سألني بعض الاصدقاء من القراء وبعض الزملاء ، بل وبعض النشطاء من حزبنا الاتحادي الاصل علي وجه الخصوص وكان ذلك في زمان مضي حين كنا نعمل خارج البلاد عن : لماذا توقف إسهامنا الشخصي في التحليل السياسي لمستجدات الاحداث في بلادنا بعد أن كنا نشطاء في الساحة باقلامنا ، وهي احداث لا تعرف الهدوء مطلقا ، ففي كل يوم تسيطر علي الساحة السياسية بالخرطوم قضايا جديدة تظل تشغل الجماهير لفترة من الزمن ، فيقتلونها بحثا ومناقشة وتحليلات تأخذ عدة مخرجات ، وتشغل القوم كثيرا والصحف كثيرا برغم دورها الذي بات باهتا جدا حيث ظلت الاقلام في صفلحنا الورقية تكتب كتابة تشعرك بأنها ( معسـمة جدا ) بسبب الإجبار علي الانحناءة ليل نهار ، وإلا فإن المنع والحظر ، بل ومصادرة المطبوعة نفسها يظل السيف مسلطاً علي رقابها.

فلجأ الصحفيون والكتاب الي المواقع الألكترونية التي يطالعها حوالي خمس ملايين قاريء يوميا ، بينما يطالع الصحف الورقية سياسية ورياضية حوالي عشرة بالمائة من هذا الحجم حسب احصائية مجلس الصحافة من واقع بيانات شركات التوزيع .
• قلت للذين يفتقدون كتابتنا في الشأن السياسي وفي احوال حزبنا الاتحادي المشارك في الحكم لعله يساعد في وفاق وطني يرفع شعاره منذ عدة سنوات قبل مشاركته ، والتي حتي اللحظة تفعل هذه المشاركة فعلتها من غبن وغضب وسخط وسط كوادره الناشطة وجماهيره الممتدة ، حيث ان دعوة الحزب للوفاق ظلت تراوح مكانها ، فإن قبلها البعض من هم في السلطة ، يعترض عليها الآخر في السلطة نفسها، وإن قبلتها اقسام من المعارضة ، تطرشقها احزاب الطرشقة كعادتها . فكنت اقول للسائلين ، كيف لنا ان نكتب تحت ظل هذه الظروف ؟ فإن قلنا الحقائق المجردة فإننا لن نجد صحيفة تنشرها بسبب خوفها من المنع بعد الطبع ( كيتن عليها ) لتتحمل خسائر تكاليف الطباعة لتتأدب.. وما تسببه المصادرة من خسائر جمة هي في غني عنها ، خاصة وان الارزاق الحياتية للعاملين بها تتأثر حين تتوقف الصحيفة ، بل ربما تغلق ابوابها بسبب إستمرارية مصروفاتها الثابتة من إيجار مقر وخلافه .
• وبما أن القلم شرف ، والكتابة مسؤولية ، والامانة حملها ثقيل جدا ، فقد رفضتها السماوات والارض والجبال واشفقن منها حين عرضها المولي جلت قدرته عليها ، فحملها الإنسان ( إنه كان ظلوما جهولا) ، فهل نعاود الكتابة لنكتب بكل الصدق للإسهام – ليس للنقد للراهن السياسي – والذي قتله السودانيون نقدا مريرا ومتكررا ، دون بذل جهد لتوافر حلول للخروج من عنق الزجاجة الحالي الذي تمر به بلادنا ، ذلك ان معظم من يكتبون ، يتمترسون في محطة ( يجب ان ينتهي هذا النظام الفاسد) ... وخلاص .
أما كيف ينتهي هذا النظام فإن لا احد حتي اللحظة يعرفنا كيف ينتهي وهو ماثل امامنا يمشي علي ساقين ويحكم ، وكيف نعمل علي قيام حكم انتقالي يؤسس لحياة نيابية مستقبلية تتوافر فيها مواعين الحريات وتعمها نسائم الديمقراطية ، فلا أحد يبتكر آليات قيامها ، والنظام يظل يحكم .
• تلك هي مفاصل الراهن السياسي ، فالسلطة تحكم وهي قابضة بقوة ، ولا ترمي بالاً للتحليلات النرجسية التي تقول بأن اهل الحكم مختلفين وان الجيش يضغط للبقاء وان القصر لديه مفاجآت .. وان السلطة علي مشارف اسدال الستار علي حقبتها التي امتدت لربع قرن حتي اللحظة ، وشيخ بله الغائب يؤكد عبر عدة فضائيات وصحف سودانية ان الرئيس ( قاااااعد ) حتي بلوغه الواحد وثلاثين عاما من الحكم لا تنقص ولا تزيد .
• وفي تقديرنا أن ما يعانيه شعبنا داخل الوطن لن يفيده كثيرا ما نكتبه من خارج الوطن من نقد بان او نقد شتام وساخر ، ذلك ان الكتابة هي للتنفيس فقط بعد ان فقدت دورها في تحريك بركة الوضع الساكن ، حيث ان التحريك بات حصرا علي السلطة فقط ، وقد سيطرت تماما علي بوصلة الاحداث ، سواء كانت هذه السيطرة ايجابية او سلبية . وحتي زعماء الاحزاب الذين جنحوا لجانب السلم مع السلطة فإن سهام النقد والشتائم تلاحقهم صباح مساء ، دون ان تترك أثرا في مواقفهم في البحث عن مسارات آمنة لإحداث وفاق وطني لا تتبعه خسائر دماء سواء في اوساط المجتمع المدني او في ثكنات الحركات التي تحمل السلاح بالهامش الضاغط علي المركز بالخرطوم .
• إذن .... لا بد من تنازلات من الذين يحملون السلاح ومن الذين يحكمون ، ولا نقول تنازلات من المعارضة المدنية لأنها لا تملك ما تتنازل عنه ، فإن إتفق حملة السلاح في الجبهة الثورية مع السلطة الحاكمة بأي نوع من أنواع الاتفاق الذي يبعد العنف وفي ذات الوقت يؤسس لقيام حكم انتقالي راشد ينهي حالة السيطرة الحالية من حزب واحد مدني ومسنود من جهاز قابض وضارب القوة ، فإن التنازلات هنا لابد من أن تشمل توافر عدم الغدر بالآخر ، وإعطاء الأمان لقادة السلطة الحاكمة ولقادة الحركات المسلحة بأن يودعوا غبن الماضي بكل ما يحمله من ظلم وظلام وقتل طال اهل الحركات واهل الجيش النظامي معاً ، فإن السودان في هذه الحالة سيشهد مصالحة حقيقية تنبع من المبدأ الذي أخترعه الزعيم الراحل ( نيلسون ما نديلا ) حين فاز بمقعد الرئاسة في جمهورية جنوب افريقيا واتي بزعيم حزب البيض الذي مارس الفصل العنصري لعشرات السنوات ليعينه نائبا للرئيس وهو الخواجة ( مستر ديكلارك
) ، وبذلك اوقف مانديلا بفكره الثاقب ونظرته الوطنية المتقدمة جدا ، أي تحركات انتقام ودماء وسط المواطنين البيض في دولته الوليدة ، فساد السلام بتلك الدولة الوليدة أفريقياً وإستقرت ونمت وودعت ثقافة الانتقام ردحاً من الزمان، وللدرجة التي تمكنت به من استضافة نهائيات كاس العالم وكاس الامم الافريقية بكل نجاح وسهولة .
• والختام هو ان تتواصل الجهود التي تفضي الي ان تحكم الحركات المسلحة جنبا الي جنب مع السلطة الحاكمة وقوي ومنظومات الاحزاب المعارضة وحتي التي تشارك في الحكم ، حيث ان اعتراف كل الاطراف بأن لها حق الحكم عبر رغبات الجماهير التي تاتي من خلال صندوق الانتخابات الشفافة هو الذي يقود الي سلام دائم فارقته بلادنا قرابة الثلاثة عقود من الزمان ، خاصة وان التجربة سوف تنجح بعد أن عاشت حركة الاسلام السياسي التجربة وفشلت وتشققت وقد أعترف معظم مفكروها الناشطين بالكتابة علي صفحات الصحف ومواقع النت بذلك ونقدوها نقدا موجعا ولكنه صادقاً ،و يفيد في عملية تنوير أجيال الحركة الاسلامية الشبابية القادمة بجادة الطريق القويم ، وبالتأكيد انها قد إتعظت بان المشروع الذي ظلت تبذل الجهد لتأسيسه لأكثر من نصف قرن ، لم يؤت أكله ، بل ان التجربة القاسية قد اكلت اطراف التنظيم نفسه واصيب بالتوقف والتشرذم والحرب الداخلية بين فصائله والضرب تحت الحزام احياناً ، وفي النهاية قبض التنظيم الاسلامي الريح ، وبالتالي ستكون المرحلة الديمقراطية القادمة خالية من إدعاءات النضال وشعارات ( هو الحل ) بعد الفشل التام في تطبيق عدالة السماء علي الارض.
• فهل ياتري نتعشم في ان نصل الي منطقة وسطي أم تتواصل الشكوك وكتابات الشتائم التي تكررت ، بمثلما تكررت المعلومات التي تحدث إثارة تنتهي بإنتهاء قراءة المقال؟ • أما عن الإقتصاد وإنعاش مفاصله وعودة الحياة لمشروعاته الكبري المتوقفة ، فهذا من أسهل الأمور إذا عاد السودان معافي الي احضان وسطه العربي والاقليمي والدولي ، فالكل يحب شعب السودان ، وتلك ثوابت نعلمها تماماً ... ولا أزيد

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.