في ما أرى



روى لى الصديق خالد التجانى، رئيس تحرير الغراء ايلاف، حكاية طريفة حدثت بجامعة االخرطوم فى ثمانينيات القرن الماضى تذكرتها هذه الايام فابتسمت. قال خالد ان مجموعة من اعضاء الحركة الاسلامية بمكتبها السياسى بالجامعة يتقدمهم الشهيد موسى على سليمان كانوا قد احتجوا على قرارت تنظيمية لم تروقهم، وكانت هنالك مجموعة اخرى بيدها الامر وعلى صلة بقيادة الحركة بالخارج-خارج الجامعة- نقلوا اليها المشكلة وبدورها استدعت القيادة مجموعة موسى على سليمان وامرتهم بإنهاء الخلافات، وقالت لهم بالحرف الواحد(الحركة الاسلامية دى قطر ماشى الداير يقعد يقعد والما داير ينزل). فقال موسى فى رده عليهم ( صحيح ان الحركة قطر ماشى ولكن نحنا السايقنو نوديهو محل ما دايرين).فقالوا له سمح .. نشوف!! فى صباح الغد صدر امر بفصل موسى ورفاقه من الحركة.. يعنى نزلوهم من القطر بليل فأصبحوا لافين صينيه فى الجامعة لا يكلمهم احد.علق صاحبنا بكداش احمد المصطفى ضاحكا (والله ياموسى كنا قايلنكم سايقين القطر اتراكم كنتم مسطحين ساى تذاكر ما عندكم نزلوكم فى الخلا).هنالك كثيرون اثناء وبعد المؤتمر الاخير للحركة الاسلامية وجدوا انفسهم زى ناس موسى مسطحين وقايلين نفسهم سايقين القطر!!.
الذين تمسكوا بتعديلات الدستور فى مؤتمر الحركة الاخير او ساهموا فى اقصاء غازى او انتخبوا الزبير انما كانوا يخافون البعاتى (الصراع)!!.لا اظن ان هناك خلافا حقيقيا بين غازى والبشير و لا بين غازى واي من قيادات الحزب الحاكم .لم يكن هنالك خلاف انما خوف من فكرة الصراع والاختلاف، التجربة التى تحولت لـ (بعاتى) يرعب كافة اعضاء الحركة الاسلامية، اذ تقبع بخلفية اذهانهم قصة الصراع المرير الذي جرت وقائعه فى نهاية التسعينيات و الذى هدد كيان الدولة واطاح بقوة الحركة .الغريب ان الحركة الاسلامية مرت بتجربة الانقسامات فى اكثر من منعطف واستمر القطر ماشى. انقسمت الحركة فى الخمسينيات والستينيات والسبعينيات وكان الترابى لايعبأ بالمنقسمين على الحركة و استطاع فى كل منعطف تجاوزهم وحافظ على استمرارية الحركة ( القطر) حتى جاء انقسام التسعينيات فاعتقد ان بإمكانه تجاوزه ايضا لثقته فى نفسه والكوادر التى ساهم هو شخصيا في تربيتها فكريا وسياسيا، الا ان الزمان كان غير، فزمان الدولة غير زمان الدعوة.. هنالك فرق.زمان الدعوة كان فيه كل شئ لله والسمع والطاعة والالتزام برأى الجماعة قيم لاتقبل الجدل، اما زمان الدولة فليست كل الاشياء لله..فالجاه والسلطة والمال تشكل قوة لايستهان بها...باختصار، الترابى كان يلعب فى زمن مختلف لم يضع فيه حسابا لقوة الدولة..رأى ضعف تلاميذه واخوانه الصغار ولكنه لم ير قوة الدولة.الذين قادوا انقلاب يوليو 1971 رأو ضعف نميرى وهوانه لكنهم لو يروا قوة الدولة فصرعتهم.
الخائفون من بعاتى الانقسام والصراع فى الحركة الاسلامية ثلاث فئات. الاولى تخاف الفتنة وعواقبها وتخشى ان تذهب ريح الخلاف بالدولة، ولذا آثرت عدم فتح باب الاختلاف والصراع وصوتت لمن ترى انه يجنبها الفتنة، فكان الزبير محمد الحسن.هذه الفئة لم تفكر بالزبير مناسبا او غير مناسب كأمين عام للحركة، ولايهمها اذا كان مفكرا او حركيا نزيها انما يهمهما انه يعمل كترياق يقيها شر الانقسام والصراع.
فئة ثانية تخاف على سلطتها وامتيازاتها، وترى ان اى انقسام فى ظل الظروف التى تعيشها البلاد سيعصف بالسلطة ويشتت كودارها المخلصة، وقد يقود للتفكك داخل دهاليز اجهزة خطرة. فى سبيل المحافظة على مكاسبها التى يوفرها لها الاستقرار وحده ترى فى الانقسام شرا محضا يجب تجنبه ولو كان الثمن التضحية بالحركة نفسها ودورها.
الفئة الثالثة فى قيادة الدولة ولها مريدون واتباع خشيت من تكرار فكرة وجود امين عام يتمتع بقوة ونفوذ مستقلين عن الدولة والحزب، فالتجربة علمتها ان اي صراع على النفوذ بين الثلاثة اجنحة( حركة، حزب،دولة) من شأنه ان يهدد ثلاثتهم، فقدرت وضع كل الصيد فى جوف الفرا فلا يجد البعاتى ( الصراع) مدخلا لجوف الفرا ذاك الذى احكم اغلاقه بالدستور، وهكذا أُعلن لكل الراكبين والمسطحين على السواء ان القطر ماشى كده وبالسكة دى الداير ينزل ينزل الما داير ينزل يقعد ساى وما يجيب سيرة البعاتي كمان!!.

adil elbaz [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]