ابيي حقائق ووثائق تكشف لاول مرة (2)
محمود الدقم/اليونان
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
مخلص ما نشر سابقا:
اولا- تبيعة ابيي لغرب كردفان والوثائق قد تحدثت عن ذلك بكل جلاء ووضوح وخرائط ماردون التي تعود الى العام 1902 واستعرضنا اراء علماء الاجناس مثل هندرسون./  بي. بي. هاول والادارات البريطانية التي عززت تلك الحقائق بعد ان اخفقت في ضم ابيي الى بحر الغزال
ثانيا-كثافة صيغ التعايش الاهلي السلمي الكائن بين دينكا انقوك والمسيرية والذي تجلى في عقد اخاء بين المسيرية وانقوك عام 1905يعطي الوافدين انقوك على المنطقة حق المرعى جنبا لجنب مع قطعان المسيرية اهل دار ابيي
-كذلك استعرضنا الاحصائية التي اجريت عام 1956 والتي جاءت نتائجها على النحو التالي بلغ عدد المسيرية في ابيي مائة الف واثنين نسمة بينما عدد دينكا انقوك ثماني وثلاثين الفا وهنا نعتذر عن الخطا المطبعي الذي ورد في مقالنا الاول
في هذا المقال نستعرض الدراسة التي تحمل عنوان (ابيي وثائق وحقائق- ترجمة الاستاذ ابراهيم سعيد محمد احمد معتمد لدى معهة اللغويين بلندن( المحاولات الحثيثة التي قامت بها منظمة الانانيا بشقيها "1" وانانيا "2" في نسف الجهود وكافة صيغ التعايش السلمي ومحاولات الانانيا تمزيق المواثيق والعهود التي ابرمت بين الطرفين والالتفاف عليها لاحقا واستحقار مرجعيات انقوك من قبل مثقفي الانانيا
1. أبيي وأنيانيا 1:
1. في عام 1955م، شعر نظار وشيوخ المسيرية بالمجهول الذي قد يأتي مع إعلان استقلال البلاد وأثره المرجّح على وضع أبيي الإداري، خاصة بعد علمهم بأن تمرداً قد بدأ بالفعل في الجنوب. لذا، اختاروا السلطان دينق مجوك لمنصب رئيس مجلس دار المسيرية. وقَبِـل الناظر بابو نمر، زعيم المسيرية الأكبر، بروح طيبة منصب نائب الرئيس. اعتُبر ذلك بادرة حسن نية وتأكيد بأن أبيي باقية ضمن مجلس ريفي دار المسيرية.
2. لكن السلطان دينق مجوك لم يستمر في احتكار شؤون قبيلته مثلما كان يفعل في الماضي، حيث أراد شباب دينكا نقوك الجدد، الذين نالوا حظاً من التعليم، المشاركة في تسيير أمورهم القبلية وعبروا عن سخطهم من قرار كبارهم بأن يكونوا جزءاً من دار المسيرية. انضم بعض أولئك إلى التمرّد الأول في مراحل مبكّرة للغاية. في ديسمبر 1955م، عقدت مجموعة من أبناء دينكا نقوك المتعلمين، بقيادة أحمد دينق مجوك، اجتماعاً في بحر الغزال للنظر في السبل والأساليب اللازمة لإلحاق أبيي بالجنوب. قاد أحمد دينق مجوك وفداً إلى مدينة الأُبيّض لشرح الموقف الجديد ليتم اعتقاله من قبل السلطات الاستعمارية. وحالما تم إطلاق سراحه، قاد مجموعته للانضمام إلى الانيانيا 1. ومنذ ذلك الحين، وقع انقسام متواصل بين أبناء دينكا نقوك المتعلمين الذين بدأوا يؤيدون فكرة الانضمام إلى الجنوب، وكبارهم وزعمائهم القبليين الذين بقوا على ولائهم لموقفهم التقليدي.
3. حاول متمردو دينكا نقوك جاهدين جر أبيي إلى النزاع. وبعد سنوات، نجحت جهودهم في النهاية. في شتاء عام 1964م، قتل متمردو دينكا نقوك أربعة تجار ماشية من المسيرية، قرب ميوم ونهبوا بعض قطعان المسيرية بجوار قوقريال. وكما خططت الانيانيا 1، أصبح الوضع في أبيي متوتراً للغاية ونتج عنه قيام بعض صبية المسيرية بقتل اثنين من دينكا نقوك في الرقبة الزرقا. عندئذٍ قامت انيانيا 1 وطابورها الخامس بترويج إشاعة مفادها أن صبية المسيرية مثّلوا بجثث الضحايا. أثارت تلك الإشاعة المشاعر العامة لدينكا نقوك الذين شنّوا هجوماً شاملاً في مارس 1965م على عشيرة أولاد عمران الغافلين في الرقبة الزرقا وقتلوا 142 منهم. ولم ينسوا التمثيل ببعض جثثهم انتقاماً لما اعتقدوا أنه قد حدث.
4. المسيرية، الذين أذهلهم الحادث، تصرفوا تحت تأثير الصدمة وقاموا فوراً بمهاجمة دينكا نقوك في أبيي ومدن وقرى أخرى بالمنطقة. وقد نتج عن السخط العام انهيار محتوم للقانون والنظام لأيام عديدة أصبحت هي الأسوأ في تاريخ تلك المنطقة. كانت تلك هي النهاية المحزنة للحقبة الناصعة من تاريخ أبيي والبداية لحقبة جديدة لا تزال تتكشّف
تعقيب
اولا- تضح مما ذكر في مقدمة الجزء الثاني من الدراسة مضافا اليه السيرة الذاتية للمشروع الانانيوي الهادف الى تكريس الحرب العرقية وتفتيت النسيج الاجتماعي الكائن بين دينكا انقوك والمسيرية وفرض معادلات تزويرية ينتج عنها ضم والحاق ابيي الى بحرالغزال وهذا يجعلنا ان نقول وبكل وضوح وشفافية ان حركات الانانيا تتحمل المسؤولية الكاملة للاضطرابات التي حدثت في المنطقة ولاحقاتها.
ثانيا-المحاولات الحثيثة والجنونية من قبل متثاقفي الانانيا لضم ابيي خارج البعد الديمقراطي الحر انطلاقا من استفتاء قبيلتي المسيرية ودينكا انقوك بل اعتمدت وتوسلت الوسيلة الدموية وسياسة حرق الارض او ضمها قسرا
ثالثا- سنتناول في المستقبل القريب العلاقات بين جيش الدفاع الاسرائيلي والانانيا والتواجد الاسرائيلي في جنوب السودان انطلاقا من الانانيا التي كانت النواة الاولى في هذا السياق علما ان اسرائيل كانت تخطط لفصل الجنوب من الشمال لبعد جيو-ديني اولا وجيو-اقتصادي-سياسي.. لاحقا
6. آلية حل النزاعات التقليدية
1. بُنيت آلية حل النزاعات التقليدية، التي ظلت تعمل بكفاءة حتى منتصف الستينيات، أي لحوالي ستين سنة، على المبادئ التالية:
1. يجب على كلّ من القبيلتين احترام ميثاق الإخاء المبرم بين الناظر نمر علي الجُلّة والسلطان كوال اروب في 1905م. ويأمر الميثاق كلّ قبيلة بتبجيل أعيان القبيلة الأخرى والنزول عند رغباتهم.
2. إن طبيعة العلاقة بين القبيلتين هي علاقة ضيافة، حيث استضاف المسيرية دينكا نقوك في دارهم. وبالتالي، وجب على كل قبيلة واجبات الضيف/المستضيف عن إرادة وكرم. (أكد سلاطين دينكا نقوك مؤخراً، في أواخر التسعينيات، هذه القاعدة الرفيعة للاحترام واللياقة في رسالة خطيّة إلى رئيس الجمهورية).
3. هنالك مسارات معروفة للرُحَّل من القبيلتين ومقرات معروفة للمجتمعات المستقرة. ووقت الخروج والدخول محدد لمختلف العشائر الرعوية، وكذلك وقت الزراعة والحصاد للمجتمعات الزراعية.
4. وفي حالة وقوع اعتداء من قبل أفراد من أيٍّ من الطرفين على أفراد من الطرف الآخر، يبادر الزعماء القبليون للمعتدين بالتحقيق والبحث عن مرتكبي الخطأ واعتقالهم إلى أن يتم الصلح في النهاية. وكذلك عليهم واجب حماية المعتدى عليهم ومرافقتهم حتى يبلغوا مأمنهم.
5. هنالك مقادير خاصة محددة للتعويضات والضمانات والديّة. فعلى سبيل المثال، تبلغ الديّة بين المسيرية وأبناء عمومتهم الرزيقات 71 بقرة، وهي 31 بقرة بينهم ودينكا نقوك.
6. يُحاكَم المخطئون من قبل عُمَدهم في إحدى المحاكم الأهلية العشر بدار المسيرية، واحدة منها لدينكا نقوك ويرأسها السلطان بنفسه، وتسع للمسيرية. كانت الأحكام قابلة للاستئناف لدى الناظر المعني والذي كانت قراراته أيضاً قابلة للاستئناف لدى ناظر عموم المسيرية، الناظر بابو نمر. المحاكم الأهلية تطبق العرف، لكن قراراتها تخضع للمراجعة من قبل القاضي المقيم الذي بمقدوره إحالة هذه القرارات إلى قاضي المديرية. وكانت قرارات محكمة دينكا نقوك تحال إلى مفتش المركز بدلاً من الناظر بابو نمر. وكان مجلس ريفي دار المسيرية مسؤولاً عن إدارة المحاكم واستلام الغرامات التي تفرضها.
2. كانت آخر مرة شهدت فاعلية هذه الآلية هي في عام 1964م، عندما رافق السلطان ماكير ريحان، بناءاً على وصيّة السلطان دينق مجوك، أُسَر ضحايا حادث قوقريال إلى المُجلَد وسلّمهم إلى الناظر بابو نمر.
3. لقد ثبت أن الإرث الثقيل والعواقب الهائلة لاضطرابات 1965م كانت أكبر ممّا تتحمّله الآلية التقليدية. وفي الواقع، أُخضِعت بعض المفاهيم الأساسية للآلية إلى امتحان عسير من تلك المحنة. لذلك، تدخّلت الحكومة لاستكمال الآلية التقليدية وتعزيزها. عُقد مؤتمر أبيي الأول في عام 1965م ودُعيت له جميع القبائل المجاورة، من الشمال والجنوب. وقد خُصِّص المؤتمر بصورة رئيسية للصلح والعفو القبليين.
4. في عام 1966م، عُقد مؤتمر أبيي الثاني لإبرام ميثاق جديد بين القبيلتين يستهدف إحياء الميثاق القديم وتقويته. فقد نصت ديباجة اتفاق 1966م على ما يلي:
"وفاءاً لميثاق الإخاء وللود الذي ساد بين المسيرية ودينكا ماريق (أي، نقوك) لأجيال وسنين،عُقد اجتماع قبلي مهيب في أبيي بتاريخ 20 و21 و22 مارس 1966م، اتفق فيه ممثلو دينكا ماريق والمسيرية، الموقعون أدناه، على ما يلي...".
5. الميثاق الجديد عدّل الآلية التقليدية وأورد المبادئ الجديدة التالية:
1. أنه يحق للمسيرية ارتياد جميع الرقبات وموارد الماء والمراعي في المنطقة بأكملها.
2. أنه يحق لدينكا نقوك مساكنهم ومزارعهم في الرقبة الزرقا وأماكن أخرى.
3. دينكا الرِّيك ودينكا روينق وعشائر النوير يجوز السماح لهم بدخول المنطقة فقط من قبل السلطات الأمنية، بعد أن يقبل السلطان دينق مجوك المسؤولية عنهم.
4. أن يكون أمن وسلام المواطنين من مسؤولية الزعماء القبليين من كل جانب الذين يضمنون أمن الدينكا في "دار" المسيرية وأمن المسيرية في "منطقة" الدينكا. وبالتالي، لا يسمح للأفراد بحمل الأسلحة إلا تلك الضرورية للدفاع عن النفس.
5. في حالات القتال بين الأشخاص، عُهِد إلى الزعماء بواجبات إجراء تحقيقات فورية واتخاذ الإجراءات الضرورية لبحث الحوادث من أجل منع تطورها إلى قتال قبلي أوسع. وبعد ذلك، تحال حوادث القتال إلى المحاكم النظامية لتطبيق القانون حسب الأصول.
6. فيما يتعلق بالقتلى والخسائر التي وقعت عامي 1964م و 1965م، تم إعلان عفـو قبلي عام وأُطلق سراح جميع المعتقلين.
6. أدخلت الاتفاقية الجديدة تغييرات هامة في النظام القبلي والآلية التقليدية. وبالرغم من أن حقوق الدار الخاصة بالمسيرية لم تُمَس، فقد أُعطي دينكا نقوك الآن حقوق الاستقرار والزراعة في منطقة معينة ومحددة يمارس فيها سلاطينهم مسؤوليات أمنية على كل شخص هناك. العلاقة القديمة التي اتسمت بالضيافة الكريمة تحوّلت إلى علاقة حسن جوار. القبائل الجنوبية الأخرى التي كانت تعتبر في الماضي "دخيلة" تم منحهم الآن، كمواطنين، الحق في وجود منظم يخضع لاعتراف كبير زعماء دينكا نقوك. تلك الأهلية الجديدة حرّكها مفهوم المواطنة الناشئ الذي جاء مع مشاركة الحكومة المتزايدة واكتسب بعض الأهمية. تنص المادة 3 من الاتفاق القبلي لعام 1966م على ما يلي:
" يـُلزِم زعماء الطرفين أنفسهم بالحفاظ على الأمن والسلم للمواطنين من أبناء الدينكا في دار المسيرية ومن أبناء المسيرية في منطقة الدينكا."
وإجمالا، بدأت الآلية التقليدية في الاعتراف تدريجياً بمفاهيم جديدة من مواطنة وحقوق وواجبات متساوية. كما أنها أتاحت مجالاً أكبر لأجهزة تنفيذ القانون النظامية وتحديداً المحاكم والسلطات الأمنية. أما صلاحية الأمن والتحقيقات ككل فبقيت عموماً ضمن نطاق الآلية التقليدية.
7. في عام 1969م مات السلطان دينق مجوك في ذلك الوقت الحرج بينما كان الوضع لا يزال هشاً والآلية المعززة لم تكن قد اختبرت بعد. خلفه ابنه عبد الله الذي كان صغير السن وقليل الخبرة لكنه قُتل بعد فترة وجيزة في نزاع عائلي داخلي قسّم عائلة السلطان وضعضع مكانتها وأضعف دورها التقليدي.
8. في ديسمبر 1972م، ألغى الرئيس نميري سلطنة دينكا نقوك عندما كان في زيارة إلى أبيي. ذلك القرار، الذي أتي ساخناً في أعقاب قرار حلّ نظارة المسيرية مع جميع نظارات العرب، دقّ المسمار الأخير في نعش الآلية التقليدية. ورغم ذلك، استمر السكان المحليون يحنّون إلى الماضي وحافظوا على التقاليد القديمة. كانوا يتقيدون بهذه التقاليد طوعاً في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، عندما قَتل بعض المسيرية شخصين من دينكا نقوك في عام 1977م وأطلقت المحكمة النظامية سراح المتهم بسبب رفضها للأدلة، اجتمعت عشائر المخطئين وعشائر المجني عليهما، بدون تدخل أحد لتسهيل ذلك اللقاء، وطبّقوا العرف القديم الذي دُفعت بموجبه الدية وبالتالي تم تجنب قيام دينكا نقوك بأي عمل ثأري.
9. بعد انهيار الآلية التقليدية، وجدت الحكومة بديلاً مناسباً في فكرة عقد المؤتمرات. مؤتمر أبيينم ومؤتمر كادوقلي ومؤتمر الأُبيّض، وسوى ذلك ... عُقدت كلُّها خلال السبعينيات لاستبدال الآلية التقليدية. القضايا التي نوقشت في تلك المؤتمرات ظلت هي تلك القضايا القديمة التي تناولتها الآلية التقليدية في الماضي، على سبيل المثال تحديد التعويضات والديّة، وتحديد مسارات الرعاة وتعيين مواقع للاستقرار في الشتاء والصيف ورسم الحدود الزراعية للمجتمعات المستقرة وتحديد تواريخ الدخول والخروج والنقاط اللازمة للرُحّل ... وما شابه ذلك. لكن نظراً لأن المؤتمرات كان يعوزها الاعتبار المعنوي للآلية التقليدية، لم تكن قراراتها تُحترم دائماً. وبالفعل انهارت بعض قرارات تلك المؤتمرات تماماً إما لأنه كان هنالك خلافاً تاماً حول طبيعتها أو لأنه تم التشويش عليها بتجدّد القتال. كان ذلك هو ما حدث بالتحديد بعد مؤتمر أبيينم في عام 1974م.
10. انهيار الآلية التقليدية أضعف نظرية مِلكية الأرض القديمة التي شكّلت أساس تلك الآلية. مفهوم حسن الجوار الجديد بين القبيلتين اكتسب أهمية على مفهوم الضيافة الكريمة القديم، لسبب بسيط هو أن عقد مؤتمر من قبل الحكومة لم يكن ممكناً على أي افتراض سوى الاعتراف بحقوق متساوية في الأرض لجميع المواطنين. تنص ديباجة قرارات مؤتمر أبيينم لعام 1974م على ما يلي:
"عُقد هذا المؤتمر التداولي لإعادة تنظيم العلاقة بين المجتمعات القبلية للعرب المسيرية الحُمر والنوير والدينكا على أساس جديد يحفظ المصالح المستقلة لكل مجموعة، التي عليها رؤية الحقائق المحيطة بمنظور أكبر من الإطار القبلي الضيق، وتحديداً إطار الإقليم الذي يعتبر المواطنة مبدأً له واحتياجات الإنسان والحيوان قاعدةً له والعلاقة بالأرض ملاذاً وملكاً مشاعاً، والحاجة لتحقيق وتأكيد حسن الجوار."
(النص الوارد أعلاه هو ترجمة للنص العربي الذي لم يكن نفسه حسن الصياغة).
11. لم يرض مثقفو دينكا نقوك عن التطور الجديد. في الواقع، ذلك التطور أغراهم على تبنّي موقف أكثر تشدداً هو الإدّعاء بأن الأرض مملوكة لدينكا نقوك مع استبعاد الآخرين. وفي الآونة الأخيرة، قال د. فرانسيس دينق ما يلي:
"الأسوأ أن مديرية كردفان والعرب شوهوا التطور المقترح لأبيي كنموذج للوحدة الوطنية ليعني أن المنطقة يجب أن تكون مفتوحة للعرب ليستقروا ويندمجوا مع الدينكا، محولين أرضهم، عملياً، إلى ملك مشاع للجميع."
أصبح هذا الموقف الجديد لمثقفي دينكا نقوك أساساً لموقف الحركة حول أبيي. وقد تفرّع من هذا الادعاء كلٌّ من الموقف القديم للحركة الذي أعطى دينكا نقوك لوحدهم الحق في المشاركة في الاستفتاء، وكذلك موقف الحركة الجديد الذي يسمح للمسيرية الحمر الرعاة الذين، هم ليسوا أهالي أصليين، بحقوق الرعي فقط. فالمسيرية الحمر، وفقاً للحركة، لا يستحقون التمتع بحقوق المواطنة في المنطقة.
تعقيب
اولا- من المتعارف عليه والى الان ان المواثيق والعهود التي تم ابرامهما بين اعيان المسيرية وسلاطين دينكا انقوك كانت تقوم اصلا على قاعدة المضيفين "المسيرية" قاطني ابيي الاصليين -وبين "الانقوك" المستضافين الوافدين اليها وقد تناولنا هذا الامر بالوثائق واعترافات سلاطين دينكا انقوك في المقال السابق واهم عقد اخاء يمكن استحضاره من الذاكرة في هذا المقام العقد الموقع وبرضاء تام بين الناظر نمر علي الجلة ناظر المسيرية والسلطان كوال اروب زعيم دينكا الانقوك عام 1905
ثانيا-العهود السابقة وما اضيف اليها توسدت عقد الاخاء الموقع عام 1905كصيغة اساسية واجب احترامها وتقديرها وكشرط بنيوي اخوي لاي علاقة اخوية تتم في هذا الاطار وحتى اليات فض النزاع الاهلي التي اوجدت كانت تنطلق من هذا الاساس و التاكيد على ان اليات فض النزاعات ليست بدعة حسنة تماسست بين دينكا الانفوك والمسيرية بل هي انماط اجتماعية متوفرة بين الكثير من المجتمعات القبلية سواء كان في الجنوب او الشمال او الغرب والشرق وهي اليات تنزع في ترطيب وتلطيف الاجواء بشكل ودي يحفظ الحقوق والمكتسبات لكل طرف و راب اي تصدعات تنشا في النسيج الاخوي الناشيء بين مجموعتين قبيلين تشتركان في الكلاء او كافة مسارات الرعي
ثالثا- وهو الامر المهم هنا مرة اخرى كانت حركات الانانيا تعمل في شق وضرب هذه الاليات التقليدية لانجاز واقع جديد يؤطر في اتجاه ان المسيرية هم قوم عابري سبيل في ابيي وهي حقيقة تدحضها المواثيق والعهود والواقع واراء البحاثة وعلماء الانثربولجيا
رابعا- برغم كل تلك المحاولات كانت اليات فض المنازعات التقليدية تشق طريقها بصعوبة للحفاظ على المنجز الاخوي والتعايش السلمي مما جعل الانانيا ان تلجا الى وسيلة خطيرة جدا وهي قتل اكثر من مائة مواطن من المسيرية -اولاد عمران- وتمثل بجثثهم اثار هذا التطور الخطير ردت فعل عنيفة لدى المسيرية وتبادل الطرفان كرة الدم واللهب ونجحت للاسف الشديد منظمة الانانيا اخيرا في الوقعية بين الانقوك والمسيرية وجعلت من اليات فض النزاع التقليدية مجرد اداة ليس لها مكان في ارض الواقع
خامسا- تعتبر فترة حكم جعفر نميري من اسواء الفترات التي مرت بها المنطقة عاما وابيي خاصة خصوصا بعد القاءه فكرة النظارة بالنسبة للمسيرية وفكرة السلطنة بالنسبة لدينكا انقوك مما اقعد باليات فض النزاعات التقليدية وجعلها شبه كسيحة
وهذا بدوره قدم خدمة وجائزة ثمينة بالنسبة للانانيا اذ فرضت واقع مؤلم يقول ان ابيي ارض مشاع للجميع وليس للمسيرية حقا في ذلك وان النميري عندما اقدم على ذلك لانه كان يعلم ان المسيرية هم الخزان البشري للثورة المهدية وكان يعتقد انهم بالتالي من اتباع الصادق المهدي وحزب الامة وبالتالي اراد ان ينتقم منهم وهذا القرار جعل النميري يدفع الثمن غاليا فيما بعد.
في المقال القادم والاخير نستعرض ملف ابيي من خلال اتفاقية اديس ابابا ومبادرات السلام المختلفة بين حكومة الانقاذ والحركة والدور الدولي في المعمعة كون -ابيي-بحيرة نفط استراتيجية-