مقدمة
تأتي هذه الرسالة المقتضبة في هذا المنعطف التاريخي الذي يمر به السودان..الذي بات ممتحناً في وجوده.
وهي تسجيل لموقفنا البيّن حول هذا الجريمة التاريخية التي تقترف بحق السودان، والإسلام والمسلمين.. حين يتم التفريط في أرض من أراضي المسلمين، وثغر من ثغور الإسلام، بكل سهولة ويسر، وتسليمه للكافرين، ليصبح شوكة في خاصرة الأمة، منفذا ينفذ منه أعداء الله تعالى، لتمزيق المسلمين، وإذهاب ريحهم.
ونحن إذ نخرج بهذه الوثيقة وقد تبقى للاستفتاء المشؤوم أيام معدودات، لسنا ننادي بعد ذهاب القافلة..ولكنه مواصلة للنداءات التي ظلننا نطلقها دوماً، المرة تلو المرة.
والإخوان المسلمون ـ الإصلاح حينما يصدرون هذا الكتيب فذلك  لأنهم أرادوا أن يعذروا إلى ربههم  ولعل الله يُيسر صحوة توقف تلك الكارثة قبل وقوعها.

بين يدي التاريخ
يشكل استفتاء تقرير المصير لجنوب السودان الذي يفترض إجراؤه في التاسع من يناير المقبل - وفقاً لاتفاقية نيفاشا2005م- حدثاً مفصلياً يتحدد على أساسه مصير السودان، جغرافياً وسياسياً، وأمنياً..
ومن الغريب جداً أن يجري اتخاذ القرار في  إجراءٍ بهذه الخطورة، بمنأى عن شعب السودان، ممثلاً في زعمائه، وأهل العلم، والرأي والمنعة فيه..بل بواسطة المجموعة التي تتولى السلطة في السودان، ومجموعة المتمردين الجنوبيين.
إن الإقرار بإمكانية انفصال جنوب السودان، عن باقي الوطن، وجعل ذلك بيد أهل الجنوب وحدهم، هو إقرار بتلك الدعاوى التي ظل المتمردون يرفعونها دوماً، من أن "الجنوب مستعمر من قبل الشمال"!!..
ولما كان الاستفتاء الذي سيحدد شكل السودان وخارطته، هو محطة تاريخية حاسمة، كان لابد من تجلية بعض الحقائق الشرعية والمنطقية، شهادة لله، وللحق والتاريخ.
وهذه الحقائق هي:
أولاً: أرض الجنوب جزء من العالم الإسلامي لايجوز التفريط فيها:
في البدء لابد لنا أن نقرر أن جنوب السودان هو أرض إسلامية، فتحها المسلمون واتبعوها لحكمهم، وكوّنت مع غيرها من أجزاء السودان المختلفة، هذا القطر الإسلامي، بحدوده الجغرافية المعروفة..
وقد كان السودان مشيخات وممالك وسلطنات متفرقة، حتى جاء الفتح التركي المصري في العقود الأولى من القرن التاسع عشر، وجمعها معاً – ومن ضمنها الجنوب- وأطلق عليها السودان، لتصبح جزءاً لا يتجزأ من الأراضي التابعة للخلافة الإسلامية العثمانية في استنبول.
بل إن الجنوب قد سبق - في انتمائه للسودان- بعض الأقاليم التي لايشك أحد في انتمائها الآن، مثل إقليم دارفور، الذي لم يتبع للسودان إلا في العام 1874م على يد الزبير باشا.
وإبان الثورة المهدية شاركت القبائل الجنوبية في ثورة المهدي، وبايعته ودخلت في طاعته، وأصبحت جزءاً من الدولة الإسلامية التي أقامها المهدي في السودان.  
وعلى هذا فالجنوب جزء لا يتجزأ من العالم الإسلامي، وهو أرض إسلامية وقفية، ولا يملك أحد شرعاً حق التنازل عن أرض إسلامية وقفية، كما قال الإمام المقدسي في العُدَّة ((وما وقفه الأئمة من ذلك لم يجز تغييره ولا بيعه.)) ولا تملك سلطة في الأرض نزع سيادة المسلمين عنها ومنحها لغير المسلمين.

ولكي نجلّي هذه الحقيقة يجدر بنا أن نتتبع تاريخ الإسلام في السودان:

دخول الفتح الإسلامي السودان:
دخل الفتح الإسلامي السوداني في عهد الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، عندما أرسل عامله على مصر عبد الله بن أبي السرح حملة إلى بلاد النوبة جنوب مصر، وكان ذلك بسبب الهجمات المتكررة للنوبة على حدود مصر الجنوبية. ولما كان الغرض الأساسي من حملة عبد الله بن أبي السرح، هو تأديب النوبة وتأمين حدود مصر، فقد اكتفى باجتياح عاصمتهم دنقلا العجوز وهدم كنيستها، وبناء مسجد للمسلمين هناك، وتوقيع معاهدة البقط، التي ضمنت خضوع النوبة وولاءهم للدولة الإسلامية.
ونتيجة لعهد البقط الذي استمر لستة قرون ينظم العلاقة بين المسلمين والنوبة، توغل التجار المسلمون في بلاد النوبة حاملين معهم الإسلام..كما ساهمت الاضطرابات السياسية في الدولة العباسية في هجرة العرب إلى السودان في شكل مجموعات، خاصة عندما أصدر الخليفة المعتصم العباسي قراراً بوقف عطاء المقاتلين العرب وإبعادهم عن الجندية، فوفدت القبائل العربية إلى السودان، وأنشأت الإمارات الإسلامية مثل إمارة عبد الحميد بن عبد الله العمري في القرن التاسع الميلادي في الصحراء الشرقية.  
ولكن تلك الهجرات بلغت ذروتها في القرن الثالث عشر الميلادي إبان العهد المملوكي بسبب تفاقم الصراع بين العرب والمماليك، حيث توافد العرب في أفواج كبيرة، فأضعفوا الكيان السياسي لدولتي النوبة المسيحيتين، حتى آل إليهم السلطان فيهما.
وكان هناك وافد عربي آخر أتي من الغرب انحداراً من شمال إفريقيا عبر دول غرب إفريقيا، حتى بلغ دارفور وكردفان.

الفونج:
كانت آخر كيانات النوبة السياسية التي أسقطها العرب هي دولة علوة التي حكمت وسط السودان.. فقد تحالفت القبائل العربية تحت راية شيخ عرب القواسمة عبد الله جماع في بداية القرن السادس عشر الميلادي، فأسقطوا دولة النوبة وخربوا عاصمتها سوبا وأقاموا كيانهم السياسي، الذي توحد مع أمة الفونج القادمة من أعالي النيل الأزرق ليشكلوا معاً مملكة الفونج، أو ما عُرف بالسلطنة الزرقاء .
كما عرف الجنوب الإسلام مبكراً أيضاً على يد العرب المسيرية الرعاة الذين وصلوا بماشيتهم في القرن السابع عشر إلى المناطق الحالية التي يظعنون إليها في فصل الشتاء، عند منطقة أبيي وبحر العرب، وذلك قبل وصول الدينكا إلى تلك المناطق.

الجنوب في عهد التركية السابقة:
في العام 1821 غزا حاكم مصر محمد علي باشا السودان، وكان محمد علي باشا رغم اسبتداده بأمر مصر، إلا أنه كان يحكم باسم السلطان العثماني في الأستانة، الذي كان يمثل خليفة المسلمين أنذاك.
بعد أن سقطت الممالك في شمال السودان في يد الأتراك، أرسل محمد علي باشا حملة لاستكشاف منابع النيل، بقيادة البكباشي القبطان سليم، الذي وصل حتى "غندكرو" وهي جزيرة  في النيل، تقع ناحية الجنوب الشرقي من مدينة جوبا، عاصمة الجنوب السوداني اليوم، ومن خلال القبطان سليم وجنوده، تعرّفت الشعوب التي كانت تقطن بالقرب من غندكرو على الإسلام، واعتنقه بعضهم.  
ولما كانت السيطرة على منابع النيل أحد أهم أهداف محمد علي باشا من غزو السودان، ولهذا كان حريصاً على مد نفوذه إلى هذه المناطق، وتواصلت تلك الجهود في عهود الخديويين من بعده، فتتابعت البعثات الاستكشافية، حتى وصلت ما يعرف بمديرية الاستوائية، وتبعتها للسودان، وكانت حدود هذه المديرية تمتد حتى بحيرة فكتوريا، داخل ما يعرف اليوم بيوغندا.

دولة الزبير باشا:
وفي عهد الحكم التركي المصري أقام الزبير ود رحمة دولة إسلامية في بحر الغزال، واعترفت به الحكومة التركية، وعينته والياً على بحر الغزال، وهو الذي أخضع دارفور للنفوذ التركي المصري، وأصبح والياً على بحر الغزال ودارفور معاً.

في عهد المهدية:
ورثت المهدية الجنوب السودان من الحكومة التركية، وأدخلته ضمن نظامها الإداري، كانت دولة قامت على أساس الإسلام، وتحكيم شريعته، وقد امتدت حدودها الجنوبية حتى "جبل الرجاف" الذي يقع إلى الجنوب الشرقي من مدينة جوبا.  
خلاصة القول إن الجنوب قد تم إخضاعه لحكم المسلمين خلال العهود المختلفة التي تعاقبت على السودان، منذ الأتراك، وحتى الدولة المهدية..وسقط ضمن السودان في يد المحتل الإنجليزي، ثم تم تحريره مع بقية أجزاء الوطن، عشية الاستقلال.
وهذا فتح صحيح، يصبح به المصر مصراً إسلامياً، فهو ملك لكل المسلمين، ولا يجوز لأحد التفريط فيه، أو التنازل عنه، باستفتاء أو غيره..لأن في ذلك خيانة لله ورسوله، وللمؤمنين.

العلاقة بين الشمال والجنوب

أحدى المبررات التي تساق لتسويغ فصل الجنوب عن الشمال، أن العلاقة بين الشمال والجنوب لم تكن على وفاق، دائماً، وإنما هي تاريخ من الحروب الطويلة، ولهذا الأجدر أن يتوقف شلال الدم، بأن ينفصل الجنوب.
والحق أن الأصل في العلاقة بين شمال السودان وجنوبه،لم تكن على الدوام علاقة حرب، بل كان علاقة تعايش وتعامل في غالبها، لأكثر من خمسة قرون..بينما الحرب الأخيرة طارئة، وتاريخها لا يتجاوز 50 عاماً..صحيح أنه كانت تنشب حروب في بعض فترات التاريخ، كالحرب بين الشلك والفونج، أو بين القبائل العربية والقبائل الجنوبية، إلا أن ذلك لم يكن أمراً شاذاً عما كان يحدث في بقية السودان بين المشيخات والممالك، وبين القبائل، بل حتى بين القبائل الجنوبية نفسها!!..ولم يكن يشكل ظاهرة تسم العلاقة بين الشمال والجنوب بالعدوان..

وما أكثر الشواهد على طيب العلاقة في التاريخ:
ففي عهد التركية السابقة أقام الزبير ود رحمة، دولة إسلامية في عمق الجنوب، تحكم بشريعة الله تعالى، وأسس من الجنوبيين جيشاً قوياً، أسماه "البازنقر"، استطاع أن يفتح به البلاد، حتى اعترفت به الحكومة التركية، وأقرته حاكماً على بحر الغزال، ثم انطلق فمد سلطانها إلى دارفور، وأخضع سلطنة الفور للمرة الأولى لدولة التركية في العام 1874م.
وعندما قامت الثورة المهدية وأسقطت حكم الأتراك، امتدت حدودها حتى جبل الرجاف، ودخل الجنوب في طاعتها بغير نزاع. بل إن القبائل الجنوبية مثل الدينكا والنوير والشلك شاركت في الثورة المهدية تحت إمرة الأمير كرم الله كركساوي (الدنقلاوي)، وإخوانه الأميرين محمد وسليمان.
وفي تاريخ المسيرية القديم في منطقة أبيي، نجد أنهم هم الذين استضافوا "دينكا نقوك" الذين انحدروا إلى أبيي، مطرودين أهليهم الدينكا بسبب حروبات متتالية، ولم يجدوا من يقبلهم ويستضيفهم سلماً ٍإلا المسيرية العرب، في أبيي..واستمرت العلاقة حميمة، حتى أنه عندما جاء المستعمر الإنجليزي، وأراد أن يقسم السودان إلى مديريات، رفض الدينكا والمسيرية معاً اتباع أبيي لبحر الغزال، وأصروا على اتباعها إدارياً لجنوب كردفان..كان ذلك في عهد ناظر الدينكا "دينق مجوك"، وناظر المسيرية "بابو نمر"!!..
هذا إلى جانب العادات والتقاليد والثقافة، فقد سادت اللغة العربية في الجنوب حتى أصبحت لغة التخاطب بين القبائل المختلفة..كما لبس الجنوبيون الأزياء العربية، وتسموا بالأسماء العربية..
وقد حاولت الإدارة البريطانية أثناء فترة الحكم الثنائي للسودان (1898 ـ 1956م) عزل جنوب السودان عن شماله لأهداف استعمارية وتنصيرية، فسنّت قانون المناطق المقفولة الذي منعت بموجبه الشماليين من الانتقال إلى الجنوب أو العمل فيه إلا بترخيص خاص، ومنعت الجنوبيين من التسمي بالأسماء الإسلامية، أو لبس الثياب العربية، وأطلقت يد المؤسسات الكنسية والتنصيرية لتتولي تعليم وتنصير الجنوبيين مما أوجد نخبة جنوبية مرتبطة ثقافيا ودينيا بالاستعمار البريطاني، لكن بالرغم من ذلك ظل المسلمون يفوق تعدادهم عدد النصارى في الجنوب مع بقاء الأغلبية من الوثنيين.
رغم هذه السياسات إلا أن الجنوبيين اختاروا في مؤتمر جوبا 1947م  الوقوف مع وحدة السودان، وصوتوا لاحقا في عام 1955م من داخل البرلمان مع الشماليين لصالح استقلال السودان.

الاستعمار..وصناعة الكراهية:
لم يكن هناك عداء بين الشماليين والجنوبيين، إلا أن السياسية البريطانية أوجدت نوعا من التباين المصنوع والمرعي استعماريا في مسألتي اللغة والدين، وإن كان هذا التأثير قد طال النخب الجنوبية فقط دون العامة، إلا أنه كان الأساس الذي أسهم في تغذية مشكلة الجنوب لاحقا، وقد فطن لذلك مبكرا مؤتمر الخريجين الذي طالب منذ أربعينيات القرن الماضي ـ قبل خروج الاحتلال ـ بتوحيد التعليم في الشمال والجنوب باعتماد اللغة العربية لغة قومية للتعليم، ولاحقا خطا الفريق عبود (1958 ـ 1964م) خطوات عملية بفرض اللغة العربية في التعليم بالجنوب، وطرد القساوسة الأجانب لدورهم السالب في تأجيج مشكلة الجنوب، وتمت سودنة وظائف الكنيسة.
وخلال  تجدد الحرب منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى مطالع القرن الحالي؛ ظل الجنوبيون ينزحون نحو الشمال بأعداد تفوق نزوحهم إلى دول الجوار الإفريقي بأعداد كبيرة، وفي هذا ـ إضافة لما سبق ـ دلالة  على أن الشمال والجنوب لم يكن بينهما عداء على أساس عرقي أو طائفي أبدا.

الموقف من الاستفتاء

لقد كان موقف الإخوان المسلمين من قضية تقرير المصير موقفاً مبدئياً، يقوم على رفض الفكرة ابتداءاً، ورفض الأساس الذي انطلقت منه، وهو اتفاقية نيفاشا!!..
ولقد عبّرنا عن موقفنا هذا منذ اليوم الأول الذي وقعت فيه الاتفاقية، وأعلناها مراراً، عبر الندوات والتصريحات، والبيانات، والاصدارات الإعلامية..
كما قمنا بجهد علمي في وضع نواب الشعب أمام مسؤولياتهم التاريخية في رفض تلك الاتفاقية التآمرية، وذلك عشية طرحها للإجازة في البرلمان، فلقد قامت قيادات الجماعة بإيداع مذكرة ضافية حول مزالق الاتفاقية وتصادمها أصل الدين الحنيف، لدى المجلس الوطني، وواجهت في سبيل ذلك ما واجهت من اعتقال بواسطة رجال الأمن، واستجواب وتحقيق، محتسبة ذلك في سبيل الله عزّ وجل، إحقاقاً للحق، وإنكاراً للمنكر الأعظم.
إن الإخوان المسلمون يرفضون استفتاء تقرير مصير  جنوب السودان استناداً إلى الشريعة، من حيث الشكل والمضمون، ومآلات الواقع.
أولاً: هو مرفوض من حيث الشكل لأن الأصل في الإسلام أنه لا يعرف استفتاء العامة، إلا استئناساً، بعد أخذ رأي أهل الحل والعقد، من أهل العلم والشورى والرأي، يقلّبون الأمر على وجوه المصالح والمفاسد، ثم يفتون فيه بما يجلب للأمة أعظم المصالح، ويدرأ عنها أسوأ المفاسد..ولا مانع بعد ذلك من الاستئناس بآراء العامة، لترجيح أحد أوجه الرأي، كما فعل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه في تولية عثمان رضي الله الخلافة بعد عمر رضي عنه وعن الصحابة أجمعين.
ثانياً: وهو من مرفوض من حيث المضمون لأن موضوعه الاستفتاء على التفريط في أرض من أراضي الإسلام، وتسليمها للكافرين، وهو أمر مقطوع بعدم جوازه كما أسلفنا في بداية الورقة.
ثالثاً: مرفوض من حيث الواقع ومآلاته: لأن هذا المشروع تقوده قوى معادية للإسلام وتسعى بذلك لحصار المسلمين وإبعاد الإسلام، وهو مخطط يشمل السودان كله، ويؤدي إلى تمزيقه وإذهاب ريحه..
وهذا أمر لم يعد خافياً على أحد، فمعلوم أن القوى التي وقفت خلف تمرد الجنوب ودعمته بالمال والسلاح، طوال عقود الحرب، هي نفسها التي رعت اتفاقية نيفاشا- التي جاءت لأول مرة في تاريخ الحرب الأهلية في السودان بمبدأ تقرير المصير للجنوبيين- وهي التي تولت مراقبة تنفيذها، ودفعت بعشرة آلاف جندي أممي لحمايتها..وما زالت تضغط في اتجاه إضعاف الشمال السوداني لصالح الجنوب الذي حكَّمت فيه ثلة من المتمردين.
وتقريراً لمآلات هذا الواقع، نود أن نشير إلى جملة من المفاسد التي ينطوي عليها انفصال الجنوب عن السودان، هي:
 (1)    فقدان أرضٍ إسلامية ونزع سيادة المسلمين منها.
(2)    إضعاف مسلمي الجنوب وتوقف نموهم الذي تزايد بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة، حتى بلغ في بعض الإحصاءات 25% من السكان،  وإن كان بعض القياديين الإسلاميين الجنوبيين يشيرون إلى أن نسبة المسلمين في الجنوب تقترب من 35% من جملة سكان الجنوب.
(3)    عودة الحرب من جديد، حيث لن يحصل وضع سلمي بعد الانفصال، خاصة مع وجود كثير من الملفات العالقة، مثل "ترسيم الحدود"، و"وضع قبيلة المسيرية العربية في استفتاء منطقة أبيي".
(4)    إغلاق بوابة الجنوب أمام تدفق الإسلام إلى أفريقيا ومحاصرة المد الإسلامي جنوباً.
(5)    التأثير الشديد على القبائل العربية الرعوية والتي يمثل الجنوب امتداد طبيعي لحركتها، لأن الانفصال يؤدي إلى سد مسارات الرعي جنوباً، وهذا سيعمق فرص الاتجاه للحرب في المستقبل.
 (6)ازدياد حركة  النزوح واللجوء شمالاً بسبب الاقتتال الداخلي بين القبائل الجنوبية، وفي حالة الانفصال سيكون ذلك سبباً لمزيد من الاقتتال بين الشمال والجنوب.
 (7) تأثر ملف المياه بالانفصال، حيث يتوقع أن يحتدم الصراع - الذي بدأ الآن- حول إعادة توزيع حصص مياه النيل.
(8) الأثر الاقتصادي المتمثل في ضعف إنتاج البترول الذي يمثل الإنتاج من حقول الجنوب 70% من جملته، كما يتمثل في ضعف الإنتاج الزراعي من الذرة وغيرها من الحبوب المنتجة من مشاريع الزراعة الآلية الممتدة حتى الجنوب.
(9)  سيؤدي الانفصال إلى خطر كبير على الشمال يتمثل في القواعد الأجنبية العسكرية التي سوف تنشأ في الجنوب (أمريكا وإسرائيل)، كما أن إفراغ الجنوب تماما من أي وجود عسكري شمالي - كما هو الحال الآن بعد نيفاشا- في مقابل وجود عسكرى جنوبي كبير في مناطق حدودية مع الشمال (معسكرات الحركة الشعبية جنوب الرنك)، يمثل تهديداً عسكرياً للشمال.
ويمكن تلخيص الخطر العسكري فيما يلي :
1- القواعد العسكرية.
2- الحلف (اليهودي الأمريكي  الجنوبي).
3- الصراعات الحدودية المسلحة.   
4- مياه النيل.
الوحدة في إطار اتفاقية نيفاشا:
ومع رفضنا الواضح لانفصال جنوب السودان، الذي قد يكون نيتجة للاستفتاء، إلا أننا كذلك نرفض الوحدة في إطار اتفاقية (نيفاشا) سيئة الذكر، وذلك لاعتقادنا أنها أسوأ اتفاقية تم توقيعها في تاريخ السودان الحديث.
ونرى أننا غير ملزمين بالاستمرار في الخضوع لبنود تلك الاتفاقية المصنوعة، بعد أن انقضت مدتها، ولم يبق منها إلا الاستفتاء المشؤوم..وأن الوحدة لو قُدِّر لها أن تكون، فإنها يجب أن تقوم على أسس مختلفة عن نيفاشا، تراعي حق الأغلبية المسلمة في حكم بلادها، بشريعة دينها، من غير ابتزاز من أحد..ولا ضيم لأحد، فالشريعة قد ضمنت كل العدل لجميع رعايا الدولة المسلمة، من كان على الإسلام أو على غيره.
ونعتقد أن أي اتفاق للوحدة في إطار استمرار اتفاقية نيفاشا يعني، وقوع المفاسد الآتية:
1- التهديد المستمر بالانفصال والطرق على وتره، بما يمثل استنزافا دائما للشمال.
2- التنازل عن تطبيق الشريعة في الشمال، حيث أن روح نيفاشا هي العلمانية، ولا مكان في ظل نيفاشا للدولة الإسلامية، والخلاصة أن الشريعة ستكون ثمنا للوحدة (الوحدة في ظل نيفاشا).
3- ستكون الوحدة في ظل نيفاشا سببا لتقوية نفوذ الحركة الشعبية في الشمال و تعزيز وجودها.
4- قد يندفع الطرفان إلى نموذج الدولة الكونفدرالية، بوصفها إطاراً للوحدة، وذلك سيكون ذلك أمرا خطيرا لأنه يمكِّن النصارى من حكم المسلمين في السودان.
5- في ظل الوحدة – في أطار كونفدرالي، أو حكم ذاتي كما هو الحال اليوم- لن تنتهي سلاسل التمرد الجنوبي، لأن كل عناصر القوة متوفرة له، و في هذه المرة سيكون تمرد دولة في جيشها وهو أخطر من أي تمرد سابق.
6- تنص نيفاشا على عدم قيام أي حزب على أساس ديني، وذلك سيعطل النشاط السياسي الإسلامي خاصة، ويضعف العمل الإسلامي عموما.

مآلات الأوضاع في السودان بعد نيفاشا

ظلت الحركة الشعبية طوال فترات حرب الجنوب الأخيرة (1983 ـ 2005م) تحاول جاهدة نقل الحرب إلى شمال السودان، ليكون الشمال بدلا من الجنوب مسرحا للعمليات، ومن ثم إحداث اختراق استراتيجي يقود إلى تمزق الشمال واستقرار الجنوب في نهاية المطاف.
على الصعيد العسكري تم تنفيذ عمليات في كل من الكرمك وقيسان وهمشكوريب وجنوب ولاية البحر الأحمر وتهديد كسلا ومحاولة نقل التمرد إلى دارفور مبكرا تنفيذا لهذه الاستراتيجية.
أما على المستوى السياسي فإن استيعاب الحركة الشعبية داخل التجمع الوطني المعارض الذي نشأ عقب قيام انقلاب الإنقاذ أحدث اختراقا سياسيا جنوبيا واضحا لأول مرة في الحركة السياسية السودانية، إذ لم يحدث مطلقا أن توحدت الحركات السياسية المعارضة لأنظمة الحكم في الشمال، مع الحركات المتمردة في الجنوب للاختلاف الواضح في طبيعة كل منهما، وتباين أساليبها وأنشطتها التي تستهدف تغيير نظام الحكم أو إجباره على تغيير سلوكه.
الحركة الشعبية تولت قيادة العمل العسكري المعارض بسبب وجودها المكثف في الميدان، ثم ما لبثت أن قادت العمل السياسي المعارض أيضا بتولى أحد قادتها منصب الأمين العام للتجمع الوطني إثر انسحاب حزب الأمة من التجمع. ثم ما لبثت الحركة الشعبية أن وقعت منفردة اتفاقية نيفاشا مع الحكومة (يناير 2005م)، مما أدى إلى انفراد الحركة الشعبية بحكم الجنوب والمساهمة بنصيب وافر في حكم المركز مع اقتسام الثروة مع المؤتمر الوطني مما أدى إلى تحسن الوضع السياسي والعسكري للحركة الشعبية.
وطوال هذه المسيرة ظل الهدف الاستراتيجي للحركة الشعبية يتمثل في أيجاد جنوب مستقر وشمال مزعزع تمزقه الصراعات والقلاقل.
وإذا نظرنا إلى نصوص اتفاقية نيفاشا نجدها تقود بوضوح إلى ذلك، ويظهر ذلك إذا لاحظنا القضايا التالية:
* النصوص الخاصة بمنطقة أبيي ـ وهي من مناطق الشمال ـ تقود إلى صراع محقق في المنطقة، وذلك لأنه يهضم حقوق  المسيرية ويقود إلى حرمانها من مجالها الحيوي في الرعي والحركة، وذلك يؤدي بالضرورة للحرب والصراع المسلح.
* منطقة جنوب كردفان ـ وهي شمالية أيضا ـ  كبلتها الاتفاقية بعدد من القوانين مثل المشورة الشعبية تجعل سيطرة المركز على هذا الجزء من الوطن ضعيفة.
* وكذلك حدث بمنطقة النيل الأزرق ما حدث لجنوب كردفان، ولعل نتيجة انتخابات الوالي الأخيرة بالولاية التي فاز فيها مالك عقار أحد قادة الحركة الشعبية على أسنة الرماح خير دليل على خروج المنطقة من سيطرة المركز.
* وقبل نيفاشا تولى القس دانفورث المبعوث الأمريكي الأسبق ترتيب منطقة جبال النوبة بحيث جعلتها هذه الترتيبات منطقة معزولة سياسيا وعسكريا وخارج سيطرة الحكومة المركزية.
ثم جاءت مشكلة دارفور (2003م) قبيل التوقيع النهائي على نيفاشا لتزيد معاناة الشمال وتنقل الحرب بكل معاناتها وآثارها إلى الشمال.
وتبقى المحصلة النهائية لنيفاشا متوافقة مع ما أشرنا إليه من استراتيجية الحركة الشعبية بصنع جنوب مستقر وشمال تمزقه الحروب والنزاعات وتكبله القرارات الأممية والحصار الأمريكي.
ويبقى الحل في رأينا يتمثل في توحيد الجبهة الداخلية وعدم احتكار حزب واحد لمصير البلاد، ويمكن الالتقاء على ثوابت الإسلام، وكفالة الحريات العامة، واحترام كرامة المواطن،وتقرير سيادة البلاد على أراضيها دون تدخل أجنبي أيا كان نوعه أو درجته.

خاتمة

وبعد فقد اختار أعداء الإسلام أن يضعوا السودان، في مضيق حاد، ويرسموا له الخيارات.. إمّا؛ (سودان علماني قائم على وحدة هشَّة، يمسكون هم بحبال أوتادها)..(إما دولتين منفصلتين وتتناصبان العداء، وتتربص إحداهما بالأخرى)!!.
وقد استسلم حكامنا لهذه الأوضاع، البعض منهم عن رضىً وخضوع، والآخر عن خوف وعجز..والحق أنه ما كان ينبغي لهم- إن كانوا حادبين على أمن السودان واستقراره- أن يقبلوا بتلك الاتفاقية الإجرامية، التي تصنع لنا مستقبلاً مفخخاً بالمتفجرات!!..
كما أنه ليس لهم وقد وقع منهم ما وقع، أن يستمروا في سوق السودان إلى ذلك المستقبل المظلم، فمهما تصورّوا فإن ما يخشون منه ليس بأسوأ مما صنعوه..كما أنه في قدر الله تعالى..
وقد كان الوقت متاحاً أمامهم لتصحيح الأوضاع التي شكلوها..ولكنهم آثروا السير في ذلة القطيع إلى الهاوية!!.
وهاهم يقضون في حق الأجيال الحاضرة، والأجيال القادمة، بغير تفويض، وقد تصرفوا فيما لا يملكون، لصالح من لا يستحقون.
وإننا نعلن شهادتنا للتاريخ، برفضنا لنيفاشا، وما قررته من استفتاء باطل.. ونطالب الحكومة، أن تتولى مسؤولياتها بكل حزم في الحفاظ على البلاد التي ورثتها عبر حقب التاريخ، بلاداً مسلمة موحدة..وأن تختط لها طريقاً ثالثاً، مستقيماً، غير ذانك الطريقين اللذين خطهما أعداء الأمة، وأن تواجه قدرها كالرجال.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل

الإخوان المسلمون ـ الإصلاح
نوفمبر 2010م