برحيل الشيخ العلامة  الدكتور حسن عبد الله الترابي يكون قد هوى للعلم نجم ، وانطفأ للمعرفة سراج ،
كما قال رسولنا الامين عليه افضل الصلاة واتم التسليم "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالماً اتخذ الناس رؤوساً جُهّالاً. فسئلوا فأفتوا بغير علم ؛ فضلوا وأضلوا.نعم (متفق عليه
: هم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء، ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله عن العلماء
 
: حاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض من طاعة الآباء والأمهات بنص الكتاب
لم يكتسب الراحل الشيخ الدكتور حسن عبد الله الترابي  احترام خصومه قبل أنصاره لمواقفه السياسية الجريئة والثابتة فحسب، بل وأيضا لأنه كان على درجة رفيعة من الثقافة والوعى والتفكير الديني المستنير على الاجتهاد ليظهر كفقيه شديد الوعي يرتقى بمعاني ورسالة الإسلام النبيلة، وصف الفقيد بأنه كان مفكرا  إسلاميا من طراز فريد  وسياسيا المعيا ذكيا، وفقيها دستوريا شهيرا، وصفه الحزب الشيوعي السوداني في بيان بعيد وفاته مساء السبت 5/3/2016عن عمر ناهز ال84 عاما ، بأنه مفكر وطني، وقائد حقيقي ، فيما وصفه  صهرة الإمام الصادق المهدي ( شقيق زوجة الراحل – وصال المهدي ) أنه عالم فذ جمع بين العملين  السياسي والفكري  و أن رحيله عظه للجميع ، وصفه الشيخ الدكتور القرضاوي: بأنه عالم مجتهد ، وعدد كثيرون مناقبه وابحروا في سيرته العطرة لكن الحديث عن مناقب وسيرة رجل في قامة الشيخ الدكتور الترابي لتلميذ مثلي صعب ، ولكننا على أية لا نقول الا ما يرضي الله ، فقد حفظ الفقيد  القران الكريم في صغره بعدة قراءات ، وتعلم علوم العربية والشريعة على يد والده ، كان رحمه الله مهموما بقضايا الوحدة الاسلامية والحرية ، وقد ظهرت حنكته ونباهته السياسية ، وهو ما يزال شابا  صغيرا، حينما اقتحم غمار العمل السياسي، وكان أحد رموز ثورة أكتوبر المجيدة ، 1964ولعل مما ميزه عن أقرانه من رموز الحركة الاسلامية في المشرق العربي  ومغربه هو إنتقاده أسلوب التربية بالتلقين في صفوف كوادر الاخوان ،عوضا عن الحوار والمناقشة، وكان رحمه الله مؤمنا بالتغير الذي تصنعه الدولة في سلوك الافراد، لعله كان يقتفي أثر المقولة الخالدة: ( إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزعه بالقران) اهتمامه بوحدة المسلمين قاطبه تجلي في سفر رصين خطه بعنوان - قضايا الوحدة والحرية ، فضلا عن سعيه الدؤوب لتحقيق هذا المشروع النهضوي الكبير، حيث كان الفقيد مؤسسا  للمؤتمر الشعبي العربي الاسلامي في الخرطوم 1991 والذي كان يضم رموز اسلامية ويسارية من أكثر من 45 بلدا  في العالم،  كان من بينهم الراحل الشيخ أسامة بن لادن ، و أيمن الظواهري واخرين كثر ، في اخر خطبه خطبها بمسجد القوات المسلحة بالخرطوم، قبل يوم واحد من إنتقاله الى الرفيق الأعلى،بحضور الرئيس السوداني عمر البشير، أكد على أهمية الوفاء بالعهود  السياسية وغيرها، وقبلها بأيام قليلة  كان يعرب عن أمله في أن يرى السودان امنا مستقرا وسائر بلاد المسلمين ، كان رحمه الله يعمل من أجل  الصفين الوطني والمسلم والاسلامين في السودان، ولعل في عودة نائبه الدكتور على الحاج محمد من برلين في المانيا الى الخرطوم لتقديم واجب العزاء في الفقيد فرصة لدفع الحوار نحو توحيد كيان الحركة الاسلامية في السودان، فقد رحل الشيخ الترابي بعد أن بني بنيانا قويا يقوم على دعائم قوية ،  وستظل المدرسة الترابية متجذرة في تربة السودان ما بقى تلاميذه وفكره ، والأمل كبير في أن يتمكن اخوته في المؤتمرين الوطني والشعبي في رأب صدع كاد أن ينسف كل الانجازات التي بنوها، والرجل على زعامة الحركة الاسلامية ، إن المحن التي تعرض لها الشيخ الترابي أكثر من أن يعدها المرء أو يحصيها القلم في مقال ، فقد أوذي الرجل كثيرا من تلامذته وخصومه على حد سواء ، وقبل سنوات تعرض  الى لكمات قويات من  ملاكم سوداني في مطار اتاوا في كندا وهو الشيخ الكهل، ولم يراع ذلك الرجل مفتول العضلات سن الرجل وشيخوخته ،مما سبب له اذي جسيما في دماغه، وكانت سنوات سجنه في بورتسودان هي الأشد على قلبه وجسده فقد أصيب فيها برطوبة في القلب ، وأن يصاب رجل في سن الشيخ  الترابي  بأمراض القلب وغيرها أمر طبيعي ، لكن مع كل ذلك كان الرجل نحلة وشعلة متقدة من الحماس، وكل من عرفه وجايله يشهد له بأنه كان ذو ذهن متقد،  كان رحمه الله دائم التفكر والتأمل حتى إن كثيرين من الساسة في بلادي ما كانوا يستطيعون استيعاب مبادراته واطروحاته الجرئية في المجال السياسي، كان الشيخ الترابي علامة متبحرا في دنيا الفكر واستاذا بارعا في السياسة سواء اتفق الناس حول أدائه أو اختلفوا ، وكونه يثير كل هذا الغبار الكثيف حتى لحظة توقف قلبه الكبير يدل بوضوح على أنه لم يكن سياسيا عاديا ولا مفكرا تقليديا ، ولا فقيها دستوريا فحسب بل كان رحمه الله أمة من الرجال ندر إن نجد مثله ، وبوفاته تكون الامة الاسلامية قاطبة فقدت فارسا ما كان يشق له غبار .
عشرات اللقاءات جمعتني بالشيخ الترابي كتلميذ وصحافي ،  وتصريحات عديدة  نقلتها عنه وأذكر ذات ليلة في منتصف الثمانينات ذهبت  في معية الاستاذ محجوب عروة رئيس تحرير السوداني الدولية حينها ،وكنت محررا صغيرا يومها ، ذهبنا سويا الى منزله العامر في المنشية وخصنا بتصريح قوي ، ثم رافقته في رحلةاستمرت لأكثر من اسبوع   بالسيارات من الخرطوم مرورا الى مروي ثم كريمة والقري المجاورة لهما ثم كورتي والقري المجاورة لها وصولا الى الدبة حيث نزلنا في منزل الدكتور الصيدلي صلاح قيلي متعه الله بالصحة والعافية ، الرحلة كان فيها الراحل الشيخ محمد محمد صادق الكاروري، الشيخ الراحل يسن عمر الامام عليهما الرحمة وعددا من مشايخنا الاجلاء من قادة الجبهة الاسلامية القومية، كنت وقتها  أمثل جريدة السوداني في الرحلة فيما كان الزميل الدكتور سراج الدين عبد الغفار يمثل جريدة الراية، وكانت الزيارة الى تلك المناطق في أعقاب سيول وفيضانات 1988 التي دمرت العديد من بيوت المواطنين ، وعقد الوفد عشرات  اللقاءات والمهرجانات الخطابية كان الدكتور الترابي بحق نجمها وفارسها الأوحد ، وكم كنت مبهورا بلغته الرفيعة حينا والبسيطة حسب مقتضى الحال أحيانا اخرى، وما كان المرء يخطئ بريقا في عينيه وهو يخاطب في كل مكان جموعا هادره كانت تزحف لسماع خطبه، كان نشطا وذا همة عالية ، يقف الساعات الطوال يخطب دون كلل أو ملل، وقد كانت تلك الرحلة واحدة من اسباب  احترامي وتقديري للرجل وعلمه وفصاحته وقوة عزيمته، وقبلها بنحو عامين كان الرجل في زيارة لمدينة دنقلا حاضرة الولاية الشمالية ، على راس ثلة من قيادات الجبهة الاسلامية مبشرا بميلادها قبيل الانتخابات التي جرت حينها في البلاد، وجاء ترتيبها ثالثا،بعد الامة والاتحادي الديمقراطي كان في الوفد عدد من رموز الحركة الاسلامية، أذكر منهم  الراحل بروفسير أحمد على الامام  الدكتورة سعاد الفاتح والدكتورة لبابة الفضل ، والشيخ أحمد عبد الرحمن محمد، والشيخ عبد الجليل النذير الكاروري، والدكتورة حكمات حسن سيد أحمد، وغيرهم  وقد أبهر الترابي أكثر من عشرة الاف مواطن ومواطنة جاءوا من مناطق دنقلا كلها، وربما بفضل تلك الليلة فازت الجبهة بدوائر دنقلا الثلاث ، حيث فاز البروفسير أحمد على الامام في دائرة دنقلا الوسطي، فيما فاز الاستاذ حسن ساتي في دائرة  دنقلا الجنوبية – القولد وفاز الدكتور عبد الوهاب عثمان يرحمه الله في دائرة دنقلا الشمالية ارقو والحفير.
يحزن المرء لرحيله الترابي ولكنه قضاء الله النافذ في كل أحد منا
وكل إبن أنثي وإن طالت سلامته يوما على اله حدباء محمول
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوان
وتجاوزت شخصية الترابي حدود العمل السياسي بكل مفاجآته وعواقبه، ليصنع من نفسه داعية ومفكرا له تأثيره  الطاغي على الخاصة و العامة، ليس في السودان فحسب وانما في العالم العربي والاسلامي والغربي أيضا ، وكان معروفا لدي الدوائر الاعلامية ومراكز البحوث العالمية كمفكر واسلامي وسياسي بارز، فصار من أشهر قادة الإسلاميين في العالم والمجتهدين على صعيد الفكر والفقه الإسلامي المعاصرين، وترجم ذلك في مؤلفات عديدة لعل ابرزها  تفسير القرآن، وأصول الفقه، فضلا عن كتب كثيرة أخرى في مجالات الإصلاح الإسلامي، وعدة رؤى فقهية مثيرة للجدل من أبرزها، فتواه بإمامة المرأة للرجل في الصلاة، وإباحة زواج المرأة المسلمة من أهل الكتاب
وكانت بداية  الشيخ الدكتور حسن الترابي رمز المعارضة السودانية ورئيس المؤتمر الشعبي في دراسة الحقوق بجامعة الخرطوم منذ عام 1951 حتى 1955، ثم حصوله على الماجستير من جامعة «أكسفورد» عام 1957، ودكتوراه الدولة من جامعة «سوربون» بباريس عام 1964، ثم قدرته  مع مرور السنين، وبحكم شغفه بالعلم والمعرفة، اتقان  4 لغات بفصاحة وهي العربية، والإنجليزية، والفرنسية، والألمانية.
وصار الترابي أستاذا في جامعة الخرطوم ثم تم تعيينه عميداً لكلية الحقوق بها، لتكون هذه لحظة ميلاد حياته السياسية قبل أن يحظى بثقة السلطة ويتقلد منصب وزير العدل في السودان عام 1988، ثم وزيرا للخارجية وصولا إلى اختياره رئيساً للبرلمان السوداني عام 1996، سيرة الفقيد  تحتاج لمجلدات حتى نوفيه حقه.
كان  الترابي أيضا نصيرا كبيرا للمرأة ويكفي أنه منح المرأة حق الانتخاب والترشيح لكافة المناصب في المجالس التشريعية والمحلية بما في ذلك منصب رئيس الجمهورية مع التأكيد على المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة واقر بحقها في الوصول لأرفع المناصب القضائية في دستور1998  ومن حسن الصدف انه مات في اليوم العالمي للمرأة.
وها هو الموت يطوي السنوات  التي نيفت عن الثمانين من عمر شيخنا الفقيد ليستريح من رهق الدنيا وأوصابها  رحم الله الترابي فقد رحل قبل ان يوحد اهل السودان والاخوان ،رحم الله الشيخ الترابي رحمة واسعة وغفر له ذنوبه  ونفع الله بعلمه الناس جميعا انا لله وانا اليه راجعون ولأسرته وتلاميذه واخوانه ومحبيه في الداخل والخارج  ولكل أهل السودان خالص العزاء.      

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.