الحياة     2003/11/8
ألقى الشاعر ادونيس محاضرة في "مسرح المدينة" عنوانها: "بيروت اليوم، أهي مدينة حقاً أم أنها مجرد اسم تاريخي؟". وأثارت المحاضرة حفيظة الكثيرين من المثقفين اللبنانيين الذين حضروها او الذين قرأوها كاملة في إحدى الصحف البيروتية، تبعاً لما حملت من موقف سلبي إزاء بيروت والثقافة اللبنانية والمثقف اللبناني. وغدت المحاضرة مادة لسجال رحّب به ادونيس، بل حثّ عليه اصدقاءه (ونحن منهم)، على ان يجيب على الردود في مقالته المقبلة في "الحياة".
هنا قراءات في نص المحاضرة:
* بيروت بحسب أدونيس: مقاطع من المحاضرة
* انبعاث هجاء الفيديرالية اللبنانية وانتقاله من السياسة الى الجمالية (وضاح شرارة)
* هل أصبحت بيروت... "بئراً مهجورة"؟ (عبده وازن)
* تاريخ بيروت غير تاريخ "مهيار الدمشقي"! (محمود حداد)
بيروت بحسب أدونيس: مقاطع من المحاضرة
بيروت     الحياة     2003/11/8
بيروت، اليوم، مجموعة أحياء كمثل صناديق بطبقات مظلمة ومغلقة. ونرى تبعاً لذلك ان سكان هذه الأحياء الصناديق ليسوا إلا أشتاتاً يتلاقون في مكان جغرافي اسمه، تاريخياً، بيروت. وبيروت، في ذلك، مشهد لا مدينة.
*بيروت مدينة لا مدنية، او مدينة غير مدينية. ويزيد في هذه اللامدينية، على نحو تناقضي فاجع وساخر في آن، الخطاب البيروتي المؤسسي السائد: الديموقراطية، وحقوق الانسان، والإشعاع الى آخر هذه الدعاوى.
*الثقافة السائدة في بيروت تبدو هي كذلك نوعاً من الاستزلاف، لكثرة ما تنطوي عليه من الرياء، والزخرفية، والتبجح، والبعد عن القضايا الكبرى في مختلف المجالات. ليس في الثقافة اللبنانية حوار حقيقي بين اطرافها. هناك ضوضاء كلامية: مدح أو هجاء.
*كأن رحم بيروت منذورة لكي تلد قايين باستمرار. وفي هذا ما يولّد الشعور عند كل طائفة بأنها تعيش في بيروت، في ما يشبه برميلاً مثقوباً.
*وما يكون شأن فضاء بشري يناضل من اجل تحويل المستقبل الى ماض، أو يبدو فيه الماضي كأنه هو المستقبل؟
*كلا، ليس لنا في بيروت من المدينة إلا الاسم.
*نعرف جميعاً ان الحرب الاهلية الاخيرة كانت انفجاراً وحشياً في البركان السياسي الديني المستتر في بيروت، وانها كانت توكيداً ساطعاً على ان مفهوم المدينة، انسانياً وثقافياً، لا مكان له عند أبنائها.
*بيروت ملتقى السياسات من كل نوع، لكن لا سياسة لها. انها مصنع للمعرفة، لكن المعرفة التي لا تنتج إلا التعثر حيناً، والضياع حيناً، والجهل، ويا للمفارقة، حيناً.
*بيروت الى ذلك، بين انعدام الذاكرة الواحدة، وانعدام التاريخ الواحد، لا حاضر لها غير التقليد والمحاكاة أي حاضر الغرب الحديث. جردوا بيروت من أثر الغرب فيها، فلن يبقى فيها إلا شيئان: الكنيسة والجامع.
*ومن البداهة القول، إذاً، إن بيروت ليست مجتمعاً واحداً، ولهذا يتعذر ان تكون مدينة واحدة. وسكانها لا يعيشون بعضهم مع بعض متساوين، واجبات وحقوقاً، وإنما يعيشون متنابذين، وكل يحاول أن يكون السيد.
غير ان الحياة الواقعية تؤكد ان البشر يعيشون في بيروت بصفتها مأوى، لا بصفتها مدينة. كل يتمسك بمأواه، مدافعاً عنه لا عن المدينة بصفتها كلاً. يمارسون، طوعاً او كرهاً، التنابذ والتضاد والثبات والسُّبات كل في مأواه، أو في موقعه، او في معقله.
*لا تعود عطالة بيروت المدينة الى هيمنة الخارج عليها، كما تعودنا ان نسمع أقوالاً في هذا الصدد ليست إلا هرباً وتغطية، وانما تعود الى انعدام هيمنتها هي على نفسها. إنها هي نفسها التي تتحرك ضد كونها مدينة واحدة.
*كأن بيروت تتحرك على نحو تبدو فيه كأنها غير موجودة إلا بلاغياً بصفتها مجرد ألفاظ ضخمة.
*إن بيروت فقرٌ في كل شيء، وفقرٌ الى كل شيء.
*اذهب، انطفئ، مُتْ لكي احل محلك في السياسة، في الدين، في المال، في الفن والشعر والأدب. كل يريد ان يتقمص شخص المهيمن، شخص الآمر الناهي، شخص الكامل الذي لا عيب فيه.
انها سياسة الموت في عالم يبدو كأنه مؤسس على إبادة بعضه بعضاً
تاريخ بيروت غير تاريخ شاعر "مهيار الدمشقي"!
محمود حداد      الحياة     2003/11/8
"... سأجرؤ على التصريح بأن هاجس الابداع الحضاري بدأ يختفي في بيروت، أو يتراجع، منذ ظهور الاديان الوحدانية. ويؤكد لنا التاريخ ان بيروت لم تنتج، في ظل الوحدانية، ما يضاهي انتاجها في المراحل التي سبقت هذه الوحدانية - لا في التشريع، ولا في الفلسفة، ولا في الفن، بمختلف تجلياته".
هذه الكلمات مأخوذة من محاضرة الشاعر أدونيس عن بيروت تحت عنوان "بيروت اليوم، أهي مدينة حقاً ام انها مجرد اسم تاريخي؟". وتبدو كلمات أدونيس شبيهة بكلمات المؤرخ الانكليزي ادوارد غيبون الذي عاش في منتصف ونهاية القرن الثامن عشر وكتب كتابه الشهير "سقوط الامبراطورية الرومانية". وفيه ارجع ذلك السقوط الى بروز المسيحية كديانة توحيدية تبناها الرومان بعد ان حاربوها فترة من الوقت.
ومع ان التاريخ لم يقطع بصحة رأي غيبون، المؤرخ، فهو من باب اولى، لن يقطع برأي الشاعر أدونيس وان كان هذا الاخير استخدم التاريخ متكأً قاطعاً لرأيه. ولعلنا نجد الجواب الشافي في رأي مؤرخ لبناني معروف هو المرحوم الدكتور نبيه أمين فارس. فاذا كان ادونيس يتحدث بشغف عن بيروت ما قبل الوحدانية، مسيحية كانت ام اسلامية، فلا شك في ان تلك المرحلة تضم التاريخ الفينيقي واليوناني والروماني.
ولا يذكر الدكتور فارس بيروت من ضمن المدن الفينيقية التي انتشرت فيها حضارة تلك المرحلة. والاغلب ان جبيل وصور كانتا اكثر اهمية من بيروت آنذاك.
اما في العهد اليوناني فكانت "مقاومة صور لجيوش الاسكندر آخر انتفاضة للروح الوطنية الفينيقية. فقد انهارت الحياة القديمة انهياراً ما بعده قيام. ولم يتح للروح القديمة ابداً ان تبعث من جديد". وما لبث خلفاء الاسكندر ان اشتبكوا في صراع مرير للسيطرة على الامبراطورية الواسعة. وعلى رغم ان الفريقين المتخاصمين انصرفا الى تأسيس مدن يونانية، السلوقيون الى الشمال من لبنان والبطالسة الى الجنوب منه، فإن الاسكندرية وحدها اصابت شهرة عالمية بفضل مكتبتها ومتحفها.
اما حين ضم الرومان سورية الجغرافية بكاملها الى امبراطوريتهم عام 64 قبل الميلاد، فكانت الفوضى ضاربة اطنابها بسبب ما لحق بالبلاد في اواخر حكم السلوقيين. ولما عاد النظام الى نصابه تدريجاً وساده الطابع الروماني، اخذت المعارف تتقلص وتحل محلها غايات نفعية". "وسرعان ما اصبح العصر عصر تطبيق عملي بدلاً من ان يكون عصر ابتكار علمي". وهكذا برعت سورية الرومانية برمتها في مجالات التسلية لا في مجالات العمل الفكري والابداع! وهكذا، اشتهرت مدينة بيروت بممثيلها ومدينة صور بالألعاب البهلوانية ومدينة بعلبك بعازفي الناي. الا انه لا بد من الاعتراف بأن بيروت تميزت عن غيرها وقتها بأنها كانت مركزاً لأشهر معهد للقانون الروماني. ولكن على رغم منزلة هذا المعهد، فإنه لم يكن بيروتياً او لبنانياً، بل "مؤسسة اجنبية - معهداً رومانياً وأساتذة "متهلننين" يعلمون تلامذة لغاتهم أُسس القانون الروماني" الذي لا نحسب انه كان مرآة للابداع الحضاري كما يفهمه أدونيس!
* أستاذ في جامعة البلمند
هل أصبحت بيروت... "بئراً مهجورة"؟
عبده وازن      الحياة     2003/11/8
كان أدونيس يعلم مسبقاً أن محاضرته عن "بيروت" ستكون بمثابة "الصدمة" للكثيرين من اللبنانيين الذين استمعوا إليه في "مسرح المدينة". فالصورة التي رسمها لبيروت لم يتوقع أحد أن تكون في مثل هذه القتامة الحالكة. لم يشأ أدونيس أن "ينتقد" بيروت ولا أن يفضح عيوبها أو مثالبها مقدار ما أصرّ على إعلان موتها ليجعل منها جثة قابلة للتشريح. واستحال القلم في يده مبضع جرّاح راح يعمل على تقطيع أوصال المدينة - الجثة. ترى ألم يقل أدونيس بصراحة تامة: "مثل هذا النظام يحكم مدينة ميتة وبشراً موتى وهو نفسه ليس إلا قناعاً من أقنعة الموت".
بعض الحاضرين صفقوا لأدونيس وخصوصاً عندما أطلق بعض الحِكَم، لكن الكثرة بدت مصدومة وشبه واجمة: هل ما سمعته كان "خطاب" أدونيس حقاً، وأي أدونيس: السوري أم اللبناني؟ أدونيس الحداثي أم أدونيس ذو الصوت "المتنبئ" والنبرة المستعلية والموقف الرثائي؟
عندما سئل أدونيس عن قسوة قراءته لظاهرة بيروت قال للفور: تستطيعون أن تردّوا عليّ! بدا مثل هذا الجواب دعوة مفتوحة لإحياء سجال، ربما وجد أدونيس أن وقته حان! والمحاضرة كانت أشبه بـ"اللغم" الذي وصف أدونيس اسمه به عندما قال في إحدى قصائده الشهيرة: "لغم الحضارة هذا هو إسمي"!
لا يمكن اعتبار أدونيس سورياً في محاضرته عن بيروت. بل يُفترض اعتباره لبنانياً لئلا يقع الكلام أولاً في أسر "الشوفينية" التي كانت الثقافة اللبنانية، وما زالت، براء منها، ثمّ لئلا ينزلق الكلام الى متاهة العلاقة بين سورية ولبنان وهي متاهة يصعب الخروج منها. على أن نص أدونيس في ذاته هو نص مواطن لبناني، يدرك تمام الادراك أسرار بيروت أو ألغازها وكذلك خصائصها وخصالها، ويعلم كيف يدخل إليها وكيف يخرج منها. أليس أدونيس ابن بيروت، العائد إليها دوماً، عودة "الابن الضال" الذي كما عبّر سابقاً، لا يستطيع أن يكون لبنانياً ولا يستطيع إلا أن يكون لبنانياً؟ إنه ابن بيروت "الضال" في معنى انه مهما جاب من مدن وأصقاع لن يتمكن من مقاومة الرغبة اللاواعية في العودة الى بيروت! هكذا يمكن فهم العلاقة الملتبسة أبداً التي تربط بين أدونيس وبيروت: علاقة لا تخلو من النزعة الأوديبية عندما تكون بيروت أماً وأباً، وعندما تكون أيضاً المدينة البديل والوطن البديل.
كان لا بدّ من أن ينزعج المثقفون اللبنانيون كثيراً من كلام أدونيس: أولاً لأنه كلام أدونيس، ثانياً لأنه كلام أدونيس اللبناني الهوية. ان اعتبر أدونيس سورياً في كلامه لكان الانزعاج أقل ولكان لغز هذا الموقف السلبي أسهل وأبسط. لماذا رسم أدونيس مثل هذه الصورة القاتمة والسوداء لمدينة لم تكن يوماً إلا ضحية، إما ضحية نفسها وأسئلتها وقضاياها، وإما ضحية الآخر أو ما ترفض بيروت أن تسمّيه "الغريب"؟
هل رحم بيروت منذورة فقط لتلد قايين باستمرار، كما يقول أدونيس؟ ألا تمثل بيروت صورة "هابيل" المقتول؟ بيروت التي حاول الاسرائيليون قتلها عندما اجتاحوها، بيروت التي سقطت عليها قذائف الأعداء والأخوة، بيروت التي حيكت حولها مؤامرة إقليمية - دولية، تورّط فيها أبناؤها أنفسهم في أحيان!
هل حقاً ان بيروت "انطوائية"؟ بيروت التي لا يشعر الغريب فيها أنه غريب، بيروت التي كانت مدينة الفلسطينيين ومدينة كل العرب، جماعات وأفراداً، فئات وأحزاباً، بيروت التي سرعان ما يصبح فيها "الغريب" مواطناً وأخاً وصديقاً...
هل كانت بيروت الستينات والسبعينات مدينة "التوهم" الذي أوصلها الى "التوحش"؟ ألم تكن بيروت مختبراً حقيقياً للثقافة الحديثة والحية وللأفكار الجديدة والتيارات الطليعية؟ لماذا إذاً جذبت بيروت مَن جذبت من كتاب عرب وشعراء وفنانين ومثقفين؟ ألم تكن مدينة أدونيس ومحمود درويش وسعدي يوسف وجبرا ابراهيم جبرا وإحسان عباس ومنى السعودي وعبدالرحمن منيف وغادة السمّان وجماعة "الرصيف" وسائر الشعراء العرب على اختلاف انتماءاتهم؟ ألم تكن مدينة الحداثة بامتياز، حداثة مجلة "شعر" وحداثة "الآداب" وحداثة "مواقف" المجلة التي أصدرها أدونيس في السبعينات؟ ما أصعب أن يصف شاعر "مهيار الدمشقي" بيروت في كونها "مصنعاً للمعرفة التي لا تنتج الا التعثر حيناً والضياع والجهل، أجل الجهل! ما أصعب أن يختصر شاعر "المسرح والمرايا" بيروت في ثلاثة رموز: الكنيسة والجامع والدكان السياسي - الاقتصادي؟ هل بيروت هي هكذا حقاً؟ أليس من علمانيين في بيروت؟ أليس من مثقفين وطنيين يرفضون الطائفية و"المركنتيلية" والانتهازية...؟ أليس من مثقفين يؤمنون بالحوار ويحققونه سواء من خلال المواقف واللقاءات أم من خلال النصوص التي لا تجامل ولا تتحايل؟ هل ما يحصل في بيروت الثقافة والأدب والفن هو مجرد "ضوضاء كلامية"؟ أليست بيروت هي التي كسرت بلاغة "الخطابات" العربية الكبيرة و"فصاحة" الوعظ والارشاد والحكمة؟ أليست بيروت هي التي جعلت القول فعلاً والشعار حقيقة؟
أليست بيروت هي المدينة التي تضمّ ساحاتها وشوارعها - على خلاف الكثير من العواصم العربية - أقل ما يمكن من تماثيل للزعماء والرؤساء ومن صور لهم؟ هل قرأ أدونيس تاريخ بيروت كما يجب ليتصوره تاريخاً "بائساً" كما يقول، أو ليقصره على المراحل القديمة فقط وليربط تراجعه الحضاري بنهوض الأديان التوحيدية؟
هل يمكن استسهال المسألة الطائفية في لبنان وفهمها كما لو أنها مجرّد ظاهرة سياسية ودينية يمكن انهاؤها في تخطّيها أو الحكم عليها؟ ألا تتطلب معالجة المسألة الطائفية دراسة عميقة، ثقافية ودينية، تاريخية واجتماعية، يقوم بها أهل الاختصاص؟ ثم هل بيروت وحدها هي التي تضم أحياء وطوائف وثقافات؟ أليست المدن، كل المدن مجموعات أحياء وثقافات وبيئات وجماعات...؟
قد تحتاج "محاورة" نص أدونيس عن بيروت الى الكثير من الصفحات كونه يحفل بالتفاصيل والملاحظات والأفكار. ولعل ما يلفت فيه، أكثر ما يلفت، انه لم يذكر ولو ظاهرة ايجابية واحدة في بيروت، كأن بيروت غارقة في ظلام سحيق ولا ضوء فيها ولو ضئيلاً، ولا منارة ولو شاحبة! الظاهرة الإيجابية التي لحظها أدونيس هي ظاهرة "شارع المعرض" الذي رمّم أخيراً من غير أن يفقد "ذاكرته" البيروتية. وفات أدونيس أن هذا الشارع الذي كان جزءاً من بيروت الشعبية، أصبح اليوم وجهاً لمدينة أخرى وموقعاً للزائرين والسائحين وشارعاً جميلاً يشعر فيه اللبنانيون أنفسهم أنهم سيّاح عابرون!
يعلم أدونيس أن الصورة القاتمة التي رسمها لبيروت هي الناحية السوداء من وجهها وأن ثمة ناحية أخرى بيضاء ومضيئة. ولكن لا أحد يدري لماذا ازداد أدونيس تشاؤماً هو الذي انقطع عن بيروت فترة طويلة حتى كاد ألا يجد فيها المدينة التي يعرفها! لو عاش أدونيس سنوات "منفاه" في بيروت لكان أدرك أن بيروت هي مدينة حقاً وليست "مجرد اسم تاريخي"! فانقطاعه عن بيروت منذ بداية الحرب - التي يسمّيها أهلية وينزع عنها أي صفة أخرى - جعله غريباً عنها وجعلها غريبة عنه. وهذه الغربة بدورها جعلته يتوهم بيروت مدينة أخرى وجعلته كذلك عاجزاً عن قبولها، هي التي كانت مدينته بامتياز.
ليت أدونيس جعل نصه كله مجموعة أسئلة حول بيروت عوض أن يحوّل أسئلته القليلة التي حملها النص اجوبة ثابتة ملؤها اليقين! لا أدري، لماذا ذكرني نص أدونيس بـ"البئر المهجورة" قصيدة يوسف الخال! خيّل إليّ ان ادونيس اختار تلك "البئر" صورة مجازية لمدينته بيروت! هل حقاً ان بيروت "بئر مهجورة" لا يمر بها أحد ولا يرمي فيها نقطة ماء ولا حتى حجراً؟
انبعاث هجاء الفيديرالية اللبنانية وانتقاله من السياسة الى الجمالية
وضاح شرارة      الحياة     2003/11/8
 أدونيس في ساحة البرج، بيروت 1957.
قبل نصف قرن أراد كمال جنبلاط، الزعيم الدرزي العروبي و"التقدمي الاشتراكي"، إيجاز الكيان اللبناني في معادلة جبرية، فقال انه "فيديرالية طوائف ودكان على البحر". وكنى بالفيديرالية عن الكثرة العصية على الجمع والدمج في دولة مركزية واحدة، وبالدكان عن هوى التجارة والسعي في حوش المال والربح، ولو من طرق غير شريفة تحمل سالكها على إهمال ضوابط العداوة والصداقة والكرامة. وأما البحر، الأبيض المتوسط، فاستعارة لإدارة الظهر الى الداخل، أو "الداخلية" العربية والأهلية القريبة والحميمة، والإقبال على البعيد والغريب، المتربص بأهل الداخلية الشر، والاستظهار به لقاء "مؤازرته على الفوز" (في لغة المدعين العامين التمييزيين والابتدائيين) على الشقيق. والبحر اللبناني يمثِّل على ارادة استئناف الإثم والتاريخ الفينيقيين. وهذان سند هوية كيانية نزعت الى الرجوع عن طي الهوية العروبية وصرمها هوياتٍ سبقت، ورماها طيُّها وصرمها بالفوت والموت والرميم.
وبعد نصف القرن على المعادلة الجنبلاطية - وهي قامت من حركات المعارضة، في أثناء ربع القرن انقضى بين صوغها وبين اندلاع الحروب الملبننة مقام الراية والدليل - يوجز أدونيس الكيان البيروتي، أو "الفضاء البيروتي"، في ائتلاف "مصالح معينة تجارية اقتصادية" و"طائفية اجتماعية". فقامت محل الفيديرالية، وهي أحط الأشكال السياسية مرتبة على مذهب التقدميين والاشتراكيين و"القوميين الاجتماعيين"، "المساحة الفسيفسائية"، على قول المحاضر في "مسرح المدينة". ونازلُ المساحة هذه كنازل "برميل مثقوب". وهو إنما يقيم "عميقاً في الكنيسة وفي الجامع" (وهذه "فيديرالية الطوائف")، من وجه، و"في مكان آخر هو الدكان السياسي الاقتصادي" (وانبعاث اللفظة، الدكان، يغني عن الشرح)، من وجه لا يصح حمله على المباينة. فهو عينه المكان الأول والعميق (أو العمقي، على مثال امبالغة طردية يلهث المحاضر في مسايرة اطرادها أو طرديتها).
وتتردد في جنبات المحاضرة، مثل الصفاعات، ألفاظ "الدكاكين" و"تبادل البضاعة" (على خلاف "التبادل الثقافي العميق" أو "تأمل الأرض والكون")، و"التجارة" (على الضد من "الحضارة") و"الكنيسة والجامع" (على معنى "التقليد والمحاكاة" و"الانقسام" و"انعدام الذاكرة الواحدة")، و"السوق بين الأسواق" (على معنى "العجز والقصور").
ويبعث أدونيس، غير متعمد، الكناية الجنبلاطية الحانقة والمغتاظة من غير بعث غايات كمال جنبلاط ومقاصده العروبية والتقدمية الاشتراكية، أو السياسية المعلنة. فهو ييمم، شطر الحياة والإحياء، والابداع والخصوصية، ومتعة المكان وجسديته، والشعرية والجمالية، والهندسة المدينية الجمالية، والاستراتيجية العمرانية، والجوار الحقيقي، والحوار، والكفاءة والقدرات المعرفية، والزمن الإنساني الخلاق، والنسيج الاجتماعي الواحد، وخدمة الإنسان وراحته فكرياً وجسدياً، والتبادل الثقافي العميق، والقيم المشتركة العامة، والتوازن بين الاجتماعية والفردانية، والجسد المتفجر تطلعاً وشهوة، والطاقات البشرية المتخصصة، والثقافة "بدءاً من ثقافة الحياة الريفية... وصولاً الى المؤسسات والمشروعات الثقافية" (وهذه "تشمل كل ميادين البحث والابداع والتطوير... في أطر عمل تعاوني في مجالات العلم والأدب والفنون... والزراعة الطبيعية والبحوث التربوية وبحوث البيئة والبحوث الصناعية والصناعات المحلية...")، والمجتمع الواحد، والدنيوية، والفيض الخلاق، والأمانة للخريطة البشرية والخريطة الجغرافية، وتوكيد الحرية في الداخل، والحلم. والطريق الى هذا كله، وغيره مثله لا الى غاية على الأرجح، ليس "إلا الحرية".
والحرية هي (مسك) الختام. وكان الابتداء دعوة الى اللهو "مع اللغة" (في بعض معاني لفظة مدينة: المرأة المملوكة، والنسبة منها). وبين اللهو والحرية لائحة الألفاظ وأجزاء الجمل التي مرت. وهذه أعمل فيها المحاضر من التقديم والتأخير (على قول المبرَّد في شعر لم يستسغه) والتفريع والمرادفة والتشابه، فكأنها "لم تضطرب في صدر رجل واحد". فإحصاء المحاضر قريب من الفسيفسائية والمراكمة والأشتات والتقريب والبرميل المثقوب (والمشهدية والضوضاء الكلامية) التي ينعيها على "لا مدينية" بيروت، ويرميها بها.
والإحصاء الأدونيسي يتميز غيظاً وضغينة. فتخرج مواده بعضها على بعض (وهذا معنى التميز). وتتفطر وتتناثر مبادئ أولية في الهندسة وتخطيط المدن والجماليات والاجتماعيات والسياسيات والحكميات. فتأخذ من كل "علم" مستطرف بنقول مستظرفة ترشد القارئ (أو المستمع) الى أحكام عمل جامعة ومانعة. ففيها الجمال على وجه الأخلاق، وفيها الاجتماع على وجه السياسة، والتاريخ على وجه الإبداع والتجدد، والكثرة على وجه الواحد، واللهو على وجه التأمل والفلسفة. ودمج هذه الوجوه (أو الصّيغ) بعضها في بعض، ولو اقتصر الدمج على لغو الكلام ونثره (وشعره؟)، هو مورد الطوبى الأدونيسية، وعليه مبناها، منذ تصدي الشاعر الفتي لبنوة الحياة، والتنبؤ باسمها على خطى أحد أبنائها المصطفين.
وينزل ركام المواد والأحكام، على رغم تشعثه وتكشكله، على مبنى بسيط يحدس القارئ فيه إذا أصاخ السمع ولم ينفر من خبط العشواء الابتدائي الذي يجري القول عليه ويتداعى. فما لا يطيقه المحاضر من بيروت، وفيها، هو إبرازها من غير حياء ولا ستر أضداد الهندسة والرؤية والاستراتيجية والمخطط العام والشامل، والتأليف والتكامل والنسيج الواحد و"الدولة". وليس هجاء صور المنازعة المتفرقة، وحملها على حد واحد متعسف، إلا العبارة المضّغنة والمريرة عن انحراف الكيان البيروتي، ومن ورائه الكيان اللبناني، عن السوية الواحدة.
وتبعث الرغبة في الهندسة (ويفهمها صاحبنا زوايا قائمة وخطوطاً مستقيمة) الرجل على مديح مدينة اوغسطينوس. ويسهو عن أن "الإحياء" الذي تنهض عليه، على زعمه، مدينة الآخرة الأوغسطينية هو اللبنة الأولى في دول الفضائل الآتية والصارمة الهندسية - إذا أغفلنا مثالها الأفلاطوني الجمهوري وطبقاته المرتبة على ترتيب هرمي يتربع في رأسه "التقليد الفلسفي القديم" و"مثاله الأكثر كمالاً للفكر النظري (المتأمل) الأرض والكون" -. فيجمع داعية "الدنيوية"، ومشترطها صنواً "للسوية" (وهذه لغة طبابة معيارية)، بين أهواء الأرض الجسدية وبين الشوق الى "واحد". ويغفل الداعية عن مجيء "واحده" أو قدومه على صهوة محاكم تفتيش أو حزب نهضة وإحياء وبعث لا راد لسلطانه القاتل والمميت.
فلا غرو إذا اختصر أدونيس ("بدوي الساحل"؟ على مثال "بدوي الجبل"، مواطنه الأول، وعلى خلافه في آن؟) بيروت ولبنان، الكيان، في التنابذ والتفرق، ونفى عنه صور الترابط والجدل كلها (وكلامه على أحياء السكن المتباعدة ينم جهلاً لا يقارن إلا بإعجابه بشارع المعرض، عرضاً وعمقاَ). وذلك شأن كمال جنبلاط، مصدر "الوطنية" العروبية المسلحة في لبنان، ورائد جبهتها وأحزابها وشخصياتها الى الحروب الملبننة - وهذه لا يزال الشاعر "السوري - اللبناني" يحسبها حرباً واحدة وأهلية. وشأن دعاة "التماسك" الخالف على "المَسْك"، على اختلاف مشاربهم وأطوارهم وأعمارهم.
فالفيديرالية الكيانية والكينونية هي العيب الذي لا صفح عنه ولا مغفرة. وعليها يضع الهجاؤون، و"القوميون - الاجتماعيون" في صدارتهم، أهاجيهم ومثالبهم. فهي تحول بين المستولين وبين الاستيلاء على "دولة" يوحدها سلطان مطاع. وهي تضعف الاستيلاء إذا حصل، وتجعل منه مهمة سيزيفية، على قول مجايلي أدونيس قبل نصف قرن. ولذا فهي ذريعتهم الى تكملة لبنان واستتمامه (وهو "الوطن الناقص" بحسب أحد مريدي أدونيس السابقين) بسلطان "دولة" واحد، أو بحركة "تحرر" تمثل على الجلجلة والصلب والقيامة (الأوغسطينية والسيرية، من ميشال سير) جميعاً. وفي الحالين، "الدولة" والحركة، ينبغي استيراد التماسك من الخارج. ولو أبطن التماسك الظاهر والمزعوم عنفاً يتصاغر العنف اللبناني بإزائه ويتضـاءل، بشهـادة حـوادث مشهورة.
ولا ريب في ان المداواة بالخارج تترتب اضطراراً على "لا مجتمع" و"لا دولة" قوامها "متحدات" (وهي من مصطلح أبناء الحياة) لا داخل لها، وسعي في التجارة والمال النجسين. فوراء قناع الحياة والحرية والابداع، وهي غايات المحاضر المعلنة، تشخص قسمات وجه سياسي حديدي، اختبر اللبنانيون طويلاً ثمار السعي فيه والحج اليه، ولا تزال آثارهما دامية في اجسادهم واجتماعهم ودولتهم. ولكن هذا، وهو من حشو تاريخ واجتماع يجريان بين (الحياة و) بين (الموت)، لا يستوقف من يصرخ ضغينته، فينسب الى بيروت قولها: "اذهب، انطفئ، مت لكي أحل محلك في السياسة، في الدين، في المال، في الفن والشعر والأدب". فيجهر غير متعمد "متعة" الامتثال لمتربع في سدة السلطان ثلث قرن، أو "الى الأبد"، يتولى الهندسة والاستراتيجية والتكامل، والناس في سباتهم يغطون ولا يتقاتلون.
* كاتب لبناني.
تاريخ بيروت غير تاريخ شاعر "مهيار الدمشقي"!
محمود حداد      الحياة     2003/11/8
"... سأجرؤ على التصريح بأن هاجس الابداع الحضاري بدأ يختفي في بيروت، أو يتراجع، منذ ظهور الاديان الوحدانية. ويؤكد لنا التاريخ ان بيروت لم تنتج، في ظل الوحدانية، ما يضاهي انتاجها في المراحل التي سبقت هذه الوحدانية - لا في التشريع، ولا في الفلسفة، ولا في الفن، بمختلف تجلياته".
هذه الكلمات مأخوذة من محاضرة الشاعر أدونيس عن بيروت تحت عنوان "بيروت اليوم، أهي مدينة حقاً ام انها مجرد اسم تاريخي؟". وتبدو كلمات أدونيس شبيهة بكلمات المؤرخ الانكليزي ادوارد غيبون الذي عاش في منتصف ونهاية القرن الثامن عشر وكتب كتابه الشهير "سقوط الامبراطورية الرومانية". وفيه ارجع ذلك السقوط الى بروز المسيحية كديانة توحيدية تبناها الرومان بعد ان حاربوها فترة من الوقت.
ومع ان التاريخ لم يقطع بصحة رأي غيبون، المؤرخ، فهو من باب اولى، لن يقطع برأي الشاعر أدونيس وان كان هذا الاخير استخدم التاريخ متكأً قاطعاً لرأيه. ولعلنا نجد الجواب الشافي في رأي مؤرخ لبناني معروف هو المرحوم الدكتور نبيه أمين فارس. فاذا كان ادونيس يتحدث بشغف عن بيروت ما قبل الوحدانية، مسيحية كانت ام اسلامية، فلا شك في ان تلك المرحلة تضم التاريخ الفينيقي واليوناني والروماني.
ولا يذكر الدكتور فارس بيروت من ضمن المدن الفينيقية التي انتشرت فيها حضارة تلك المرحلة. والاغلب ان جبيل وصور كانتا اكثر اهمية من بيروت آنذاك.
اما في العهد اليوناني فكانت "مقاومة صور لجيوش الاسكندر آخر انتفاضة للروح الوطنية الفينيقية. فقد انهارت الحياة القديمة انهياراً ما بعده قيام. ولم يتح للروح القديمة ابداً ان تبعث من جديد". وما لبث خلفاء الاسكندر ان اشتبكوا في صراع مرير للسيطرة على الامبراطورية الواسعة. وعلى رغم ان الفريقين المتخاصمين انصرفا الى تأسيس مدن يونانية، السلوقيون الى الشمال من لبنان والبطالسة الى الجنوب منه، فإن الاسكندرية وحدها اصابت شهرة عالمية بفضل مكتبتها ومتحفها.
اما حين ضم الرومان سورية الجغرافية بكاملها الى امبراطوريتهم عام 64 قبل الميلاد، فكانت الفوضى ضاربة اطنابها بسبب ما لحق بالبلاد في اواخر حكم السلوقيين. ولما عاد النظام الى نصابه تدريجاً وساده الطابع الروماني، اخذت المعارف تتقلص وتحل محلها غايات نفعية". "وسرعان ما اصبح العصر عصر تطبيق عملي بدلاً من ان يكون عصر ابتكار علمي". وهكذا برعت سورية الرومانية برمتها في مجالات التسلية لا في مجالات العمل الفكري والابداع! وهكذا، اشتهرت مدينة بيروت بممثيلها ومدينة صور بالألعاب البهلوانية ومدينة بعلبك بعازفي الناي. الا انه لا بد من الاعتراف بأن بيروت تميزت عن غيرها وقتها بأنها كانت مركزاً لأشهر معهد للقانون الروماني. ولكن على رغم منزلة هذا المعهد، فإنه لم يكن بيروتياً او لبنانياً، بل "مؤسسة اجنبية - معهداً رومانياً وأساتذة "متهلننين" يعلمون تلامذة لغاتهم أُسس القانون الروماني" الذي لا نحسب انه كان مرآة للابداع الحضاري كما يفهمه أدونيس!
* أستاذ في جامعة البلمند