حمد الله يطلب خبيرا امريكيا "سريا" حتى لا يعرف الشيوعيون
خطاب "صديقى العزيز" من السفير الى الصادق المهدي كان مزورا
هل هبطت في كسلا  طائرة امريكية محملة باسلحة؟

واشنطن: محمد علي صالح
في الحلقة الخامسة عشرة  من هذه المقتطفات من وثائق وزارة الخارجية الامريكية عن انقلاب 25 مايو سنة 1969، الذي قاده الرئيس جعفر نميري، وبعد اربعة شهور من الانقلاب، ارسل السفير الامريكي في الخرطوم البرقية الآتية الى وزير الخارجية في واشنطن:
"يوم الاول من هذا الشهر، اكتوبر، نشر بشير محمد سعيد، رئيس تحرير جريدة "الايام"، كلمة انتقد فيها سيطرة الحزب الشيوعي على حكومة نميري.  ويوم الخامس من الشهر، انذر فاروق حمد الله، وزير الداخلية، "الايام" من الهجوم على ما اسماهم "المؤيدين للثورة."
وكانت كلمة سعيد اثارت جدلا كبيرا في الخرطوم.  وعلقت نسخ منها في بعض المساجد يوم الجمعة، وفي الاندية الثقافية، مثل نادي اتحاد طلاب جامعة الخرطوم.  لم تكن هذه اول مرة ينتقد فيها سعيد الشيوعيين، لكنها كانت اول نقد مباشر من صحافي كبير في جريدة كبيرة.
نرفق لكم ترجمة كلمة سعيد ... "
في هذه الحلقة وثائق اخرى عن فاروق حمد الله:
--------------------------------
مقابلة حمد الله لاول مرة:
التاريخ: 11-9-1969
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: مقابلة فاروق حمد الله
"امس ولاول مرة، قابلت فاروق حمد الله، وزير الداخلية والرجل القوي جدا في حكومة نميري.  وسالته عن الاتهامات الكثيرة التي وجهها لنا، خاصة في المؤتمر الصحافي يوم 20-6:
اولا: نحن نتعاون مع "أحزاب رجعية" ضد حكومة نميري. 
ثانيا: نحن ارسلنا طائرة الى الحدود مع اثيوبيا، قرب كسلا، طائرة محملة باسلحة الى المعارضة السودانية. 
ثالثا: نحن وراء منشورات ومتفجرات ضد الحكومة. 
رابعا: نحن الذين كتبنا خطاب "صديقي العزيز" الى الصادق المهدي، زعيم حزب الامة، نشجعه للتخطيط لاغتيال نميري ...
وفي موضوع الخطاب والمتفجرات، اقترحت عليه حضور خبير متفجرات امريكي ليساعد في التحقيقات.  وافق حمد الله.  لكنه طلب عدم الربط بين الخبير الامريكي ووزارة الداخلية ربطا رسميا خوفا من "اثارة قلق وزراء في الحكومة يعارضون الولايات المتحدة."
ولاحظت ان حمد الله يشك في خبراء الاستخبارات الالمان الشرقيين في وزارته، والذين جاءوا من المانيا الشرقية للمحافظة على "امن الثورة" كما يقول نميري وكبار المسئولين في حكومته.
ونحن نعتقد، لكني لم اقل ذلك لحمد الله، ان خبراء المان شرقيين وراء "اكتشاف منشورات ومتفجرات اميركية" ضد حكومة نميري.  لكنى قلت لحمد الله ان هذه المنشورات مزورة، ولهذا اقترحت عليه احضار خبير امريكي ...
لهذا، بناء على طلب حمد الله، وخوفه من "الشبهات"، اقترح ان ترسلوا خبير متفجرات بالشروط الآتية:
اولا: يكون "خاصا"، وليس تابعا للحكومة الامريكية.
ثانيا: يحمل جواز سفر عاديا، وليس دبلوماسيا.
ثالثا: تكون وجهته اديس ابابا، او نيروبي، لكنه يقضي يومين او ثلاثة ايام في الخرطوم حتى لا يثير الشبهات.
رابعا: يكتب هذه المعلومات بصورة واضحة في طلب تأشيرة الدخول في السفارة الامريكية في واشنطن ...
طبعا، الوقت مبكر لنعرف نتائج مهمة خبير المتفجرات.  لكننا، على  الاقل، وحتى الآن، نقدر على ان نقول اننا اثرنا اهتمام حمد الله بان اتهامات المنشورات والمتفجرات ربما ليست صحيحة.  وان الهدف منها هو الاساءة الى العلاقات بيننا والسودان.
وطبعا، هناك احتمال ان حمد الله، نفسه، يعرف ان الاتهامات مزورة.  لكنه، طبعا، لم يقدر على ان يقول لى ذلك عندما قابلته ...
وفي احسن افتراض، سيقدم له الخبير الامريكي معلومات مؤكدة بان الاتهامات باطلة، وانه، حمد الله، سيقول ذلك للرئيس نميري.
في برقية سابقة، كنا قلنا ان معلوماتنا توضح ان نميري صار يفهم فهما كثيرا الخطر الشيوعي الذي يحيط به، بعد خمسة شهور فقط من الانقلاب العسكري. 
لهذا، اذا عرف ان الاتهامات ضدنا مزورة، وان استخبارات المانيا الشرقية الشيوعية ربما هي التي زورت هذه الاتهامات، ربما سيساعده هذا على التخلص من النفوذ الشيوعي في الحكومة ...
وربما لا نبالغ اذا قلنا ان تقرير الخبير الامريكي سيكون خطوة اخرى نحو تطهير حكومة نميري من الشيوعيين.  لكن، دائما، هناك الاحتمال المضاد، وهو ان يستغل الشيوعيون تقرير الخبير، ويقولوا بأنه دليل آخر على "مؤامراتنا" ضد "حكومة الثورة"...
الخبير الامريكي:
التاريخ: 25-9-1969
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: الخبير كروان
"ليلة امس، ولمدة خمسة واربعين دقيقة، وفي منزل فاروق حمد الله، وزير الداخلية، ومع كراون، خبير المتفجرات الامريكي، ناقشنا موضوع الاتهامات والوثائق المزورة ضدنا.  ولم ينتهي الاجتماع الا لان مجلس الوزراء استدعى حمد الله لاجتماع عاجل هناك ...
ناقشنا الادلة الآتية من المؤتمر الصحافي يوم 20-6 الذي اعلن فيه الاتهامات:
أولا: خطاب "صديقي العزيز" بالانجليزية الى الصادق المهدي. 
ثانيا: مسدسان مثل قلمي حبر. 
ثالثا: صندوق ذخيرة. 
رابعا: صندوق متفجرات مكبوسة. 
خامسا: خطاب باللغة العربية، بدون توقيع.   
قال الخبير كروان لحمد الله ان خطاب "صديقي العزيز" مكتوب بآلة كاتبة كهربائية ماركة "أي بي ام".  وانه سيقارن الكتابة بكتابات آلات مماثلة في السفارة الامريكية في الخرطوم.  واذا تأكد له ان هناك شبها، سيقول له ذلك بدون تردد. 
في الجانب الآخر، تعهد حمد الله بان يجمع الامن السوداني عينات من كتابات آلات مماثلة في شركات ومكاتب في الخرطوم.  ويحملها كروان الى الولايات المتحدة ليفحصها في معامل مكتب التحقيق الفدرالي (افي بي آي).  وايضا، تعهد حمد الله بوقف توجيه اتهامات لاي شخص في الموضوع، حتى عودة الخبير كراون
واعتذر حمد الله لقطع الاجتماع للذهاب الى مجلس الوزراء، واقترح على الخبير كروان ان يعود الى منزله صباح اليوم ..."
طريق مدني، كيلو 25:
التاريخ: 26-9-1969
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: الخبير كراون، اضافة
"صباح اليوم، اخذت الخبير كروان الى منزل حمد الله، وعدت بعد ثلاث ساعات، واخذته.  وعلمت منه الآتي:
اولا: اقتنع كروان، واقنع حمد الله، بان خطاب "صديقي العزيز" لم يكتب باي آلة كاتبة في السفارة الامريكية في الخرطوم.
ثانيا: اشار كروان الى ان اللغة الانجليزية في الخطاب ليست "امريكية"، اي فيها عبارات غريبة على الثقافة الامريكية.
ثالثا: وافق حمد الله على ان يحمل كروان معه الى الولايات المتحدة مسدسا ومتفجرات واشياء اخرى لفحصها في مكتب "اف بي آى".
وقال حمد الله لكروان انه وافق على ذلك بدون ان يعلم على صديق، مدير الشرطة.  وحسب معلوماتنا، على صديق ليس صديقا للولايات المتحدة ...
غدا سنرسل لكم هذه الاشياء في حقيبة دبلوماسية منفصلة، وسيحمل كراون وثائق اخرى معه ...
في نفس اليوم، قرأنا، كروان وانا ترجمة للخطاب باللغة العربية المرفق مع خطاب "صديقي العزيز" بالانجليزية.  وملخصه انه يبدو موجها من سوداني الى آخر بان هناك "مؤامرة امريكية لاغتيال نميري".  وفي الخطاب ارشادات للعثور على مسدسات ومتفجرات وضعتها السفارة الامريكية في "مكان سري" ليلتقطها مندوب من الصادق المهدي.  وانها في كيس، وفي حفرة تماما في نقطة "الكيلو 25" على الطريق بين الخرطوم ومدني.
وفعلا، زرنا كروان وانا هذه النقطة.  وسجلنا ملاحظاتنا في شريط صوتي، وسنرسله لكم بالحقيبة الدبلوماسية ... "  

"فيلم امريكي رخيص":
التاريخ: 31-10-1969
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: اتهامات السودان ضدنا
"للمرة الثالثة، قابلنا، خبير المتفجرات كراون وانا، فاروق حمد الله، وزير الداخلية، لحسم الاتهامات ضدنا بتوفير متفجرات وبالاشتراك في محاولة لاغتيال نميري...
اعتذر حمد الله لان رجال الامن السودانيين قضوا فترة اطول مما توقع في جمع عينات من كتابات ماكينات "آي بي ام" الكهربائية في الخرطوم.  قال انهم وجدوا مثل هذا النوع من الماكينات في جامعة الخرطوم، وشركة الكهرباء والماء، ومكتب العتباني للمحاماة ...
وقال كروان انه، حسب الفحوصات التي اجراها، لم يعثر على اي دليل ان خطاب "صديقي العزيز" كتب في السفارة الامريكية في الخرطوم.  لكنه، على اي حال، سياخذ الخطاب الى واشنطن لفحصه في معامل "اف بي آي.
وانا قلت الملاحظات الآتية لحمد الله:
اولا: هل هي صدفة ان الخطاب والاسلحة والمتفجرات عثر عليها قبيل اعتقال الصادق المهدي؟
ثانيا: كيف عرفت الشرطة انه توجد في نقطة "الكيلو 25" في طريق مدني خطابات ومتفجرات؟
ثالثا: يبدو كل هذا الموضوع مثل فيلم امريكي "بي" (رخيص ومن الدرجة الثالثة).
ووافق حمد الله على ذلك، وبدا مقتنعا جدا ... "
عودة كراون من واشنطن:
التاريخ: 17-11-1969
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: اتهامات محاولة اغتيال نميري
"امس، قابلت فاروق حمد الله، وزير الداخلية، وقلت له ان خبير المتفجرات الامريكي، كروان، يريد العودة للسودان لاطلاعه على نتائج فحص خطاب "صديقى العزير".  وان كراون قال لي ان الفحص اكد ان السفارة الامريكية في الخرطوم لم تكتب الخطاب، وتعتبره مزورا.
ورحب حمد الله بعودة كروان، لكنه طلب ان يحضر مثلما حضر في المرة السابقة: بصورة خاصة، وبدون ان تكون له صلة بالحكومة الامريكية.  وذلك خوفا من ان يثير "شبهات".  وكان يقصد انه خائف من ان تعلم عناصر معادية لنا، سواء في داخل وزارته، او في حكومة نميري.
وقال حمد الله انه لابد من ان نكون نحن، الاميركيين، حذرين بسبب استمرار اخبار عن مؤامرات امريكية لاعادة حكومة الاحزاب ... "
جريدة "الاخبار":
التاريخ: 6-12-1969
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: اتهامات محاولة اغتيال نميري:
"عادت الاتهامات ضدنا باننا خططنا، مع احزاب تقليدية في السودان، لاغتيال جعفر نميري، رئيس مجلس قيادة الثورة، وذلك بعد تقرير نشرته جريدة "الاخبار" المصرية ...
لهذا، امس، ذهبت لمقابلة فاروق حمد الله، وزير الداخلية، في منزله.  وذكرته ان كل هذه  الاتهامات بدأت بعد المؤتمر الصحافي الذي عقده يوم 20-6، ووجه فيه هذه الاتهامات ضدنا.
 ثم انه، في وقت لاحق، تحدث عن طائرة عسكرية اميركية هبطت قرب كسلا، قرب الحدود مع اثيوبيا، تحمل اسلحة الى المعارضة السودانية. 
ثم انه، قبل ثلاثة ايام فقط، قال ان الحكومة الامريكية رصدت ملايين الدولارات "لمعارضة السودان والدول الثورية الاخرى في افريقيا."
ووافق حمد الله على حقيقتين:
اولا: لم تكن كل هذه الاتهامات صحيحة بالطريقة المثيرة التي اعلنها بها اول مرة للشعب السوداني.
ثانيا: قدمت الحكومة الاميركية له ما يثبت انها لا تعادي حكومة السودان بالصورة التي اوضحتها بياناته للشعب السوداني.
وفي نهاية المقابلة، وافق حمد الله على ان يبلغنا، في المستقبل، باي اتهامات مماثلة قبل ان يعلنها للشعب السوداني.  وذلك حتى نقدر، على الاقل، على تقديم وجهة نظرنا  له ... "   
--------------------------------------
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.