وثائق امريكية عن نميري (35):

 

قتل فلسطينيون السفير والقائم بالاعمال الامريكيين

 

واشنطن: محمد علي صالح

 

توجد هنا وثائق من وزارة الخارجية الامريكية عن سنوات الرئيس المشير جعفر نميري، من سنة 1973. 

كانت اغلبية وثائق سنة 1969 عن انقلاب 25 مايو الذي قاده نميري والذي الغى الديمقراطية الثانية. 

واغلبية وثائق سنة 1970 عن خلافات بين نميري ويساريين وشيوعيين كان تعاون معهم في البداية. 

واغلبية وثائق سنة 1971 عن انقلاب شيوعي ضده قاده هاشم العطا، لكن فشل الانقلاب. 

واغلبية وثائق سنة 1972 عن تعاون نميري مع معتدلين، واثبات شرعيته بالدستور، وانتخابات الرئاسة، ومجلس الشعب، والاتحاد الاشتراكي. 

وهاهي وثائق سنة 1973 تبدأ باغتيال السفير الاميركي في الخرطوم.  لسبب ما، لا توجد وثائق تفاصيل الاغتيال.  لكن توجد وثائق ما بعد الاغتيال.

الذي حدث هو انه في اليوم الاول من مارس سنة 1973، هجم ثمانية رجال ملثمون من منظمة "ايلول (سبتمبر) الاسود" الفلسطينية على السفارة السعودية في الخرطوم خلال حفل دبلوماسي لوداع كيرتس مور، القائم بالاعمال الاميركي في الخرطوم، واستقبال كليو نويل، السفير الاميركي الجديد. 

اعتقل الفلسطينيون السفير والقائم بالاعمال، بالاضافة الى عبد الله الملحوق، سفير السعودية، وزوجته واطفالهما الاربعة، وغاي ايد، القائم باعمال بلجيكا، وعدلي الناصر، القائم باعمال الاردن.   ثم طلب الفلسطينيون الأتي:

اولا: الافراج عن آلاف الفلسطينيين في سجون اسرائيل. 

ثانيا: الافراج عن مئات الفلسطينين في سجون الاردن (اعتقلوا بعد حرب اهلية بين الملك حسين والفلسطينين في ايلول سنة 1970.  جاء من هنا اسم "ايلول الاسود").

ثالثا: الافراج عن سرحان سرحان (فلسطيني امريكي حوكم بالسجن المؤبد لاغتياله السناتور روبرت كنيدي سنة 1967.  ولا يزال في السجن). 

في اليوم الثاني، رفض الرئيس الامريكي نيكسون التفاوض مع الفلسطينيين، وقال ان الولايات المتحدة "لن ترضخ للابتزاز."

في اليوم الثالث، اعلن الفلسطينيون قتل الغربيين الثلاثة، واطلقوا سراح العرب، واستسلموا للشرطة السودانية.

بعد ستة شهور، حكمت محكمة سودانية بالسجن المؤبد على الفلسطينيين.  وخوفا من المشاكل، امر نميري بتسليمهم الى ياسر عرفات، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية (كانت رئاسته في القاهرة) ليقضوا فترة الحكم في سجن مصري. وهم في مصر، هرب ثلاثة منهم واختفوا. 

غضب الامريكيون من قرار نميري، وجمدوا العلاقات الدبلوماسية (لشهور قليلة).  واعلنوا ان عرفات مطلوب للعدالة في اميركا.  لكن، في ذلك الوقت لم يكن هناك قانون امريكي يسمح بذلك (مثلما هو الحال الان).

 

حراسة السفارة:

 

التاريخ: 2-3-1973

من: القائم بالاعمال، الخرطوم

الى: وزير الخارجية

الموضوع: حراسة السفارة

"اشارة الى برقيات سابقة، اعلنا اللون البرتقالي للحالة الامنية داخل السفارة.  نحن نعاني من قلة المعلومات من دبلوماسيينا ومن السودانيين الذين يتعاونون معنا.  ولهذا لا نقدر على تقييم اي انذار مسبق بالهجوم على السفارة.

ايضا، ليست قوات الامن السودانية متطورة الى درجة تجعلها قادرة على اكتشاف كل خطر ارهابي علينا، رغم انها ترغب في ذلك.  كما ان حالها يدعو للاسف.  مثل جنود يحرسوننا لكننا نراهم نائمين وبنادقهم في ايديهم.  او نراهم مستغيظين لكنهم لا يهتمون كثيرا بالذين يمرون بالقرب من السفارة.

ايضا، يرغب كبار المسئولين السودانيين في حراستنا وطمأنتنا.  لكنهم يقولون اشياء لا نفهمها، او لا نصدقها، مثل:

اولا: يقولون ان خطر الفلسطينيين انخفض بعد ان قتلوا الدبلوماسيين الثلاثة.  لكن، هل يقولون هذا لان فلسطينيين قالوا لهم ذلك؟ او لانهم يعتقدون ان عدم رؤية الشر معناه عدم وجود الشر.

ثانيا: يقولون ان الفلسطينيين لن يقومون بعمل آخر ضدنا، حتى لا يزيد غضب السودانيين عليهم، ويسبب ذلك في اصدار احكام اكثر قسوة عليهم.  لكن، حسب معلوماتنا، الفلسطينيين الذين يؤيدون مثل هذه العمليات، والسودانيين الذين يعطفون عليهم، مجموعات غير عقلانية من الناس.  اما غاضبون، او يريدون الاستشهاد.

في نفس الوقت، نحن نعمل على تأمين سلامة السفارة والعاملين فيها:

اولا: شيدنا سورا حديديا في الخلف.

ثانيا:  فصلنا الطابق الخامس بستار امني.

ثالثا: اعدنا ترتيب قاعة الاستقبال في الطابق الرابع لضمان امن حرس "المارينز".

رابعا: ضمنا اتصالات سريعة بين حرس "المارينز" المسلح امام المبنى وغرفة نوم القائم بالاعمال.

خامسا: غيرنا بعض الاقفال والمفاتيح.

سادسا: زودنا جندي "المارينز" الحارس باسلحة اضافية وغاز مسيل  للدموع.

سابعا: اجتمعنا مع زوجات الدبلوماسيين، وقدمنا لهم نصائح امنية.

ثامنا: قدمنا نصائح امنية لسائقي سيارات السفارة، وعن كيفية تحاشي من يعتقدون انهم يتابعونهم.

تاسعا: طلبنا من الدبلوماسيين تغيير شوارع سيرهم بين السفارة ومنازلهم من وقت لآخر لتحاشي مراقبتهم.

عاشرا: طلبنا من مدير الشرطة السودانية زيادة حراسة السفارة، وحراسة منازل الدبلوماسيين، والنادي الامريكي، واستعمال شرطة سرية بالاضافة الى العلنية ...

على اي حال، نقدر على القول بان الحالة النفسية للعاملين في السفارة هي خليط من الاستقرار والحذر.  لكن، تؤثر الاجراءات الاحتياطية الامنية نفسها على نفسيات العاملين.  لهذا، نريد اتخاذ خطوات وسط، توازن بين الحماية وبين المبالغة في الحماية ..."

 

منصور خالد:

 

التاريخ: 6-3-1973

من: القائم بالاعمال، الخرطوم

الى: وزير الخارجية

الموضوع: اغتيالات الخرطوم

"قال لنا مراسل جريدة "نيويورك تايمز" ان منصور خالد، وزير الخارجية، قال له  في مقابلة خاصة ان الارهابيين الفلسطينيين الذين استسلموا "سوف يحاكمون، ويدانون، ويعدمون."

بصورة عامة، يرى السودانيون، مسئولون ومواطنون، ان هؤلاء يجب الا ينظر اليهم كعملاء سياسيين، وان يحاكموا كمجرمين ارتكبوا جرائم معينة. 

لا نريد اصدار تصريحات صحافية يفهم منها السودانيون اننا نريد اعدام هؤلاء.  واننا نضغط عليهم لتنفيذ ذلك.  في نفس الوقت، يوجد احتمال الاعدامات.  اذا حدث ذلك، نريد:

اولا: الا يفهم السودانيون، وغيرهم، ان ذلك حدث بسبب ضغط منا.

ثانيا: الا نفرح ونقول اننا "انتقمنا." 

ثالثا: الا نكثر من الاشادة بنميري.  انه يواجه اعداء، واذا اعدم الارهابيين، سيقول اعداؤه انه اعدمهم لاننا  ضغطنا عليه ... "

 

نميري:

 

التاريخ: 6-3-1973

من: القائم بالاعمال، الخرطوم

الى: وزير الخارجية

الموضوع: خطاب نميري عن الاغتيالات

"عن الاغتيالات التي قام بها الارهابيون، قال نميري في خطاب رئيسي، مهدت له وسائل الاعلام الحكومية كثيرا، ان تأييد السودان للقضية الفلسطينية معروف ومسجل، وان السودان يفعل ذلك اكثر من دول عربية كثيرة.  ووصف الاغتيالات بانها "قاسية".  وان "الناس ذبحت كالبهائم.  وهذا شئ لا يؤيده دين او قيم اخلاقية."   وان "العدالة ستسير مسارها ... "

 

عبد الرحمن عبد الله:

 

التاريخ: 10-3-1973

من: البيت الابيض

الى: وزير الخارجية

الموضوع: وزير سوداني يقدم التعازي للرئيس

"استقبل الرئيس نيكسون اليوم، بحضور وزير الخارجية وليام روجرز، ومساعد الوزير للشئون الافريقية ديفيد نيوصم، عبد الرحمن عبد الله، وزير الخدمة المدنية  في السودان، وميرغني النصري حمزة، السفير السوداني في واشنطن، اللذين قدما تعازي حكومة السودان في اغتيال السفير اونيل والقائم بالاعمال مور، ووصفا ما حدث بانه جريمة بشعة.

وقال عبد الله للرئيس ان حكومة السودان حريصة على ان تسير العدالة مسراها، وانها لن تسمح باي تدخلات اجنبية في هذا الموضوع. 

وقال عبد الله ان الرئيس نميري طلب منه نقل رسالة بان السودان الأن صار يتعرض لخطر من منظمة "ايلول الاسود" لانه اعتقل الارهابيين ويريد محاكمتهم.  وطلب نميري اسلحة ومعدات وتدريبات لتقدر قوات الامن السودانية على مواجهة هذا الخطر.

وقال الرئيس انه سيأمر بتقديم اي مساعد ممكنة ... "

 

الملك فيصل:

 

التاريخ: 14-3-1973

من: السفير، جدة

الى: وزير الخارجية

الموضوع: الملك فيصل وفتح وايلول الاسود

"امس، قابلت الملك فيصل لفترة طويلة، وطبعا، كان الموضوع الرئيسي هو اغتيالات الخرطوم.  وجدت الملك غاضبا غضبا حقيقيا لما حدث، خاصة لانه حدث في سفارته في الخرطوم ...

وقال الملك انه امر بوقف كل المساعدات الى منظمة "فتح" حتى تفصل نفسها من المتطرفين والارهابيين مثل منظمة "ايلول الاسود."

لكن، قال الملك انه لم يعلن ذلك، ولا يريد منا ان نعلنه، لاكثر من سبب:

اولا: خوفا، كما قال، من ان "اخواننا الفلسطينين سيهاجوننا في قسوة شديدة."

ثانيا: توقعا بان "فتح"، اذا تأكدت ان المساعدات السعودية ستتوقف نهائيا، ستتجه نحو شيوعيين ويساريين.

وعاد الملك الى موضوعه القديم، وهذه المرة شدد عليه كثيرا وفي غضب.  وهو ان الاحتلال الاسرائيلي يقود الفلسطينيون نحو التطرف.  وطلب مني نقل رسالة الى وزير الخارجية بأن نضغط على اسرائيل ضغطا حقيقيا وفعالا لتنسحب من الاراضي العربية المحتلة ... "

 

الملك فيصل 2:

 

التاريخ: 14-3-1973

من: السفير، الخرطوم

الى: وزير الخارجية

الموضوع: الملك فيصل وفتح وايلول الاسود

"اليوم، بناء على طلبكم، قابلت الملك فيصل مرة اخرى، ونقلت له اننا حصلنا على وثائق عن وجود علاقة قوية بين منظمة "فتح" ومنظمة "ايلول الاسود".   وقلت له ان "ايلول الاسود" تريد عرقلة جهود السلام التي نقوم بها، وانهم، بهذا، يؤذون القضية الفلسطينية والفلسطينيين.

وكرر الملك ادانة الاغتيالات الارهابية، وانه امر بوقف المساعدات عن "فتح".

لكن، كان الملك متحفظا في وضوح في موضوع قطع العلاقات نهائيا مع فتح.  وكرر بأننا يجب ان نضغط نحن على اسرائيل ... "

 

محمد الباقر احمد:

 

التاريخ: 28-3-1973

من: القائم بالاعمال، الخرطوم

الى: وزير الخارجية

الموضوع: مقابلة وزير الداخلية

"امس، قابلت محمد الباقر احمد، وزير الداخلية والذي يحكم السودان في غياب الرئيس نميري الذي يزور رومانيا ودولا اخرى.  نقلت للباقر احمد شكرنا على جهود الحكومة لحماية السفارة والدبلوماسيين، وسالته عن بداية محاكمة الارهابيين، وقال انه ينتظر عودة نميري.

وانا قدمت له تقريرا عن تهديدات امنية يواجهها الدبلوماسيين الاميركيين.  منها انا شخصيا.  قلت له انني، والامن الاميركي الذي يحرسني، لاحظنا ان ارهابيين تابعين لمنظمة "ايلول الاسود" يتابعوننا.  وقدمت له صورا فيها ارهابيون فلسطينيون مع ثلاثة من ممثلي منظمة "فتح" في الخرطوم: فواز، رزق، كرم.  وقلت له اننا نعرف ان الثلاثة اشتركوا في تخطيط الاغتيالات.

وطلبت من الباقر:

اولا: تبادل المعلومات عن الارهابيين معنا. 

ثانيا: زيادة الحماية السودانية للسفارة وللدبلوماسيين فيها.

وعد الباقر بزيادة الحماية، وبتقديم معلومات لنا عن الارهابيين.  لكنه لم يقدم التزاما بتبادل المعلومات معنا.  وبدا الباقر غير مستعجل لبداية المحاكمات.  وقال: "لا داع للعجلة".  وقال: "هناك محاكمة الجنرال شنان" (عبد الرحيم شنان الذي اتهم بمحاولة انقلاب ضد نميري). ونريد اولا ان ننتهي منها، ثم نبدأ محاكمة الفلسطينيين." 

لم يقل الباقر احمد حتى اذا كانت المحاكمة ستبدأ قبل نهاية شهر ابريل الأتي.  ولم يرد ان يقدم اي موعد معين، او خطوة معينة.  وانا تعمدت الا اجادله حتى لا يحس بأننا نضغط عليه بصورة او اخرى.  ونحن نعرف جيدا الوضع الحساس الذي يواجهه الباقر ورئيسه نميري.

لهذا، نحس ان السودانيين غير مستعجلين، وهم يواجهون وضعا لم يتوقعونه، وربما لا يعرفون كيف يواجهونه.   في جانب، توجد انتماءاتهم وولاءاتهم العربية، وفي جانب، وكما توقعنا، يدينون هذه الاغتيالات الوحشية ... "

(بعد ستة شهور، حكمت محكمة سودانية بالسجن المؤبد على الفلسطينيين.  وخوفا من المشاكل، امر نميري بتسليمهم الى ياسر عرفات، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية (كانت رئاسته في القاهرة) ليقضوا فترة الحكم في سجن مصري. وهم في مصر، هرب ثلاثة منهم واختفوا. 

غضب الامريكيون من قرار نميري، وجمدوا العلاقات الدبلوماسية (لشهور قليلة).  واعلنوا ان عرفات مطلوب للعدالة في اميركا.  لكن، في ذلك الوقت لم يكن هناك قانون امريكي يسمح بذلك (مثلما هو الحال الان).

 

CLICK HERE TO VISIT MY WEBSITE!