حَوْليَّاتُ الحُلْمِ الانْسَانِى
السَّادِسُ والعِشْرُونَ مِنْ يُونيو (4ـ4)
بقلم/ كمال الجزولى
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(1)
(1/1) تحرَّكت هذه الكتابة ، عبر حلقاتها الثلاث الماضيات ، من استبشاع قهر المستضعَف وإذلاله إلى تقصِّى أساليب هذه الممارسة الشائنة فى أنظمة الاعتراف الجنائى كما عرفتها البشريَّة منذ أقدم العصور ، والمناهج والوسائل التى رتبتها لمناهضتها فوق كلِّ ما ناء به ضميرها من أوزار. وأشرنا ، فى الاطار ، إلى عدد من الوثائق الدوليَّة (كالاعلان العالمى لحقوق الانسان) و(العهد الدولى للحقوق المدنيَّة والسياسيَّة) مع (البروتوكول الاختيارى الثانى) الملحق به ، إضافة (لإعلان حماية جميع الأشخاص من التعرُّض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة والعقوبة القاسية أو اللا إنسانيَّة أو المهينة) ، والذى تحوَّل ، لاحقاً ، إلى (اتفاقية) دخلت حيِّز التنفيذ فى 26/6/1986م ، وهو التاريخ الذى اعتمدته الجمعيَّة العامَّة للأمم المتحدة فى ديسمبر 1997م يوماً عالمياً لمناهضة التعذيب ، فكرَّسنا هذه المقالة للاحتفاء به.
(1/2) وأوضحنا اهتمام القانون الدولى المتزايد بهذه القضيَّة. ولكننا استدركنا بأن مزيداً من الجهد يُنتظر بذله فى حقول أخرى ، وبالأخص (الثقافة) التى تتشكل فى ترميزات القيم المعتقديَّة والفطرة السليمة. وتمنَّيْنا على المنظمة السودانيَّة لضحايا التعذيب إثراء خطابها بما يكرِّس الموقف الأخلاقىَّ من التعذيب لدى منظومة التنوُّع الدينى والثقافى فى بلادنا. ونفذنا لموقف الاسلام ، لا كدين للجماعة السودانيَّة المستعربة المسلمة فحسب ، بل ولتداخله فى النسيج الثقافى لتكوينات إثنيَّة أخرى تنتمى إليها مجموعات معتبرة من مسلمين غير مستعربين فى بلادنا ، مِمَّا يفترض التأثير المتبادل بين أنظمة القيم كفأل حسن لقضيَّة الوحدة الوطنيَّة.
(1/3) وتناولنا جوهر حقوق الانسان فى الاسلام بمقاربة المفهوم القرآنى للانسان نفسه ، ككائن مُكرَّم بالعقل والفطرة وأمانة الاستخلاف المؤسَّس على حريَّة الاختيار. وعرضنا فى السياق للخلاف فى تاريخ الدولة الاسلاميَّة والفكر السياسى الاسلامى حول العلاقة بين إرادة الله وإرادة الحاكم ، وبحث (السلطويين) المستمر عن الغطاء الأيديولوجى للطاعة! فقد أجمع (المرجئة) ، مثلاً ، أو ما يُعرف (بالخطاب المفكر للحزب الأموى) ، على تأويل (آيات الوعيد) فى ما يتصل خصوصاً بظلم الحاكم ، باعتبارها تنطوى على استثناء مضمر ، مِمَّا يُعدُّ مسلكاً تبريرياً للظلم والفساد! وضاهينا بين هذه الأطروحة القائمة فى ردِّ ظلم الحاكم وفساده (لإرادة الله!) وبين أطروحة د. الترابى الساعية ، مع الفارق ، وبرغم التواء العبارة ، للمطابقة بين (الإيمان) و(السياسة) ، من حيث (التوحيد) و(الشرك) ، عنده ، فى كليهما!
(1/4) ثم أبرزنا تياراً آخر اشتغل على (حريَّة الارادة الانسانيَّة) فى القرآن ، كاشفاً الدوافع (السياسيَّة) لنظريَّة (الارجاء)! مِمَّا أدى لاغتيال رموزه كمعبد الجهمى وغيلان الدمشقى والجعد بن درهم ، مثلما اغتيل محمود محمد طه فى السودان! كما أشرنا إلى أن الحسن البصرى يُعتبر من أقوى أبكار المدافعين عن هذه الوضعيَّة القرآنيَّة ، وأن أئمة التنوير يؤكدون أن هداية الدين نفسها هى الهداية الرابعة بعد هداية الحواس والوجدان والعقل. ولكن هذه الوضعيَّة المفهوميَّة لم تنسرب فى تاريخ الفكر الاسلامى بذات سلاستها فى الخطاب القرآنى. (فالقرآن) هو كلمة الله المطلقة ، بينما (الفكر) انعكاس لصراعات البشر النسبيَّة ، مِمَّا ينطوى على وجه أساسىٍّ للفارق بين (الدين) و(التديُّن) ، بين (الاسلام) وبين (تاريخ الدولة الاسلاميَّة). وخلصنا إلى أن الشريعة ، وإن عرفت نظام (الاعتراف/الاقرار) كدليل ، إلا أنها كبحت استخداماته بأشراط  يستحيل على (الوالى) إغفالها دون أن يكون قد أغفل أشراطاً فى صميم العقيدة نفسها من حيث (الاختيار) لا (الجبر) ، وفى ما يلى الحلقة الخاتمة:
(2)
(2/1) التعذيب يُنتج حالة من الاكراه. و(الاكراه) ، فى اللغة كما فى المصطلح الفقهى: حمل الغير قهراً على أمر لا يرضاه. وهو من (الكراهيَّة) التى تنافى الحب والرضا. ولذا تقاطعت الكراهيَّة مع الحب فى قوله تعالى: "وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم ، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرٌ لكم" (216 ؛ البقرة). وقد عرَّفه شمس الدين السرخسى فى (المبسوط) بأنه "فعل يفعله الانسان بغيره فينتفى به رضاه أو يزول به اختياره". والمقصود (بالاختيار) ترجيح فعل الشئ على تركه أو العكس (وهبة الزحيلى ؛ الفقه الاسلامى وأدلته ، ط 1 ، ج 5 ، 1984م ، ص 386 ـ 387).
(2/2) والاكراه نوعان: مُلجئ كامل ، وغير ملجئ أو قاصر. فالأول لا يترك للشخص قدرة أو اختياراً ، كأن يهدِّده بالقتل أو التخويف بقطع عضو أو بضرب مبرح متوال يخاف منه إتلاف النفس ، قلَّ الضرب أم كثر ، وحكمه أنه يُعدم الرضا ويُفسد الاختيار. أما الثانى فهو التهديد بما لا يضر النفس أو العضو ، كالتخويف بالحبس أو القيد أو اتلاف المال أو الضرب اليسير الذى لا يُخاف منه تلف النفس ، وحكمه أنه يُعدم الرضا وإن كان لا يُفسد الاختيار (بدائع الصنائع ، ج 7 ، ص 175 ـ وتكملة فتح القدير ، ج 7 ، ص 292 وما بعدها ـ ضمن وهبة الزحيلى ؛ الوسيط فى أصول الفقه الاسلامى ، ص 185 وما بعدها).
(2/3) ولا يقتصر الاسلام على المبادئ العامَّة التى عرضنا لها بعاليه ، والتى يمكن فعلاً ، فى ضوئها ، قراءة موقفه من (الاكراه/التعذيب) كوسيلة لانتزاع (الاعتراف) ، بل إن هذه المسألة وردت بصورة مخصوصة فى القرآن والحديث وفى غيرهما من المصادر. ويعتبر أقوى الشواهد على كون (الاختيار) شرطاً أساسياً لصِحَّة (الاعتراف) من زاوية النظر الاخلاقيُّة والشرعيَّة أن الله سبحانه وتعالى ، وعلى حين يحُضُّ المؤمنين على الصدق وقول الحقِّ ولو على النفس: "كونوا قوَّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم" (135 ؛ النساء) ، فإنه يستثنى ظرف (الاكراه) حتى فى حالة المجاهرة بالكفر نفسه ، فيستبعده فى آية أخرى: "من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان" (106 ؛ النحل).
(2/4) ومناسبة التنزيل أن النبى (ص) ، عندما قال له عمَّار بن ياسر: أكرهونى (يقصد الكفار) على أن أنال منك ، ردَّ عليه بقوله: لا تثريب عليك أن تقول ما قلت مُكرهاً ، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها. وكان عمار قد أرغم تحت وطأة التعذيب الشديد ، ووالداه يعذبان ويقتلان أمام ناظريه ، أن يسبَّ النبى (ص) ويذكر آلهة قريش بالخير ، ففعل. وحسب ابن كثير عن أبى عبيدة محمد بن عمَّار بن ياسر ، أن النبى (ص) سأل عماراً: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالايمان. فقال النبى (ص): إن عادوا فعُد. ورواه البيهقى أيضاً ، كما رواه أبو نعيم وعبد الرازق واسحق بن راهويه ، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (نصب الراية ، ج 4 ، ص 158). وفى الحديث الآخر: "رُفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". وهو ، وإن لم يصِح سنده ، إلا أن معناه صحيح باتفاق العلماء كالقاضى أبى بكر بن العربى ، وأبى محمد عبد الحق الذى أكد أن إسناده صحيح قائلاً: وقد ذكره أبو بكر الأصيلى فى الفوائد وابن المنذر فى كتاب الاقناع (السيِّد سابق ؛ فقه السنة ، ط 1990م ، ج 3 ، ص 404 ـ 405).
(2/5) ويندرج ضمن هذه الشواهد إجماع الصحابة والخلفاء الراشدين وأقضيتهم ، مِمَّا رتب لفقه قال عنه ابن حزم إنه لا يعرف له من الصحابة مخالف (السيِّد سابق ؛ فقه السنة ، ص 403). ومن ذلك:
أ/ أنه ورد لدى أبى يوسف عن الامام محمد بن الحسن الشيبانى عن حنظلة عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب (رض): "ليس الرجل بمأمون على نفسه إن أجعته أو أخفته أو حبسته أن يقر على نفسه" (كتاب الخراج لأبى يوسف ، ط 1302 هـ ، ص 175).
ب/ وجئ إلى عمر بمن اعترف على نفسه بسرقة ، فقال عمر: ما أرى يد الرجل بسارق. فقال الرجل: والله ما أنا بسارق ، ولكنهم تهدَّدونى ، فخلى سبيله ولم يُقِم عليه الحد (مصنف عبد الرازق ، ج 10 ، ص 193).
ج/ ويؤثر عن عبد الله بن مسعود قوله: ما مِن ذى سلطان يريد أن يكلفنى كلاماً يدرأ عنى سوطاً أو سوطين إلا كنت متكلماً به (السيِّد سابق ؛ فقه السنة ، ج 3 ، ص 403).
د/ وكره مالك أن يقول السلطان للمتهم: أخبرنى ولك الأمان ، لأنه خديعة (شرح الزرقانى المالكى على مختصر خليل ، ج 8 ، ص 106 ـ 107).
هـ/ ويقرِّر الفقهاء أن القاضى أو صاحب السلطان ، حتى لو لم يحبس المُقر فعلاً ، ولكنه لم يُخل سبيله ، وقال له ، وهو فى يده: إنى لا أؤاخذك بإقرارك ، ولا أضربك ، ولا أحبسك ، ولا أعرض لك ، فإن شئت تقر ، وإن شئت فلا تقر ، فأقرَّ ، لم يجُز هذا الاقرار لأن كينونته فى يده حبس منه. وإنما كان هدَّده بالحبس ، فما دام حابساً له كان أثر ذلك الاكراه باقياً ، وقوله لا أحبسك نوع غرور وخداع منه فلا ينعدم به أثر ذلك الاكراه (المبسوط للسرخسى ، ج 24 ، ص ص 51 و70 ـ 71). 
(2/6) وعموماً فإن القاعدة الأصوليَّة فى الفقه هى أن دلالة الأحوال تختلف بها دلالة الأقوال فى قبول دعوى ما يخالفها ، وتترتب عليها الأحكام بمجرَّدها ، وتتخرَّج عليها مسائل كما لو تلفظ الأسير بكلمة الكفر ، ثم ادعى أنه كان مكرهاً ، فالقول قوله لأن الأسر دليل الاكراه والتقيَّة (القواعد فى الفقه الاسلامى للحافظ أبى الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلى ، ط 1 ، 1391 هـ ، ص 349). وإن مجرَّد إثبات واقعة الحبس كافٍ كقرينة فى الشريعة على وقوع الاكراه (المُغنى لابن قدامة ، ج 5 ، ص 273). 

(3)
(3/1) تلك هى وضعيَّة (الاكراه/التعذيب) فى منظور الاسلام الذى يدين به المسلمون فى بلادنا ، مستعربين وغير مستعربين ، فيتداخل فى نسيج ثقافاتنا الوطنيَّة على تنوِّعها ، ويسهم فى التشكيل الوجدانى لتكويناتنا القوميَّة على تعدُّدها. ومن هذه الوضعيَّة نستطيع أن نخلص ، فى نهاية مبحثنا هذا ، إلى أن (الاعتراف/الاقرار) ، فى الشريعة الضاربة بجذرها فى مصادرها المقدَّسة ، مثلما فى القانون الوضعى المستند فى غالبه إلى الفطرة السليمة ، هو عمل تحتوشه الشبهات ، ابتداءً ، من كلِّ حدب وصوب ، إلى الحدِّ الذى يمكن فيه اعتبار عِلة (قبوله) نفسها ، فى كلا النظامين القانونيين ، هى عِلة (استبعاده) فى آن واحد ، حيث القاعدة الشرعيَّة القائلة بأن "العاقل لا يُتهم بقصد الاضرار بنفسه" (بدائع الصنائع ، ج 1 ، ص 189) تكاد تتطابق ، مبنى ومعنى ، مع الحكمة الشعبيَّة القديمة فى الثقافة الغربيَّة: "nemo auditore perire volens ـ لا أحد يرغب فى أن يُهلك نفسه بنفسه" ، والتى استند إليها الذهن القضائى الغربى ، فى ما يبدو ، عند تأسيس القاعدة الوضعيَّة القائلة بأنه "ليس من المرجَّح أن يدلى الانسان بأىِّ بيانات ضد نفسه ما لم تكن حقيقيَّة" (قضية: R. V. Hardy 1794).
(3/2) وإذن فقاعدة القبول والاستبعاد ، بالنسبة (للاقرار) فى القرآن والسنة والفقه ، مؤسَّسة بوضوح تام على ضرورة التحقق من توفر عنصر (الاختيار) أو نقيضه (الاكراه) ، قبل التقرير بشأن صِحَّة أو عدم صِحَّة الأقوال الصادرة من المُقِر. فالاكراه مسقط للاثم عند الله تعالى ، ومسقط للعقوبة فى الدنيا ، لأنه مسقط للاختيار فى الانسان ، ولا إثم ولا عقوبة إلا مع الاختيار (محمد رواس قلعة جى ، موسوعة فقه عمر بن الخطاب ، ط 1 ، 1981م ، ص 97 ـ 98). أى أن الاقرار لا يصِحُّ إلا من عاقل مُختار ، "وأما المُكره فلا يصِحُّ إقراره بما أكره على الاقرار به" (المُغنى لعبد الله بن قدامة ، ج 5 ، ص 272 ـ 273). والمستوى المطلوب لإثبات الدفع بالاكراه وعدم الاختيار بالنسبة للاقرار فى الشريعة هو المستوى الذى يكفى لإثارة مجرَّد الشك فى ذهن المحكمة بأن الاقرار قد يكون ناتجاً عن اكراه أو عدم اختيار. وتلك هى ذات القواعد المُعتمَدة ، بنفس القدر ، فى القانون الوضعى. ويتبقى الفرق المائز بين النظامين ، فى هذه الناحية ، قائماً فى كون الشريعة ، كما قلنا ، تفترض الالتزام العقيدى فى عمل المُحقق المسلم الفرد والقاضى المسلم الفرد ، بما يجعل من الاخلال بأشراط هذا العمل كما يوجبها الاسلام إخلالاً ، فى المقام الأول ، بأشراط العقيدة نفسها ، فلينظر المعنيُّون أى نهج ينهجون!
(3/3) وثمة ملاحظة أخيرة ، قبل أن نضع النقطة فى نهاية السطر: لم توقع دولة السودان أو تعتمِد ، حتى الآن ، إتفاقيَّة الحماية من التعرُّض للتعذيب المجازة من الجمعيَّة العامَّة للأمم المتحدة منذ العاشر من ديسمبر عام 1984م ، والتى دخلت حيِّز التنفيذ منذ السادس والعشرين من يونيو عام 1986م!
 (إنتهى)