أستهل مرة أخرى الكتابة في هذه الصحيفة الموقرة شاكرا زميلي الاستاذ ضياء الدين بلال رئيس التحرير  الذى رحب بهذه الخطوة ، ولو سمح لي القراء الكرام  أرجو أن  أوضح لهم بأن علاقتي بهذه الصحيفة قديم فقد بدأت فيها أولي خطوات ولوجي لبلاط صاحبة الجلالة ومهنة البحث عن النكد والمتاعب كما يقول الزملاء : التحقت بها صيف عام 1986 حيث  كانت تبدى اهتماما كبيرا بشريحة المغتربين وكان تصل فى توزيعها  الى معظم دول الخليج ،وأذكر أن أول خبر طلب مني تغطيته شائعة  إنهيار كبري النيل الأبيض العتيق ، ذهبت رفقة زميلة أخري تدعي إيمان نفيد من بنات كسلا لا أدري أين هي اليوم؟ ولكن رغم طول المدة وانقطاع أخبارها عني أحييها أينما كانت ، هناك وجدنا بروفسير دفع الله الترابي وأظنه كان عميدا لكلية الهندسة في جامعة الخرطوم ، المهم  نفي لنا الخبر ،وقال أن الكبري بحاجة الى بعض الصيانة، الأستاذ محجوب عروة  مالك الصحيفة ومؤسسها هذا  الصحافي الأنيق شكلا وروحا وعاطفة كان يهتم بالعاملين معه أيما أهتمام بل كان يأتي بوجبات دسمة في أيام الجمع والعطلات وكان يصطحبنا الى منازل كبار السياسين في ساعات متأخرة من الليل من أجل التحقق من معلومة ما مهمة وصلت الى الصحيفة ، كان في الصحيفة وقتها ثلة من كبار الصحافيين أمثال ود ابراهيم وصلاح عمر الشيخ فيما بعد والزملاء معاوية أبو قرون وصلاح المبارك وعثمان نمر وابتسام عثمان ،  ومحمد يوسف وحسين حسن حسين  وتاج السر الملك  وراشد عبد الرحيموابراهيم صديق وحسن محمد صالح ،وحسن عزالدين وعبد المولى الصديق وغيرهم كثير فليسامحوني لعدم ذكر اسمائهم حفاظا على وقت القراء  وأعلم انهم لن يلوموني  وكان الاستاذ عروة من رؤساء التحرير القلائل الذين أعطونا رواتب حينما شردنا إنقلاب 30 البشير يونيو 1989 فهو اقتصادي خبير وفوق ذلك كله شخص دمث الأخلاق طيب المعشر يحس  بمعاناة من يعملون معه متعه الله بالصحة والعافية
•    الفيتوري الرمز
ما بيدي أن أرفعك ...ولا بها ان أضعك، أنت اليم ، وأنا احمل الامي معك ... وجائع  ومهجتي جوعها من جوعك... وأنت  عار  وأنا  ها انذا عار معك... يا شعبي التائه... ما أضيعني  وأضيعك... ما أضيع الثدي الذي أرضعني  وأرضعك ... يا ليته جرعني سمومه وجرعك ... فما أحتقرت أدمعي... ولا أحتضنت أدمعك ... ولا انكفأت فوق قبر اليأس أبكي مصرعك ... لا بورك حقل أطلعك.
تذكركم الكلمات أعلاه  بشاعر شفيف عذب العبارة  شجي الحروف ، نمد اليه ما أبجل من لفظ كريم المحيا عطر الروح عزيز المقاصد جميل السجايا ، ننثره على ثناياه فتستوي الرؤيا على عرش يومه  المطعم بألف زمردة وياقوتة مؤتلقة.
فى الثاني من اغسطس 2012 كتب زميلنا الاستاذ طلحه جبريل مدير مكتب جريدة الشرق الأوسط بالرباط التالي حول شاعرنا الكبير محمد مفتاح الفيتوري:
*مرت الآن قرابة ثلاثة أشهر منذ أن سمعت "وزير الثقافة" السوداني يقول على الهواء في برنامج إذاعي حول الشاعر محمد الفيتوري بث من الإذاعة السودانية ، إنه كتب شخصياً رسالة بخط يده وسلمها الى "رئيس الجمهورية"يطلب فيها إصدار جواز للشاعر الفيتوري، والتكفل بعلاجه ، وتقديم دعم مالي له. لم يصل "الجواز اياه" وما زال الفيتوري يعاني في عزلته، الى جانب زوجته المغربية "رجات" وابنته "أشرقت". الحال كما هو " لاشيء يحدث لا أحد يجيء". الفيتوري موجود في الرباط منذ عام 2005، وإنه لم يغادر داره منذ ذلك الوقت فقد أصيب الرجل أصيب بشلل في الجزء الأيمن، لذلك لم يعد يستطيع أن يحرك يده، كما إنه لم يكن قادراً على المشي بسبب شلل جزئي للرجل اليمنى. و في مايو 2005 تعرض إلى جلطة، أفقدته  و فقد الكثير من ذاكرته  حسبما صرحت زوجته للزميل طلحه. وفيما بعد كتب البعض فى بعض المواقع الأسفيرية أن الرجل فارق هذه الفانية وإذا بزميلنا طلحه يتكبد المشاق ويزور الرجل فى داره العامره ويطمئننا على أنه حي يرزق.
وبعد كل هذه المدة الطويلة فقد كتبت الزميلة سوسن محجوب بهذه الصحيفة، خبرا مفاده : أن  وزارة الخارجية أنهت يوم الاربعاء الموافق12/3/2014 سنوات من إنتظار الشاعر السوداني الكبير محمد مفتاح الفيتوري ومنحته الجواز الدبلوماسي ، تمهيداً لإكمال إجراءات عودته للسودان. وفى سياق الخبر ،وعد  صديقنا  الدبلوماسي الأنيق المتحدث باسم الخارجية السفير أبوبكر الصديق خطوة وزارته بأنها تأتي تكريمًا للفيتوري الذي يعتبر رمزاً للعمق الثقافي والأدبي في علاقات الشعوب وتجسد حقيقة الارتباط الوثيق بين الثقافتين العربية والإفريقية خاصة بلدان تجمع الساحل والصحراء. ونوه الصديق إلى تزامن منح الجواز مع بدء أعمال اجتماعات المجلس التنفيذي لتجمع (س ـ ص) التي أنهت  أعمالها في الخرطوم مضيفاً للصحافيين أن وزير الخارجية علي كرتي وجه سفير السودان بالمغرب حيث يقيم الفيتوري بزيارته وتسليمه الجواز الذي يصل اليوم إلى الرباط عبر الحقيبة الدبلوماسية ليبدأ إجراءات عودته إلى وطنه.
والله إن المرء ليشعر بالخزي والعار  لتقاعس حكومتنا تجاه قامة من قامات السودان السامقة  كالفيتوري الذى مثل السودان خير تمثيل وربما بأفضل مما فعلته سفارتنا التى سلمته هذه الوثيقة التى تمكنه من قضاء ما تبقى له من عمر مديد بإذن الله فى وطنه، كثيرون كتبوا يطالبون حكومتنا وأجهزتها المختصة بضرورة الإلتفات الى الرجل وهو يعاني المرض والضعف ،وفى مقدمتهم صديقنا الاستاذ طلحه جبريل مدير مكتب صحيفة الشرق الأوسط في الرباط ولكن لا حياة لمن تنادي فقد دأبت حكومتنا على تجاهل المبدعين والإكتفاء فى أحسن الأحوال بالسير خلف جثامينهم وجنائزهم . الفيتوري ولد في الاسكندرية  عام 1936وحفظ القران الكريم بالمعهد الديني والازهر الشريف، ودرس بكلية دار العلوم وعمل محررا بالعديد من الصحف السودانية والمصرية. وعين خبيرا إعلاميا بالجامعة العربية ما بين عامى 1968 – 1970 م.ثم عمل مستشارا ثقافيا بسفارة ليبيا في إيطالياومستشارا وسفيرا بسفارة ليبيا في بيروت. كما عمل مستشارا سياسيا وإعلاميا بسفارة ليبيا بالمغرب. حصل على جائزة الوسام الذهبى للعلوم والفنون والآداب (السودان) 1990. والفيتورى من رموز الشعر السودانى  وروائعه التى تغني بها كبار الفنانين كثيرة منها (أصبح الصبح ولا السجن ولا السجان باقي واذا الفجر جناحان يرفان عليك واذا الحزن الذي كحل تلك المآقي والذي شد وثاقا لوثاق والذي بعثرنا في كل وادي فرحة نابعة من كل قلب يابلادي  لمحمد وردي) وياقوت العرش والتى يقول فيها: دنيا لا يملكها من يملكها...أغنى أهليها سادتها الفقراء... الخاسر من لم يأخذ منها ...ما تعطيه على استيحاء... والغافل من ظنّ الأشياء هي الأشياء.  ومن قصائده التى شكلت الوجدان السوداني  تلك التى يقول فيها: في زمن الغربة والارتحال
تأخذني منك وتعدو الظلال
وأنت عشقي حيث لا عشق يا سودان
إلا النسور الجبال
يا شرفة التاريخ
يا راية منسوجة
من شموخ النساء
وكبرياء الرجال.
وبالرغم من أن خطوة منح الجواز الدبلوماسي لشاعرنا الفيتوري جاءت متأخرة جدا الا أننا نقول : أن تأتي خير من أن لا تأت مطلقا سائلين الله له طول العمر وجليل العمل والأثرفي بلده السودان ليرسي فيه مراكبه بعد طول غياب ويطلق اطياره وينثر وروده وازاهيره المبهجة ويتغني بجميل الحرف وشجي النغم ويلهج لسانه من جديد بطقوس المحبة لهذا الوطن الذي احبه شعبه وخذلته حكومته .
ومن شعره:
في حضرة من اهوى عبثت بي الاشواق
حدقت بلا وجه ورقصت بلا ساق
وزحمت براياتى وطبولى الافآق
عشقي يفني عشقى وفنائي استغراق
مملوكك لكني سلطان العشاق
*شذرات
ومما شجاني أنها يوم ودعت تولت وماء العين في الجفن
فلما أعادت من بعيد بنظرة الي التفاتا أسلمته المحاجر
كاتب وصحافي مقيم فى الدوحة
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////