يبدو أن السيناريو الذي أعدته الدول المحاصرة لقطر بقصر التحرير في القاهرة يوم الأربعاء الماضي (5 يوليو)، وبحضور وزراء الخارجية الأربعة، وبوجود إعلامي مكثف لينقل لكل أنحاء العالم العقوبات الجديدة التي ستفرضها دول الحصار على قطر شابه تعديل في اللحظات الأخيرة. فقد اعتبرت تلك الدول أن رد قطر على مطالبها كان سلبياً ويفتقر لأي مضمون، وزادت الاتهامات السابقة جرعة إضافية بأن سياسات قطر تهدد السلم والأمن الدوليين! ومن الذي نصب هذه الدول لتحدد من يهدد السلم والأمن الدوليين ثم تعاقبه دون اتهام مسبب ودون فرصة للمتهم أن يدافع عن نفسه؟ إلا أن السيناريو تبدل فجأة باتصال هاتفي من الرئيس ترمب مع الرئيس السيسي قبيل المؤتمر الصحفي يدعوه إلى التفاوض البناء من أجل حل الأزمة الخليجية. وبالطبع فإن التفاوض البناء لا يحتمل عقوبات جديدة بل ولا قديمة، ولم يكن التفاوض أصلاً جزءً من خطة الدول المحاصرة، فقد فرضت قائمة عقوباتها السابقة دون تفاوض (بناءٍ أو غير بناء) ودون سؤال أو تشاور مع الدولة المعنية. وتأجل المؤتمر الصحفي لثلاث ساعات، ربما لتشاور السيسي مع نظرائه في السعودية والإمارات والبحرين، قبل أن يبلغ وزير خارجيته بالتطور الجديد الذي يوقف التصعيد، وانتهى المؤتمر الصحفي بلا جديد ينقل إلى أركان المعمورة، بل حمل البيان الختامي في نهايته "لمسة مهذبة" لم ترد من قبل. فقد أكدت الدول الأربع على "التقدير العميق للشعب القطري الشقيق، معربة عن الأمل في أن تتغلب الحكمة وتتخذ دولة قطر القرار الصائب"! وقد جدد وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون، في اتصال تلفوني مساء الأربعاء مع أمير الكويت (أي بعد محادثة ترمب)، دعم بلاده لمساعيه في حل الأزمة الخليجية. ومعلوم أن أمير الكويت يعتبر الأزمة خليجية في المقام الأول، وينبغي أن تحل داخل البيت الخليجي (ويمنع الآخرون من التدخل)!
وقد واجهت قطر الحملة الضارية عليها بحنكة وموضوعية، يقودها وزير خارجيتها النشط الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، مما أكسبها تقديرا وتعاطفاً من كثير من الدول العربية ومن الأمم المتحدة ومن روسيا ومن الاتحاد الأوربي ومن الاتحاد الافريقي الذي رفض مناصرة وزير الخارجية المصري الذي رجع مغاضباً إلى بلده ومن الرأي العام في كثير من البلاد. وقد أحسن الوزير القطري عرض قضية بلاده في مؤسسة جتم هاوس الدولية (Chatham House) بلندن التي لا يؤمها إلا كبار المسئولين والمفكرين والبرلمانيين والإعلاميين، ولها منهج صارم في العرض والنقاش منذ عشرات السنين. قال الوزير: قُدم إلينا بعد ثلاثة أسابيع من العقوبات قائمة تحوي 13 مطلباً يجب أن تنفذ بعد عشرة أيام فقط، وهي تعني بالنسبة لنا الآتي: الحد من حرية التعبير، تسليم أفراد معرضين لخطر التعذيب في بلادهم، الحد من قدراتنا الدفاعية عن بلدنا، تفويض سياستنا الخارجية للرياض وأبو ظبي، التوقيع على شيكات مفتوحة لدول الحصار لدفع مبالغ غير محدودة تُوصف بالتعويضات. وأحسب أن الحضور في قاعة جتم هاوس الموقرة قد علت وجوههم الابتسامات الصفراء والضحكات المستترة من طلب المحاصرين تعويضات من الدولة التي حاصروها، ولسان حالهم يقول هذا غير عادل (Not fair). ويعتبر هذا التعليق في الثقافة البريطانية غاية النقد. وأضاف الوزير القطري أن المحاصرين لم يستعملوا آليات المعالجة المحددة في ميثاق مجلس التعاون الخليجي وهي: آلية التحكيم في اتفاقية الرياض لعام 2014، الهيئة التنفيذية لمجلس التعاون التي ينبغي أن تقدم لها الشكوى قبل اتخاذ أي إجراء ضد دولة عضو. وأبدى الوزير استعداد بلاده للمشاركة في عملية مفاوضات بإطار واضح ومبادئ تضمن عدم انتهاك سيادتها.
وأحسب أن الأزمة ستتوقف عند هذا الحد ولن تجرؤ أي من الدول المحاصرة لتصعيدها طالما أن الحليف المرتجى قد أعلن توجيهاته بصورة لا لبس فيها. ولكن الأزمة لن تزول سريعا ومن الأفضل أن ترجى لبعض الوقت حتى تصفو النفوس ويسود جو من الحرية والهدوء يسمح للعقلاء أن يعبروا عن رأيهم دون خوف من عقاب. ومن حق قطر أن تضع الإطار المناسب لمعالجة الأزمة والتي أرى أنها ينبغي أن تتضمن الآتي: الأزمة خليجية في المقام الأول وينبغي أن تعالج داخل البيت الخليجي فقط، وأن وساطة أمير الكويت أصبحت مقبولة من الأمم المتحدة ومن معظم الدول والكيانات الإقليمية وأن قطر لن تتعامل إلا عبر هذه الوساطة الكريمة. وبما أن ميثاق مجلس التعاون ينص على آليات محددة لمعالجة المشكلات بين الدول الأعضاء فينبغي إلغاء الحصار المضروب على قطر براً وجواً وبحراً وعلى تنقلات مواطني دول الخليج فيما بينهم حتى تنظر الأزمة من قبل الآليات المعنية ويبت فيها؛ وأن يكون تعريف الإرهاب ليس ادعاءاً جزافياً ولكن بناءً على ما اعتمدته مؤسسات الأمم المتحدة؛ وأن ينطبق تحريم وتحليل العلاقات الخارجية لكل الدول الأعضاء في مجلس التعاون باتفاق بينهم وبالتساوي بين الجميع دون خيار أو فقوس، وأن تعتمد معايير الأمم المتحدة في تسليم المجرمين، وأن يعترف بسيادة الدول في إدارة شؤونها الداخلية دون تدخل من شقيقة كبرى أو صغرى. وأحسب أن قطر ستخرج لا محالة من هذه الأزمة منتصرة لأنها تسير في اتجاه التاريخ وفي اتجاه مطالب الشعوب نحو الحرية والمشاركة السياسية التي لا بد أن تأتي عاجلاً أو آجلاً عبر ربيعات قادمات.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////