مقدمة:-

بعد توقيع اتفاقية السلام الشامل واتفاق القاهرة، واعتماد الدستور الانتقالي القومي، وتكوين مؤسسات الفترة الانتقالية في منتصف عام 2005م، تجدد الأمل في قيام القوى السياسية السودانية بموجهة الأزمة الوطنية الشاملة الجارية في البلاد والعمل بجدية لمعالجة كافة جوانبها، وفي مقدمتها قضايا السلام، والتحول الديمقراطي، وتعزيز الوحدة الوطنية وإعادة البناء الاقتصادي والاجتماعي (..) وبعد مرور أكثر من أربع سنوات من عمر الفترة الانتقالية (2005 - 2011) ورغم ما تحقق من إنجازات كبيرة في هذه المجالات، إلا أن الوضع السياسي الراهن يشير إلى تفاقم الأزمة الوطنية الشاملة وتعقيدها بشكل أوسع وأخطر، وذلك من خلال المؤشرات التالية:-

       استمرار الحرب في دارفور وتصاعدها طوال السنوات السبع الماضية، دون أي أمل في حل قريب.

       استمرار خلافات ومشاكسات شريكي اتفاقية السلام الشامل حول العديد من القضايا في المركز والولايات وتهرب المؤتمر الوطني من الوفاء باستحقاقات السلام، وبالذات قضايا المركز والتحول الديمقراطي والحكم الفيدرالي الحقيقي.

       استمرار سيطرة الحزب الواحد والقوانين الشمولية على جهاز الدولة والمسرح السياسي وبالتالي تعسر عملية التحول الديمقراطي.

       اتساع النزعات القبلية والجهوية على حساب الانتماء الوطني وانتشار ظاهرة العنف في المدن والأرياف وتزايد احتمالات الانفصالات في الجنوب وربما في دارفور ومناطق أخرى.

       التجاهل الكامل لاتفاق القاهرة مع قوى التجمع الوطني وتعسر تنفيذ اتفاق أبوجا والشرق وكذلك اتفاق التراضي الوطني مع حزب الأمة، وذلك بسبب إصرار المؤتمر الوطني على الاستمرار في سيطرته على جهاز الدولة والمسرح السياسي وتهميش واستبعاد القوى السياسية والاجتماعية الأخرى. وهذا الوضع يخلق شعورا بعدم جدوى الاتفاقيات مع المؤتمر الوطني المسيطر، وعدم إمكانية إجراء أي تغيير في الوضع الراهن عن طريق الحوار السلمي وبالتالي دفع القوى المهمشة لحمل السلاح واستخدام العنف.

       تبديد عائدات البترول (تقدرها بعض الأوساط بحوالي خمسين مليار دولار خلال السنوات الأخيرة) في مجالات الصرف الاستهلاكي (الإدارة العامة والأمن والدفاع) على حساب التنمية، واستشراء الفساد المالي والإداري، وانهيار مؤسسات الإنتاج والخدمات، واتساع حالة الغلاء والركود الاقتصادي، خاصة بعد تداعيات الأزمة المالية العالمية (2008) وتراجع عائدات البترول إلى حدود دنيا في الميزانية الأخيرة.

       فقدان الإرادة الوطنية في مواجهة مشاكل البلاد المتفاقمة وفتح الباب واسعا للتدخلات الإقليمية والدولية، كما هو حادث في ترك أزمة دارفور للمبادرات الخارجية و تسليم إدارة الاقتصاد الوطني لصندوق النقد الدولي، والاعتماد على المبعوث الأمريكي في حل خلافات شريكي اتفاقية السلام الشامل، وعلى التحكيم الدولي في حل مشكلة حدود منطقة أب ياي، إضافة إلى تواجد القوات الدولية بشكل كثيف في معظم مناطق البلاد.

هذه المؤشرات هي نتاج سياسات السيطرة وعدم الالتزام باستحقاقات السلام والاتفاقيات الموقعة مع المؤتمر الوطني المسيطر. وهي تعني في مجملها فشل الفترة الانتقالية في تحقيق أهدافها المحددة في الدستور الانتقالي والاتفاقيات. وهذا الفشل سيؤدي إلى تداعيات خطيرة، بما في ذلك تهديد وحدة الكيان السوداني وتدويل الأزمة السودانية بشكل أوسع وأخطر وتتضاعف هذه التداعيات بتداعيات المحكمة الجنائية الدولية لتدفع البلاد نحو مخاطر شبيهة بما يحدث في الصومال والعراق .. ومع كل ذلك، فإن حزب البعث السوداني يرى أنه يمكن تجاوز هذا المأزق إذا ما توفرت الإرادة الوطنية ونجحت في الوصول إلى برنامج إجماع وطني يكون أساسا لتسوية وطنية تاريخية، قادرة على إخراج البلاد من أزمتها الوطنية الشاملة الجارية الآن، وذلك بالتعامل مع الواقع، كما هو بعيدا عن الأوهام الأيديولوجية والمصالح الحزبية والطبقية والجهوية الضيقة. وفي هذا الاتجاه نرى أن يتم ذلك من خلال المحاور التالية:-

 

 

1.     الاتفاقيات:-

       العمل على تنفيذ كافة الاتفاقيات الموقعة (اتفاقية السلام الشامل، اتفاق القاهرة، اتفاق أبوجا، اتفاق أسمرا واتفاق التراضي الوطني ..) هذه الاتفاقيات، رغم ما واجهته من انتقادات حادة حول ثنائيتها وعدم شموليتها، فإنها تتضمن جوانب إيجابية عديدة لا يمكن نكرانها.

       جمع كل هذه الاتفاقيات في اتفاقية موحدة وتحويلها إلى مشروع تسوية وطنية تاريخية موحد وقادر على الخروج بالبلاد من أزمتها الوطنية الشاملة المتفاقمة وإجازة هذا المشروع في مؤتمر وطني جامع.

       تكوين آلية وطنية مشتركة لمتابعة التنفيذ وتحقيق الأهداف المعلنة.

       مشاركة دول الجوار العربي والأفريقي في تحقيق هذا المشروع.

2.     قضايا التحول الديمقراطي:-

       الالتزام بنصوص الدستور القومي الانتقالي والاتفاقيات الموقعة، والعهود والمواثيق الدولية، والإسراع بإجراءات التحول الديمقراطي الكامل والانتقال الفعلي من نظام الحزب الواحد إلى النظام الديمقراطي التعددي، وذلك من خلال إلغاء وتبديل كافة القوانين المتعارضة مع الدستور الانتقالي، بما في ذلك قانون الأحزاب والانتخابات وقانون المنظمات الطوعية، إضافة إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة، المدنية والأمنية والعسكرية، على أسس مهنية وقومية وفك الارتباط بينها وبين الحزب الحاكم وفقا لنصوص الدستور.

       التأكيد على سيادة حكم القانون واستقلال القضاء والمؤسسات العدلية الأخرى عن السلطة التنفيذية والتشريعية.

       تأكيد الحقوق السياسية والثقافية والاقتصادية وكافة الحقوق الواردة في الدستور الانتقالي، وإطلاق حرية التعبير والنشر دون أي قيود أو رقابة من السلطة التنفيذية.

       الالتزام بمبادئ المساءلة والمحاسبة عن كل الجرائم التي ارتكبت في حق الوطن والمواطن، خاصة جرائم الحرب، مع تطبيق نهج العدالة الانتقالية ومبادئ المصارحة والمصالحة.

       إجراء انتخابات حرة ونزيهة وعادلة يتطلب الإسراع بإجراءات التحول الديمقراطي، وحل أزمة دارفور، وترسيم حدود الشمال والجنوب، وربط تقسيم الدوائر الانتخابية بسجل انتخابي جديد وليس بنتائج التعداد السكاني الأخير المختلف حولها، وإشراك القوى السياسية والاجتماعية في كافة مراحل العملية الانتخابية الخ...

 

3.     الوحدة الوطنية:-

       التأكيد على مكتسبات الجنوب، التي نصت عليها اتفاقية السلام الشامل، بما في ذلك حق تقرير المصير.

       تعزيز عوامل الوحدة والتكامل بين مناطق البلاد المختلفة، وإزالة كافة القوانين والممارسات التي تتعارض مع المساواة في حقوق المواطنة، وبالذات في مجالات الإعلام والثقافة والاستخدام وغيرها، وإجراء مصالحة وطنية شاملة بين كافة مكونات الكيان السوداني تضع الأساس لبناء سودان ديمقراطي موحد وفاعل في محيطه العربي والأفريقي.

       الاتفاق على خارطة طريق تجعل الوحدة الوطنية جاذبة لشعب الجنوب وتؤكد على الحكم الذاتي والفيدرالي الفعلي لكافة الولايات وتفضي إلى الوحدة الطوعية.

       مع مراعاة ما ورد في الفقرة السابقة حول الوحدة الوطنية، ومع الإقرار بحق شعب الجنوب في تقرير مصيره في استفتاء يجري في نهاية الفترة الانتقالية، فإن الظروف الراهنة ترجح احتمال اختيار الجنوب للانفصال، بسبب التلكؤ في تنفيذ اتفاقية السلام الشامل وعدم بذل أي جهد لجعل الوحدة خيارا جاذبا. وبما أن خيار الانفصال ستكون له مخاطر كبيرة على وحدة الكيان السوداني ووحدة الجنوب، وعلى علاقات الشمال والجنوب ودول الجوار بشكل عام، وكل ذلك لا يبشر بانفصال سلمي، كما حدث في أريتريا وتشكوسلوفاكيا السابقة، بل قد يكون انفصالا دمويا، لكل ذلك، فإن حزب البعث السوداني يرى التعامل بحكمة ومرونة مع هذه المسألة المصيرية.. وذلك بوضع (الكونفيدرالية) كخيار ثالث يبقي الباب مفتوحا لوحدة الكيان السوداني في المستقبل.

 

4.     أزمة دارفور:-

       العمل الجاد لحل أزمة دارفور بمشاركة كافة القوى السياسية والاجتماعية والحركات الدارفورية المدنية والمسلحة، انطلاقا من ما توصلت إليه هذه القوى والحركات من إعلان مبادئ ومشاريع وخطط لحل الأزمة في الفترة السابقة.

       الاستجابة لمطالب أهل دارفور المشروعة في المشاركة في السلطة والثروة، والإقليم الواحد، والتعويضات وجبر الضرر، وإطلاق سراح المعتقلين والمحكومين سياسيا من أجل الوصول لتسوية عادلة.

       تركيز الاهتمام بالأوضاع الأمنية والإنسانية ووقف إطلاق النار من جانب واحد كخطوة أساسية في طريق السلام.

       عقد مؤتمر دارفوري/دارفوري لحل النزاعات المحلية وإجراء المصالحات القبلية وإعادة النسيج الاجتماعي إلى تماسكه وتكامله.

       دفع الحركات المسلحة لتوحيد موقفها التفاوضي في قضايا محددة والابتعاد عن الصراعات والخلافات غير الموضوعية.

       تحويل المبادرات الخارجية إلى عوامل مساعدة تدعم الجهد الوطني ولا نحل محله.

       التأكيد على مساءلة كل من ارتكب جرما في حق أهل دارفور ومحاكمته محاكمة عادلة أمام قضاء نزيه.

5.     الأزمة الاقتصادية:-

       السودان يعيش أزمة اقتصادية خانقة أجبرته للجوء لصندوق النقد الدولي والاتفاق معه، في يوليو الماضي، على برنامج إصلاح اقتصادي محدد، يتم تنفيذه تحت إشرافه. والواقع أن الأزمة ترجع إلى فترة التسعينات، وساعدت عائدات البترول على تخفيفها، وعادت في العام الماضي بشكل خطير، نتيجة لتراجع تلك العائدات. وهي

 

أزمة ترتبط بتشوهات هيكلية أدت إلى تنمية فئات بيروقراطية وطفيلية محدودة مرتبطة بالنظام الحاكم وإفقار غالبية جماهير الشعب في مختلف مناطق البلاد. وأدت أيضا إلى تدهور قطاعات الإنتاج والعمل لمصلحة قطاع النشاطات التجارية والطفيلية. ويرى حزب البعث السوداني أن مواجهة هذه الأزمة لا يمكن أن يترك للإدارة الاقتصادية، التي تسببت فيها ولا لوصفات صندوق النقد الدولي، التي تحابي مصالح الدائنين وسياسات الانفتاح وقوى رأس المال الأجنبي. ولذلك نقترح عقد مؤتمر اقتصادي قومي، شبيه بمؤتمر 1986، لمناقشة هذه الأزمة وطريق الخروج منها، وتشارك فيه كافة القوى السياسية، وتنظيمات المجتمع المدني، وأصحاب العمل، ونقابات العاملين، إضافة إلى الخبراء السودانيين في المجالات المختلفة المعروفين بجديتهم ونزاهتهم وحبهم للوطن.

       وإضافة لذلك هناك قضايا يجب موجهتها بحزم وسرعة وتشمل: قضايا المعيشة والغلاء، محاربة الفساد المالي والإداري، محاربة الفقر، إعادة المفصولين تعسفيا من الخدمة المدنية والعسكرية، الاهتمام بالمناطق المتأثرة بالحرب الأهلية، إعادة النظر في السياسات الاقتصادية والمالية الحالية، تركيز الاهتمام بقطاعات الإنتاج الزراعي والصناعي والخدمات الأساسية، مشكلة البطالة، قضايا التعليم العام والعالي، وإصلاح النظام المصرفي الخ...

خاتمة:-

هذه المحاور قامت القوى السياسية بمناقشتها في منابر عديدة، وبالذات تحالف القوى الوطنية، الذي أصدر وثيقتين هامتين في الفترة الأخيرة، هما: (برنامج القوى الوطنية الديمقراطية للخروج بالبلاد من أزمتها الوطنية الشاملة) و (ورقة القوى السياسية الوطنية المقدمة في ملتقى جوبا) وهاتان الوثيقتان تصلحان كأساس لبرنامج الإجماع الوطني، الذي طرحناه في هذه الورقة. ونأمل أن تجد هذه المحاور المناقشة الجادة مع المساهمات الأخرى، ووصولا إلى اتفاق حولها وحول آليات تنزيلها إلى أرض الواقع.

حزب البعث السوداني

الخرطوم 26 سبتمبر 2009