عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
لو قرأت وصفه لمحة من طفولته حين يعتلي ظهر بَغلٍ ، ويُمسِك شقيقه محجوب بخاصرته رديفاً عند غدُوهما والرواح إلى المدرسة الأولية من قريتهما (سرة شرق) في شمال السودان القصي ، لعلمت كيف تستنبِت البوادي والأرياف عندنا من نُطفة تكورت في رحم أنثى ، حين تنمو وتُفرد لنا من بعد شجرة باذخة الظلال . حُلو ثمرها ، تتخطى أقواس العُمر برشاقة عبقرية أديب يكتُب بإزميل نحّات و يرسم لُغة مُتجددة الإبداع  و مُتفردة  الهوى . لن نُغالي أبدا إن حسبنا قلمه مدرسة في ترفيع العربية وتغذية شرايينها من الآداب المُعاصرة .
اقرأ معي كيف استفتح مقالة له دعاها (مشاهد من هارفارد) حين استكتبه الأديب الراحل        (علي المك) لمجلة الدوحة القطرية في السبعينات عندما كان مراسلا من الخرطوم :
1ـ { في الشقة رقم 34 من الطابق الثالث والأخير من عمارة تُمسِك باثنتين أخريين عن يمين ويَسار . تُطل كلها على بستانها الخاص وأشجارها الطوال حولها ، قضيت فترتي الدراسية في هارفارد بدءاً بأول الشتاء ختماً بأوائل الصيف ...}
 حين يُمسِك الأديب الراحل بيدك ويُدخلك مسكنه كضيف وقارئ ، تتخطى معه العتبات . يُلبِسكَ جُلبابه وتتجول أنت معه كأنك سيد الدار  ، بضَمير لُغة يتغمص فيها القارئ روحه كرفيق عُمر ! .
كرمٌ لُغوي لا تُدانيه ضيافة ، حين يكتب : ـ
2ـ { تدخُل تجِدَكَ توّاً فيه . قُبالَتك خِزانة المعاطِف ، للبرد وللحر ، ومشاجِب للطواقي صُنِعت لتحمي الرأس والأذنين ، وقُبعات خفيف بعضها للرذاذ ثقيل بعضها لحمأة الشمس ، ...وفراغاً لغير هذه من واقيات الحر والبرد ، .. خزانة الصيف والشتاء هذه داخل الحائط في الصالون ، حيث مجلِس أضيافك ومجلسك . خطوات قليلة عبر هذا الصالون يسار مدخلك فتحة لدهليز عرضه متر طوله أمتار معدودة }
أو حين يكتُب :
3ـ { ..خطوات من بعد قبالتكَ ، باب آخر يقود لمطبخك أعدّ ليخدُم من يخدُم نفسه.. على اليسار فتحة أخرى كفتحة المدخل على دهليز تقود للمكتبة ، أفسح غرف البيت ، اقتعدت فيها طاولة الكتابة والقراءة مكاناً وسطاً ...}
أو حين يكتب :
4ـ { إن اضطررت ليوم تقضيه داخل البيت لن توحَش . النافذتان على يسارك عيناك لهذه الرئة الخضراء للطوابق الثلاث هُنا وأخواتها هناك عبر الطريق . تخضر الأشجار ويخضر العُشب في الربيع ، وتُزهر الشجيرات فتؤنس ، أول الصيف يذوي الورق تسمعه يتساقط ..}
5ـ أو حين يكتُب :
{ في الذي رأيت حولي من كُتب ومن متاع . هذه فئة من الناس كبُرت على الطموح نفسه ، سكونها كان داخلها عُلواً على صخب حروب المذهب والسلطان ، يستحيل لغير كبير على السلطان والجاه والمال والرفاه ، أن يغني كما فعل ( أوفيد ) في أيكولوجي أغانيه التي جمعها عشاق الحياة ، ما كان يدرِك وهو يُغني بأنّا نهتز لها نحن اليوم ألفا سنة من بعد ،..}
تتمهل أنتَ حين تقرأ للأديب (جمال محمد أحمد ) ، تحس ألفة ومحبة تشعّ من أحرُفه التي بها يكتُب . يتخطى التُراث في الكتابة العربية بخطو العارِف ، الناهِل من حلاوة الإيجاز البليغ والسينمائية التي تأتيك بالدهشة من حيث تدري و لا تدري . تتلمس حليات القص وفخامته وأنت تقرأ . يتبدى لك الدفين الذي هضَمته ثقافته الباذخة ، واطلاعه العميق على آداب الدُنيا . يُزاوج فيها حُراً كما يشاء ، خاتماً  لنا بَصمَته عند كل مُنعطف برقة وسلاسة  . عسير على من  أراد تقليده أن يمتطي فرساً لُغوياً نافراً ،وهو عند صاحبه الخلُوق رفيق درب لا مُستعبداً يُركَبُ ظهره ! .
ساقتني قدماي ذات صُدفة مطلع الثمانينات . حضرت لزيارة بعض الصحاب الدارسين بمعهد الدراسات الأفريقية والأسيوية بجامعة الخرطوم . تحت ظل شجرة في فُسحة مُمكنة جلست في مقعد مع آخرين  جواري في الهواء الطلق . كُنا بضعاً وعشرين فردا لسماع مُحاضرة يُلقيها هو علينا عن القرار ( 242 ) الذي أصدره مجلس الأمن قبيل وقف إطلاق النار أيام حرب السادس من يونيو 1967م .
جلست مستَمِعاً  تُدهشني اللغة والبلاغة والمنطق والتحليل والدقة والسرد الباهر . ينهمر سلسبيل المعرفة بمائه الثقيل من أثر الموسوعة الثقافية والأدبية والسياسية المٌترَفة لسيدنا . تسمع حفيف حركات الأغصان بأوراقها مع الريح كموسيقى تُصور لك الأحداث الجِسام التي تخطت العقلية الدُبلوماسية العربية ، وهي تُقبِل على موافقتها لنص تلك الوثيقة الماكرة . تبدو النصوص كجرَّة تنضح ندىً يحسبها الظمآن مورداً يُطفئ عطشه .. ولكن !؟
    لا أعرف كيف أصف لكم مشهداً لن يُنسى من صفحة العُمر كأن بيني وبينه يوم وليلة ! . صوت الأديب ( جمال ) يُبعثر اللُغة بين كنوزها الأدبية و خطوط القانون الصارمة التي خطتها أصابع ماهرة من الطرف الأقوى ، وغفلة تاريخية من الطرف الغض من المُعادلة المُجحِفة ،لم تزل تأخذ بدُنيا المُستضعفين حيثما  حلُّوا ! .
أفقت من الذهول عند الخاتِمة  وأسئلة الحضور تتقاطر ، فأعماق الردود وخُلق سيدنا ، وتواضعه الجّم حين يُمسك بطِفل السؤال و براءته ، ليُجلسه معه في مقعد الدبلوماسية الفخيم . تجد نفسكَ أمام خيارات أمة وقفت عارية و تداعت مصائرها في جملة لُغوية ،  ارتضاها من لا يُدرك أبعادها أو أجبرته حوامض الدهر  أن يرضى  ، فأضحت نصاً يشخص له طلاب الدبلوماسية في كل زمان عند مفاصل التَعلُم : كيف تُفسِح للنص أن يُرضي المُتنازعَين ، كل يُفسِر وفق هواه ، ويُفلِت المُحتل من سيف العدل !.
لن تفِ الأديب الدُبلوماسي الراحل (جمال محمد أحمد ) صفحة مقال أو نثر كتاب ، فالسماوات تضيق على سعتها بالحديث عن سيرة ذاك الطود الشامِخ الذي سرقته منّا دُنيا الثمانينات من القرن الماضي . أسفاره الروائية و دراساته في الأدب الأفريقي وأسفاره المكتوبة والمُمارسة في الدبلوماسية  و الترجمة والتدريس الجامعي ، أو حين الجلوس لمآدب التفاوض المُضني أو من وراء كواليس صياغة وثائق المُنظمات الإقليمية ، عندما كان أصحاب القرار من وراء قيادات الأمم الأفريقية والعربية  الناهضة من أطواق الاستعمار القديم لا تُميِّز الأثداء التي تأخذ منها وجبات حليب التغذية ! .
لم يزل الوطن يتسربل بالخسائر الفادحة ، إلا إن الأعمار ومصائر الأجساد لها السُقوف ، وهي سُنة الحياة . لم يتركنا الراحل فقراء على أبواب التسول  ، بل ترك لنا الثراء المكتُوب .
 رحمه المولى ورَطب مرقده وأفسح له في أفنان الرياض الموعودة .
سنكتُب عنه حين تأذن سانِحة أخرى .
عبد الله الشقليني
23/02/2006 م