حُكْم اَبْ تَكُّوْ!
بقلم/ كمال الجزولى

لا شكَّ أن القانون مفهوم ملتبس يعبر بشكل قامع عن أفق التصورات القيمية والمعرفية المحدودة لجزء صغير من المجتمع ، بينما يدعى ، فى الوقت نفسه ، الإحاطة بقيم ومثل المجتمع كله. فهو كمؤسسة اجتماعيَّة ، وكشكل تاريخى لضبط العلاقات ، يقوم على جملة قواعد حقوقية لإنفاذ هذا الضبط وفق مصالح الطبقة الاجتماعيَّة السائدة اقتصادياً وسياسياً. والدولة ، توأم القانون ، هى التى تقرِّر هذه القواعد ، وتستخدم لإنفاذها ترسانة متكاملة من أجهزة القمع وتدابير الإكراه. بعبارة أخرى ، وعلى حين يتمظهر القانون افتراضاً كأداة (خارجية) تعمل (بحياد) و(استقلال) وفق أعمِّ القيم المتواضع عليها والتى تتشكل تاريخياً ، وبتراكمية تلقائية ، فى مستوى البنية الاجتماعية الفوقية ، فإن وظيفته الحقيقيَّة هى إخضاع (الأغلبيَّة) لمصالح (الأقليَّة) بموجب قواعد محدَّدة فى المعاملات.
مع ذلك ، فما من دولة غير محتاجة ، ولو بالحد الأدنى ، (لإقناع) الناس فيها ، مواطنين وأجانب ، (بجدارة) قوانينها (لصون) أرواحهم وأموالهم ، ولو من باب حاجتها لخلق الحدِّ الأدنى من الاستقرار النسبى لأوضاعها. أما المدى الذى يتحقق فيه هذا (الإقناع) فرهين بالمدى الذى يطمئن فيه المستهدفون أنفسهم لشيوع القدر المعقول من معايير (الحق والواجب) فى علاقاتهم فى ما بينهم ، من جهة ، وفى ما بينهم وبين الدولة من الجهة الأخرى ، بما فى ذلك ، بل أوَّل ذلك أسلوب إصدار هذه القوانين قبل استقرارها فى التطبيقات القضائيَّة. فكم من قانون غير مكتوب اكتسب (قوة الشرعية) من كون التزام الناس به لا ينبع من رهب ، وإنما من استشعارهم بمحض (الفطرة السليمة) أن فى ذلك تعبيراً ، بالحد المعقول ، عن أعمِّ القيم والمثل الأخلاقية لأوسع الطبقات الشعبية. ولكن كم من قانون مستوفٍ لكافة شكليات التدوين والتوثيق والتوقيعات والأختام دون أن يكتسى سوى (شرعية القوة) المنفلتة المحروسة بأجهزة القمع ، كونه لا يحظى بأدنى قبول فى إطار البناء الأخلاقى العام لثقافة الشعب ، والذى يمثل أفضل عناصر القيمة فى تصورات الماضى الأخلاقية ، ويبلور قناعات الناس الداخلية ، وينعكس بثقل مؤثر على مجمل العملية التاريخية الاجتماعية.
ولأن (العدالة) تأتى على رأس هذه المعايير فينبغى التفريق بين مفهومى (القانون) و(العدالة) فى عمل السلطة ومشرِّعيها. فلئن كان (القانون) أداة ضبط سلطانية مصدرها الدولة ، فإن (العدالة) نزوع أصيل للفطرة الإنسانية السليمة ، مِمَّا ينقدح فى الضمير الحى والعقل المستنير. ولعل هذا هو بالضبط ما رمى إليه كبير أساقفة كنتربرى ، عند زيارته لبعض المحاكم فى انجلترا ، فيما روى اللورد ديننج فى مستهل كتابه (طريق إلى العدالة) ، حين خاطب قضاتها بقوله: "لا أستطيع أن أدعى أنى أعرف الكثير عن القانون ، غير أنى ، فى الدرجة الأولى ، أوجه اهتمامى إلى العدالة".
لذلك من الخطأ إعتبار (العدل) ، مجرد مجموعة نصوص يعكف على صياغتها فى الغرف المغلقة (خبراء) سلطانيون ذوو تأهيل فنى خاص ، توهُّماً ، من عند السلطة ، بأن الحياة كلها سوف تدور حيثما دارت هذه النصوص ، وأن الدنيا بأسرها سوف تتغير بتغيرها: فتسود الفضيلة بقانون وتنحسر الرذيلة بقانون ، ويتحدد الصواب بقانون ويتعيَّن الخطأ بقانون ، بل يتحقق العدل نفسه ويزول الظلم بمجرَّد سنِّ الدولة للقانون ضربة لازب. لقد أصبحت أكثر التيارات (سلطويَّة) فى العصر الحديث تعى أهميَّة أن يتفادى (القانون) ، إلى الحد المعقول ، الاصطدام المباشر والمفضوح والفاجع بروح المجتمع وتصوراته الفطرية عن الخير والشر ، والصواب والخطأ ، والجمال والقبح .. الخ.
إقتضانا هذا الاستطرادَ ما وقع فى حقل التشريع السودانى خلال الأسبوع الأول من مايو الجارى (2004م). فما من مواطن ، أو ناشط فى غالب الوسط المهنى بخاصة ، كان يعرف قبل ذلك أن رئاسة الجمهوريَّة أجرت منذ يناير الماضى ، وبدون إعلان ، تعديلاً جوهرياً على قانون الاجراءات المدنيَّة لسنة 1983م ، بموجب مرسوم مؤقت (تعديل لسنة 2004م) ، ليسرى من تاريخ التوقيع عليه!
أوَّل ما يصدم العقل المستنير والوجدان السليم ، شكلاً ومبدءاً ، فى هذا التشريع الجديد ، هو صدوره ، من ناحية ، بمرسوم مؤقت ، الأمر الذى لا مسوِّغ له فى وجود المجلس الوطنى المعتمد من النظام نفسه ، بل يجعل التشريع سلطة أصيلة فى يد رئيس الجمهوريَّة الذى هو رئيس الجهاز التنفيذى ، ويفضح شكلانيَّة وهشاشة البنية الدستوريَّة للنظام ودعوى ارتكازها على مبدأ الفصل بين السلطات ، علاوة على النص ، من الناحية الأخرى ، على سريانه من تاريخ التوقيع عليه ، وهى مسألة لا تحتاج إلى درس فى القانون لإدراك مدى خطورتها ، إذ يكفى تصوُّر تشريع جديد يمهره رئيس الجمهوريَّة بتوقيعه ثم يُحفظ فى أضابير القصر ردحاً من الزمن دون الإعلان عنه ، بينما سيفه مسلط قانوناً ، منذ التوقيع عليه ، فوق رقاب الناس الذين يواصلون التعامل فى الحقل الذى ينظمه دون أن يكون لديهم أدنى علم به!  
من جهة المضمون يطال التعديل البندين (1 ، 6) من المادة (231) ، ويلغى البند (3) منها ليستعيض عنه بنص آخر ، ويضيف البند (3) الجديد إلى المادة (243). فأما البندان (1 ، 6) من المادة (231) فقد سلبا القضاء سلطته الأصيلة فى تنفيذ أى حكم ضد الحكومة بعد مضى ثلاثة أشهر من صدوره ، ووضعاها فى يد وزير العدل (الخصم والحَكم) ، وبعد مضى ستة أشهر من صدور الحُكم!
وحدِّث ولا حرج عن طريقة التنفيذ بهذا التعديل العجيب! إذ يتعيَّن على المحكوم له أن يصبر ستة أشهر قبل أن (يلتمس) من وزير العدل تنفيذ الحكم. فإذا كان المبلغ المحكوم به ديناً خارجياً أو بالنقد الأجنبى فإن وزير العدل سوف (يحيله) إلى وزير الماليَّة والاقتصاد الوطنى (ليفاوضه) فى السداد حسب البند (3) الجديد! ولن يعجز حتى ذوى الذكاء المتوسِّط ، بطبيعة الحال ، عن تصوُّر نتيجة مثل هذا (التفاوض) ، خصوصاً لدى التمييز بين وضعى (الأقربين) و(الأبعدين)! أما إذا كان المبلغ المحكوم به بالعملة السودانيَّة فعليه العَوَض ومنه العَوَض!
ثم يجئ نص البند (3) الجديد المضاف إلى المادة (243) ليغلق كل باب قد يتوهم المحكوم له المسكين أن فيه محتملاً للعدل. ذلك أن النص القديم ، على علاته ، والذى يخوِّل المحكمة سلطة حبس المدين ، قد استثنى منه ممثلو الحكومة بموجب التعديل الجديد! وحتى يتضح موقفنا بشكل جلى فقد كان ولا يزال لدينا نظر ناقد للمادة (243) التى تقضى بحبس المدين لإرغامه على الوفاء بالدين ، ولكن أن يظل حكم هذه المادة قائماً على حاله القديم ويستثنى منه فقط ممثلو الحكومة بالتعديل الجديد فذاك لعمرى هو الظلم نفسه المعرَّف بالألف واللام! وعلى العموم ما كان أغنى المشرِّع عن هذا التزيُّد ، فالمحكمة (ممنوعة) أصلاً عن التدخل!.
يهدر هذا التعديل جملة قواعد ومباديء دستوريَّة وقانونية توصَّلت إليها الانسانيَّة عبر مسيرتها الطويلة من أجل استكمال مقوِّماتها ، وفى مقدمتها (المساواة أمام القانون). كما ويهدر مبدأ أساسياً لا تقوم للقضاء قائمة بدونه ، وهو مِمَّا ساقه سيدنا عمر فى رسالته الشهيرة إلى أبى موسى الأشعرى حين ولاه قضاء الكوفة: (لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له). ولكن المشرِّع ، مع ذلك كله ، لم يجد فى نفسه حرجاً كى يفصح صراحة فى (المذكرة التفسيريَّة) المرفقة بالتعديل عن كون الدافع إليه هو أن الديون أرهقت الحكومة ، وأن موظفيها لا يجوز ان يتحملوا أوزارها عند تنفيذ الاحكام ضدها!
وجدان المستعربين السودانيين صاغ أمثولة (حُكم اب تكو) كناية عن الاستبشاع الجمعى للجور ، ولكن هذا التشريع يجئ ، بكل المعايير ، آية فى (حُكم اب تكو)!