من " الدوحة الى لندن"
شكل القلق، والهلع، واخراج ما في النفوس من أمراض " الأنا"، والاستخفاف المقيت بالشعب، والتهديد بالانتقام ، وبروز علامات الاحتضار ، وحملة الاعتقالات أبرز نتائج العصيان المدني (الأول والثاني) في نوفمبروديسمبر 2016 على الصعيد الحكومي في السودان.
أما المعارضة باختلاف أحزابها وقواها المدنية والمسلحة فقد وضعها الشباب - وبينهم منتمون لتلك القوى- أمام تحديات كبرى، أي أن العصيان حرك المياه الراكدة في ساحات عدة.
أيام العصيان الأربعة أتاحت فرصة للرئيس البشير كي يتأمل المشهد، و يراجع الخطى والسياسات الرعناء، ليعيد النظر في أساليب تعامله مع الشعب وقضايا الحريات ومتطلبات العيش الكريم ، لكن النظام الديكتاتوري فشلا جديدا في قراءة الواقع ، وفشلا اضافيا في انتهاز الفرص النادرة واغتنامها.
لوحظ في غمرة الانغماس في مسلسل التهم والشتائم لمنظمي العصيان أن بعض السياسيين تبارى في اطلاق الأوصاف ، فمنهم من وصف العصيان بـ"الصفر" ثم "الصفر الكبير"، وهناك من هدد وتوعد ب" عصر" الناس كما يتم عصر الزيت، وكانت اسرائيل رابحة بمضامين خطاب المسؤولين الانقلابيين، فاتهموا دعاة العصيان وداعميه بأنهم " عملاء لاسرائيل"، ويا" بخت اسرائيل بملايين العملاء".
هؤلاء قوم لا يخجلون من اتهاماتهم الباطلة ويكررونها في سبيل خداع الرأي العام السوداني والعربي والدولي، كما لم ينسوا كيل التهم لمن وصفوهم بـ" الملحدين".
أفضل نتيجة في هذا السياق أن العصيان جدد التأكيد على أن " عقلية" وطريقة تفكير القابضين على كراسي الحكم واحدة ، ونظرتهم للناس موحدة ومشحونه بالغطرسة والاستعلاء والمكابرة.
هم ينسون أنهم جاءوا الى السلطة بانقلاب أطاح حكومة ديمقراطية منتخبة في 30 يونيو 1989، ما يعني أنه على رغم سرقتهم السلطة بالتآمر والانقلاب الا أنهم متمسكون بمواصلة مسيرة الفشل والاستبداد والقمع، وأن كل ما قيل عن " الحوار الوطني " وتوصيات مؤتمره هي مجرد عملية تجديد للقبضة الحديدية بأساليب ماكرة.
النظام سقط في عيون الناس قبل العصيان بفشله في استثمار روح سادت بعض أوساط القوى السياسية المدنية والعسكرية ( الحركات المسلحة) خلال الفترة الماضية ، وكانت تلك القوى دعت الى نظام جديد ، يتم فيه تداول سلمي للسلطة، في مناخ لا مكان فيها لكبت الحريات والاعتقالات ومصادرة الصحف ومطاردة الصحافيين، لكن تلك المواقف ضرب بها النظام عرض الحائط.
فترة العصيان الأول والثاني برهنت أيضا على أن النظام لا يتعلم من الدروس، وليس مستعدا للرضوخ لنبض الشعب، وكل المؤشرات حتى الآن تؤكد أنه سادر، يرتكب الأخطاء والخطايا ولا يبالي بأي شي، كما بدا واضحا ايضا رغم أساليب" التنمر" التي يستخدمها لإرعاب المواطن ، فان واقع الحال يؤكد أن الاحتجاج المدني السلمي الجماهيري يهز فرائص الطغاة ، ويسرق النوم من عيونهم.
هم ”بارعون" في القمع ، وبالمقابل فان اي اسلوب للمعارضة المدنية السلمية يفضح ويعري ادعاءات الحكومة الظالمة ، أي أن أهم الدروس هنا تكمن في ضرورة أن تتدارس القوى الشبابية و السياسية والحركات المسلحة والتنظيمات المهنية دلالات العصيان، وتتفق على سلسة خطوات سلمية أخرى بأساليب جديدة.
هنا يكمن التحدي بعدما أكدت تفاعلات العصيان أن ما جرى شكل "تمرينا ناجحا"، شارك فيه " الداخل والخارج ( المهاجرون السودانيون خاصة في الدول الغربية التي تحترم الحريات وحقوق الانسان وفي صدارتها بريطاينا ) أي أن ما حدث يشكل بداية عمل منسق أو استهلال لجولة أولى في اطار حلقات عدة، تركز على مبادرات مدنية ديمقراطية سلمية. .
المؤكد أيضا أن المعارضة - ومعها الحق - ، تعاني من دون شك من غياب العمل الجماعي الفاعل، فالبيانات التي تعبر عن المواقف مع ايجابيتها باتت كلاما مستهلكا في غياب التنسيق والعمل الجماعي القادر على تحريك الشارع سلميا.
صحيح أن النظام القمعي وجه ضربات قوية للمعارضة بحرمانها من النمو الطبيعي في مناخ حر، وصحيح أنه سعى ولا يزال يجتهد في شق صفوفها، وصحيح أنه استخدم و يستخدم المال لاغراء " اللاهثين وراء المناصب والثروات والأراضي السكنية والزراعية ، ومع هذا كله لا يمكن تجاهل حقيقة أن القوى السياسية والحركات( مع اختلاف الدرجة) تعاني من مشكلات تنظيمية ومؤسسية ، و عليها أن تتدارس وتعالج حالها في ضوء مناخ العصيان وتفاعلاته .
من أهم الدروس أن القوى الشبابية تفاعلت من الناس فاستجابوا لها ، والمؤكد أن هناك فجوة بين المواطنين من جهة والقوى السياسية والحركات المسلحة من جهة أخرى ، وهي فجوة يحتاج ردمها الى اعتراف بحقائق الواقع، وفي صدارتها ضرورة أن تشهد الأحزاب والحركات عمليات اصلاح وتحديث شاملة ، حتى تواكب نبض الشباب وروح العصر.
من أهم دروس وضرورات ما بعد العصيان أن ترتفع تلك القوى الى مستوى الهم الوطني، لتعمل مع الشباب والنقابيين والمهنيين لبناء تحالف عريض، يضع أهدافا واضحة لسودان تعددي ديمقراطي، ينعم فيه جميع السودانيين بالحرية و العيش الكريم.
وفي شأن الدول الخليجية والعربية والدول الكبرى فقد شدتها تفاعلات العصيان، وتنوعت كيفيات تفاعلها ، وهذا معناه أن الدول تهتم بك عندما تكون فاعلا وقادرا على صناعة الأحداث، لأنها تبني شبكة علاقاتها على أرضية المصالح التي لا مكان فيها للنيات الطيبة.
بمعنى آخر فان نظام الحكم الحالي في السودان، الذي اشعل الحروب ومزق الوطن وضرب الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي وقمع الناس واحتضن عددا من المتشددين والارهابيين خلال سنوات عدة ، يهدد مصالح هذه الدول في السودا ن من ناحية استراتيجية .
النظام هدد بممارساته العلنية والخفية أمن المنطقة والعالم ، رغم أنه أغرى بعض الدول بتسليم " مطلوبين"، و قدم معلومات عن مطاردين، و ساهم في " طبخات" وعمليات عسكرية منذ سنوات خارج الحدود، على سبيل المثال في ليبيا، وابدى استعداده للتعاون في مجال مكافحة الارهاب والحد من الهجرة الى أوروبا .
في اطار الدروس المستفادة كان لافتا أن وسائل اعلام خليجية وعربية ودولية أبدت اهتماما بتفاعلات العصيان، وايا تكن طبيعة التغطية للحدث، فان ما جرى أكد أن من يصنع الحدث أي الخبر يجد الاهتمام الاعلامي، ولا أحد في هذا الفضاء المشحون بالأحداث سيتطوع للاهتمام بك اذا لم تكن فاعلا وصانعا للأخبار والأحداث، هذا درس مهم ينبغي أن يتعلمه من يلوم وسائل الاعلام ويتهمها بحق أو بدونه بتجاهل الشأن السوداني.
اطلاق سراح " بعض" المعتقلين السياسيين يوم الأحد 25 ديسمبر الحالي حظي باهتمام اعلامي أيضا ، وقد كشف ذلك مغالطات بعض المسؤولين الذين نفوا وجود معتقلين في السجون.
خلاصة المشهد، بل الحقيقة الكبرى أن النظام في السودان يحكم بالبطش والقمع، وليس لديه ما يقدمه حتى الآن سوى التهديد والوعيد وكيل الشتائم واستمرارالاعتقال ، لكن دروس التاريخ وتجارب الشعب السوداني تقول إن أي نظام قمعي سيتجاوزه قطار الشعب ومنطق العصر، اليوم أو غدا.
• مدير مكتب جريدة الحياة اللندنية في الدوحة " سابقا"

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.