وثائق جديدة: محللو الخارجية الأميركية حذروا كلينتون من مخاطر انتقال بن لادن من السودان إلى أفغانستان
تقييم سري اعتبر أن بقاء زعيم «القاعدة» في الخرطوم كان أفضل من إخراجه منها
واشنطن: ايريك ليختبلاو
حذر محللون في وزارة الخارجية في عهد ادارة الرئيس بيل كلينتون في يوليو (تموز) 1996 من أن انتقال أسامة بن لادن الى أفغانستان، يمكن أن يوفر له ملاذا أكثر خطرا ذلك انه كان يسعى الى نشر افكاره المتطرفة «الى ما هو ابعد من الشرق الأوسط». لكن الحكومة اختارت ألا تمنع الانتقال، وفقا لما تكشف عنه وثائق جديدة لم تعد سرية.
وفي ما يمكن أن يكون تحذيرا مسبقا، قال محللو المعلومات الاستخباراتية في وزارة الخارجية في تقييم سري للغاية حول بن لادن في ذلك الصيف إن «اقامته المديدة في أفغانستان، حيث يتلقى المئات من العرب تدريبا ارهابيا، والزعماء المتطرفون الرئيسيون غالبا ما يجتمعون، يمكن ان تبرهن على أنها اكثر خطرا على مصالح الولايات المتحدة على المدى البعيد، من بقائه في الخرطوم لمدة ثلاث سنوات».
وألقت الوثائق، التي حصلت عليها مؤسسة المراقبة القضائية، وهي مؤسسة قانونية محافظة، كجزء من الطلب في اطار قانون حرية المعلومات، وقدمت الى صحيفة «نيويورك تايمز»، ألقت الضوء على فصل مبهم ومثير للجدل في تاريخ بن لادن: انتقاله من السودان الى أفغانستان بينما كانت ادارة كلينتون تكافح من أجل فهم التهديد الذي كان يشكله واستكشاف طرق مجابهته.
وقبل عام 1996 كان بن لادن يعتبر ممولا للارهاب أكثر منه عقلا مدبرا. ولكن تقييم وزارة الخارجية، الذي جاء قبل عام من حثه علنا على مهاجمة الولايات المتحدة، اشار الى أن المسؤولين كانوا يرتابون في أنه يلعب دورا اكثر فاعلية، بما في ذلك في تفجيرات يونيو (حزيران) 1996 التي أودت بحياة 19 من العسكريين الأميركيين في الخبر بالسعودية.
وبعد عامين من تحذير وزارة الخارجية، وارتباطا بتعزز مواقع بن لادن في أفغانستان والاشراف على عمليات التدريب التمويل الارهابي، ضربت «القاعدة» سفارتين اميركيتين في شرق أفريقيا، مما أدى الى محاولتين عسكريتين فاشلتين من جانب ادارة كلينتون لالقاء القبض عليه او قتله في أفغانستان. وبعد ثلاثة اعوام، وفي الحادي عشر من سبتمبر (ايلول) 2001، ضربت «القاعدة» مركز التجارة العالمي ووزارة الدفاع في عملية كان يجري الاشراف عليها من قاعدة في افغانستان.
واتهم نقاد ادارة كلينتون الادارة بتجاهل الخطر الذي كان يشكله بن لادن في أواسط التسعينات، عندما كان لا يزال في السودان، وهم يشيرون الى مزاعم من جانب بعض المسؤولين السودانيين بأنهم عرضوا تسليمه إلى الأميركيين قبل اخراجه أخيرا عام 1996 تحت ضغط دولي. ولكن دبلوماسيي ادارة كلينتون رفضوا بشدة انهم كانوا قد تلقوا مثل ذلك العرض، وتوصلت لجنة الحادي عشر من سبتمبر في احد تقاريرها الى أنها «لم تجد أي دليل يعتمد عليه لدعم الادعاء السوداني».
ولا تعالج الوثائق الجديدة بصورة مباشرة مسألة ما اذا كان السودان قد عرض تسليم بن لادن. لكن الوثائق تتجاوز الأنباء السابقة والتقارير التاريخية في تفصيل المراقبة الفعالة، التي كانت تقوم بها ادارة كلينتون لتحركات بن لادن، وادراك أن انتقاله الى أفغانستان يمكن أن يجعل منه خطرا أكبر على الأمن القومي. ولم يجب عدد من كبار المسؤولين السابقين في ادارة كلينتون على المكالمات الهاتفية الأسبوع الحالي، والتي كانت تسعى الى الحصول على تعليق على الوثائق المعلن عنها مؤخرا.
وقال آدم ايرلي، المتحدث باسم وزارة الخارجية، انه يتعين النظر الى الوثائق في سياق ما كان يحدث عالميا عام 1996، وليس في اطار احداث ما بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر. وقال ايرلي انه في عام 1996 «كانت المسألة هي اخراجه من السودان». وأضاف ان «الأولوية كانت حرمانه من ملاذ آمن ومنع نشاطاته بكل ما يمكن. وكان هناك الكثير مما لم نكن نعرفه، وكانت الأولوية ان نبقيه مطاردا ومراقبا ومحاولة زيادة فرص اعتقاله».
غير أنه قبل تفجيرات شرق أفريقيا عام 1998 لم يكن بن لادن «يميز عندئذ باعتباره يشكل التهديد الذي يشكله حاليا. أجل، لقد كان شخصا سيئا، وكان خطرا، ولكنه كان واحدا من كثيرين ولم يكن بارزا على النحو الذي صاره لاحقا».
وذكر تقييم وزارة الخارجية الذي كتب في 18 يوليو 1996، بعدما طرد بن لادن من السودان، واعتقد انه وصل الى افغانستان، ان افغانستان هي «ملاذ مثالي» لبن لادن، لادارة شبكته المالية والحصول على التأييد من المتطرفين. والاكثر من ذلك فإن ثروته، وطائرته الخاصة والعديد من الجوازات تسمح له بحرية هائلة بالسفر مع قليل من الخوف من ملاحقته، وان تصريحاته العلنية تشير الى انه رجل «جرئ» قادر على «ارهاب متزايد» طبقا للتقرير.
وذكر التقرير انه في الوقت الذي يمكن ان تؤدي استراتيجية ابقائه مطاردا، يمكن ان تجعله في حالة انزعاج «فإنه بالرغم من بقائه مطاردا، يمكنه الاحتفاظ بقدرته على دعم الافراد والجماعات، الذين يملكون الدافع لمهاجمة المصالح الاميركية في جميع انحاء العالم».
وذكر توم فيتون رئيس مؤسسة المراقبة القضائية ان المعلومات التي تم الكشف عنها لمجموعته «توضح لي ان ادارة كلينتون كانت تعلم الخطوط العريضة، في عام 1996 لقدرات بن لادن ونواياه ولسوء الحظ، لم يجر أي شئ بخصوصه».
وتجدر الاشارة الى ان مؤسسة المراقبة القضائية، وهي جماعة قانونية محافظة، كانت تنتقد الرئيس كلينتون انتقادا حادا خلال رئاسته التي استمرت مرتين. وذكر مايكل شور الذي ترأس في الفترة ما بين عامي 1996 الى 1999 الوحدة التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية المكلفة بملاحقة بن لادن، ان وثائق وزارة الخارجية تعكس وعيا بالخطر الذي يمثله انتقال بن لادن. واوضح في مقابلة بعد اخباره بالكشف عن الوثائق «ان الجانب التحليلي لوزارة الخارجية صحيح تماما ـ هذا تحليل عبقري». غير ان شور الذي اصدر كتابا في عام 2004 بعنوان «الغرور الاستعماري» باسم مستعار هو «مجهول»، وكان شديد الانتقاد لاستراتيجيات مكافحة الارهاب الاميركية، ذكر ان العديد من المسؤولين في الجانب العملياتي في وكالة الاستخبارات المركزية، اعتقدوا ان لديهم فرصة أفضل لقتل بن لادن في افغانستان اكثر من السودان، لأن الحكومة السودانية تحميه.
وأوضح شور «ان التفكير كان انه في افغانستان وانه خطير، ولكن بسبب وجوده هناك، كانت لدينا فرصة أكبر لقتله. ولكن في المحصلة النهائية، وصلنا الى أسوأ احتمال ـ كان هناك ولم نفعل أي شيء».
* خدمة «نيويورك تايمز»
نقلا عن الشرق الأوسط