة الدول العربية، وتعاونها مع الروس في مواجهة سياستنا في الشرق الاوسط، وخاصة ما يرونه دعما من جانبنا لاسرائيل.

 

ثانيا: اقتصاديا: اثبت الروس انهم قادرون على تقديم مساعدات عسكرية ومالية لنميري، في الوقت الذي ربما لن نقدر نحن، الولايات المتحدة، على تقديم مساعدات كافية وسريعة ...

 

في نفس الوقت، يظل نميري محبوبا كثيرا شعبيا.  يرونه مخلصا، ويريد خدمة السودان.  لكن، عليه ان يستغل هذه الشعبية ليفعل شيئين، على الاقل:

 

اولا: يحل المشاكل الاقتصادية الصعبة والمعقدة.  حسب معلوماتنا، لا يرى المواطن السوداني العادي ضوءا في نهاية النفق، بل ولا يري حتى القطار على سكة حديدية داخل النفق.

 

ثانيا: يضمن الاستقرار لنفسه.  حسب معلوماتنا، رغم مرور ستة شهور على فشل الانقلاب الشيوعي، يظل وضع نميري غير مستقر، وخاصة بسبب منافسات زملائه في مجلس قيادة الثورة القديم. 

 

لهذا، مؤخرا، اضطر نميري ليعينهم كلهم (سبعة اشخاص) في المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي (خمسة عشرة شخصا).  وايضا، ربما بسبب ضغوط مصرية، عين اثنين من القوميين العرب: كامل محجوب، واحمد عبد الحليم.  كما يبدو ان الحزب الشيوعي السوداني لا يزال نشطا، لانه موخرا وزع منشورات قالت ان نميري "مصاص دماء" ...

  

استقالة الرشيد نور الدين:

  

التاريخ: 25-1-1972

 

من: القائم بالاعمال، الخرطوم

 

الى: وزير الخارجية

 

الموضوع: تغييرات امنية

 

"ربما بسبب الضغوط المصرية، استقال الرشيد نور الدين، رئيس جهاز الامن القومي، ومعادي للشيوعيين، ومعارض لمصر، ومؤيد للغرب.   وربما لم تكن صدفة ان نميري عين ابو القاسم محمد ابراهيم، عضو مجلس قيادة الثورة السابق، ومن المحسوبين على مصر، مشرفا على الامن القومي حتى اعلان رئيس جديد له ...

 

لكن، قال لنا مصدر قريب من منصور خالد، وزير الخارجية، ان هناك اسبابا اخرى، واهم، لاستقالة الرشيد نور الدين، منها:

 

اولا: حاول نميري تغطية فضيحة شراء واستعمال المخدرات في بيروت، ورفض تشكيل لجنة تحقيق فيها.   تورطت في هذه شخصيتان هامتان: اللواء خالد حسن عباس، نائب نميري، ووزير الدفاع، والقائد العام.  واللواء احمد عبد الحليم (قائد المدرعات، وشقيق محمد عبد الحليم، وزير الخزانة.  للاثنين خلفية مصرية، ومن انصار مصر).

 

ثانيا: ايضا، رفض نميري تشكيل لجنة تحقيق مع خالد حسن عباس، وابو القاسم محمد ابراهيم، في فضيحة بنيامين، رجل اعمال من اصل سوري، والذي غادر السودان سريعا وسرا.  وكان نميري طلب وقف اوامر الرشيد نور الدين لجهاز الامن القومي بالتحقيق في الفضيحة ...

 

وعلمنا ان ابو القاسم محمد ابراهيم سيشرف مؤقتا على جهاز الامن القومي، حتى يعود من روسيا، حيث يتدرب، على نميري.  وقال زيادة ساتي، مدير وزارة الداخلية، ان على نميري "فاين" (جيد)، و "ستريت" (مستقيم)، و "اونست" (مخلص)، لكنه "ووفولي انيكسبيرينت" (بدون خبرة بدرجة يرثى لها) ...

 

في وقت لاحق، قال لنا مصدر نثق فيه ان جنرالات كبارا في القوات المسلحة ارسلوا خطابات، مجتمعة او متفرقة، الى نميري، وعبروا عن غضبهم لفضيحة المخدرات التي تورط فيها احمد عبد الحليم، وخالد حسن عباس. وطلبوا من نميري ان يشكل لجنة تحقيق محايدة ...

 

راينا في فضيحة المخدرات:

 اولا: قلل تورط احمد عبد الحليم النفوذ المصري في حكومة نميري.

 

ثانيا: هز تورط خالد حسن عباس نميري نفسه، لان الرجل اهم حليف له داخل مجلس قيادة الثورة السابق.

 

ثالثا: قوي تعيين ابو القاسم محمد ابراهيم رئيسا لجهاز الامن القومي موقعه في مواجهة نميري، بالاضافة الى موقع مأمون عوض ابو زيد، امين عام الاتحاد الاشتراكي السوداني، في مواجهة نميري.

 

رغم ذلك، علمنا من مصادر خاصة ان الثلاثة الاقوياء: خالد، وابو القاسم، ومأمون، لا يزالون مقربين من نميري، ويزورونه في منزله بدون مواعيد، ويخرجون معه في رحلات مسائية على نهر النيل.  وربما مغزى هذا انهم يحسون بقوة مناصبهم في مواجهة نميري ... "

  

استقالة خالد حسن عباس:

  

التاريخ: 14-2-1972

 

من: القائم بالاعمال، الخرطوم

 

الى: وزير الخارجية

 

الموضوع: استقالة وزير الدفاع

 

"امس، اعلن نميري استقالة خالد حسن عباس من كل مناصبه الرسمية: نائب رئيس الجمهورية ووزير الدفاع والقائد العام.  وكان عضوا في مجلس قيادة الثورة السابق ومن المقربين الى نميري.


في خطابه، قال نميرى ان خالد حسن عباس، منذ الانقلاب الشيوعي الفاشل الذي قتل فيه شقيقه، كان طلب اعفائه من هذه المناصب.  وانه، الأن بعد الاعفاء، سيظل مخلصا للثورة وللوطن ...

 

 

اليوم، علمنا من مصادرنا ان الرشيد نور الدين، من اقوى معارضي خالد حسن عباس، عاد الى العمل في القوات المسلحة ...

 

وفي نفس الوقت، اجرى نميري تعديلا وزاريا صغيرا، كالاتي: نميري: الدفاع. ابو القاسم هاشم: التخطيط.  مهدي مصطفي الهادي، ويصفه بعض الناس بأنه "كيسنجر السودان": رئاسة الجمهورية.  ابوبكر عثمان محمد صالح، وكان دبلوماسيا في الجزائر ومصر: امين رئاسة الجمهورية، نائبا لمهدي مصطفي الهادي ...

 

رأينا:

 

اولا: فيما يخص تقرب خالد حسن عباس من المصريين، اثبت نميري للمصريين انه يقدر على اصدار قرارات شجاعة، سياسية وشخصية، وتقلل نفوذهم في حكومته.  وانه صار يؤمن بمبدأ "سودان فيرست" (السودان اولا).

 

ثانيا: فيما يخص صلة خالد حسن عباس، ومحمد عبد الحليم، بفضيحة المخدرات، رضخ نميري للجنرالات في القوات المسلحة الذين اغضبهم الموضوع. وكان هؤلاء، وبعضهم جاء من قيادات خارج الخرطوم، قابلوا نميري بمناسبة يوم القوات المسلحة في الاسبوع الماضي.

 

ثالثا: نعتقد ان نميري سيقدر على مواجهة المصريين بعد تخفيض نفوذهم في حكومته.  لكننا نتوقع هجمات مصرية من نوع او آخر. 

 

رابعا: على  اي حال، زاد وجودنا في المنطقة بكسب نميري الى جانبنا، وبتخفيض النفوذ الروسي في دولة من دول المنطقة.

 

خامسا: مادام نميري يتمتع بتأييد القوات المسلحة، لن يواجة مشاكل كبيرة، خاصة وانه يتمتع بتأييد شعبي كبير، وخاصة تأييدا لسياستة الاستقلالية الجديدة ... "

  

حوار مع الصادق المهدي:

  

التاريخ: 15-2-1972

 

من: القائم بالاعمال، الخرطوم

 

الى: وزير الخارجية

 

الموضوع: توتر في السودان

 

"رغم ان التحركات العسكرية في شوارع الخرطوم، والتي صاحبت استقالة خالد حسن عباس، نائب الرئيس ووزير الدفاع والقائد العام، خفت قليلا اليوم، يستمر التوتر في الخرطوم.

 

ثم جاءت استقالة مأمون عوض ابو زيد، عضو مجلس قيادة الثورة السابق، والامين العام للاتحاد الاشتراكي، ومن انصار مصر في حكومة نميري، وتربطه صلة قرابة مع خالد حسن عباس.  رغم ورود اخبار ان نميري رفض قبول الاستقالة ...

 

وعلمنا من مصادر خاصة ان نميري ينوي فتح حوار مع الصادق المهدي، قائد حزب الامة الذي ساءت علاقات نميري معه منذ الهجوم العسكري على الجزيرة ابا، وقتل الامام الهادي المهدي، في سنة 1970.

 

وكان نميري امر بنفي الصادق المهدي الى مصر، ثم امر بنقله محتجزا الى جبيت، بالقرب من بورتسودان، ومؤخرا امر بنقله محتجزا الى منزله في امدرمان.

 

وحسب معلومات وصلت الينا، يريد نميري ارضاء المهدي بتعيين وزراء يميلون نحوه.  ولم يعد سرا ان ابراهيم منعم منصور، وزير المالية، يعتبر ممثلا غير رسمي لحزب الامة في وزارة نميري.

 

رأينا:

 

صار واضحا ان نميري يتحول نحو القوى التقليدية بعد ان انتصر على قوتين آخريتين:

 

اولا: الشيوعيين، بعد فشل انقلابهم في السنة الماضية. 

 

ثانيا: المصريين، بعد خروج موالين لهم مثل: محمد عبد الحليم، وخالد حسن عباس، ومأمون عوض ابوزيد ...

 

عن هذه النقطة الاخيرة، نلاحظ ان مراد غالب، وزير خارجية مصر، وصل امس الى الخرطوم (ثاني زيارة خلال شهرين).  ونحن نعتقد ان المشاكل بين نميري والرئيس المصري السادات ليست سياسية واستراتيجية فقط، ولكن، ايضا، شخصية.

 

لكن، في الجانب الآخر، يبدو ان السودانيين يؤيدون نميري تأييد قويا في تمرده على مايرون، عبر تاريخ علاقاتهم مع مصر، انها ضغوط استعلائية مصرية. 

 

لهذا، نحن نتوقع ان نميري سيستمر في سياسة "سودان فيرست" (السودان اولا).  وايضا نتوقع تحركات مصرية مضادة، لكننا لا نعرف ما هي ومتى ستحدث ... "

 

--------------------------------------

 CLICK HERE TO VISIT MY WEBSITE!