(كلام عابر)

في صباح يوم من أيام شهر ديسمبر 1966م غادر بنا القطار الخرطوم في طريقه إلي شندي. كنا مجموعة من طلاب التاريخ في السنة الثالثة في كلية الآداب، جامعة الخرطوم وكانت وجهتنا منطقة آثار مملكة مروي القديمة في البجراوية والنقعة والمصورات المجاورة لشندي وكبوشية. طوال الرحلة من الخرطوم لشندي ولعدة ساعات بعد وصولنا شندي كان زميلنا علي عبدالقيوم غارقا في مطبوعة بين يديه عزلته عن كل الحياة والضجيج من حوله صائما عن الكلام حتى فرغ مما كان فيه وأكمل قراءة المطبوعة. كانت المطبوعة هي مجلة "حوار" البيروتية وكان الموضوع الذي استأثر بكل ذلك الجذب الصوفي هو رواية "موسم الهجرة للشمال" التي قال لنا علي إنها لكاتب سوداني "جديد" اسمه الطيب صالح. انتقلت المجلة بعد ذلك لزميلنا عبدالله جلاب الذي  انجذب مثل علي واستغرق في القراءة. كانت تلك أول مرة نسمع فيها بالطيب صالح ولكني لم أقرأ الرواية إلا بعد ذلك بأكثر من عام حينما صدرت من دار الهلال. كان علي عبدالقيوم وعبدالله جلاب يتميزان علينا، وما زالا، بأشياء كثيرة من بينها الموهبة والحس الأدبي ووصول مراكبهما قبلنا لبحر الطيب صالح.
كتبت عن هذه الرحلة في "الخرطوم" في ديسمبر 1998م  بشيء من التفصيل عندما رحل علي عبدالقيوم وأستدعيها اليوم في مناسبة رحيل أخرى  تحمل في طياتها الالم والمأساوية ولكنه  ليس رحيل شخص واحد بل غياب جزء من الوطن،  فلن يعود الوطن أبدا بمثل ما كان عليه حينما كانت الحياة تجري في شرايين الطيب صالح. سالت دموعنا يوم راينا دموعه على شاشة التلفزيون وهو يودعنا ويقول إنه يتمنى أن يزور الوطن لو كان في العمر بقية ولكنه في نفس الوقت يحمل الوطن في دواخله أينما رحل. "وأحمل معي بلدي .. متحملا كمدي" كما قال علي عبدالقيوم. نقدم اليوم العزاء لشقيقه في أم درمان ولأبناء شقيقته في بورتسودان ولكنها ليست حالة حزن أسرية أو سودانية. في نهار الأربعا تلقيت وأنا في الدمام رسالة على الهاتف الجوال من ابني هشام في الخرطوم يقول لي فيها معزيا "البركة فيكم في وفاة الطيب صالح". نفس نهار الأربعاء دخل الأستاذ عتيق الخماس الصحفي الكبير ونائب رئيس تحرير صحيفة"اليوم" السعودية في حالة حداد حقيقي. عندما حاول  ابنه توفيق أن يستجلي الأمر دفع إليه بكتابي "موسم الهجرة للشمال" و"عرس الزين" قائلا له "لقد رحل كاتب هذين الكتابين..رحل أعظم كاتب أنجبه الوطن العربي يا ولدي".
كان الطيب صالح متسامحا يبشر بالتسامح بين الناس .. كانت آخر رسالة له عبر تلفزيون السودان هي التسامح، ولهذا لن نلعن اليوم من كانوا السبب في أي وقت من الوقات في بقائه لحظة واحدة خارج وطنه سواء كان ذلك في عام 1967م أو بعد ذلك. كان الطيب صالح وسيظل كذلك إلى ما شاء الله أفضل ما حققه السودان منذ رفع علم الاستقلال في مطلع عام 1956م، سيظل هو المشروع الناجح المكتمل الوحيد الذي حققه السودان وسيظل كل كاتب  متأثرا بطريقة أو بأخرى  بغيض من فيض الطيب صالح. منحنا الطيب صالح السبق والتميز على العالمين وجعلنا مرة واحدة محط أنظار كل الدنيا ومنحنا وطنا نفتخر بالانتماء إليه لأنه هو نفس الوطن الذي أنجبت حواؤه الطيب صالح. أعطانا ما لم يعطه كاتب قط لوطنه وقدم السودان ،كما هو بلا تزيين ولا تجميل ، للعالم وسما فوق الاسوار العربية لينقل معه بت مجدوب وودالرواسي والطاهر ومحجوب وعبدالحفيظ وسعيد عشا البايتات لكل لغات الدنيا وجواز مروره هو الصدق والإبداع الحقيقي الذي يشبه الإعجاز، وبعض الناس في بلادي مازالوا إلي يومنا هذا يعتذرون عن السلم الخماسي ويعيبون عليه عدم ملامسته للأذن العربية وكأن ذلك هو مقياس القبول..
منسي وكرمكول وود حامد والنخلة على الجدول والنيل والسواقي والصحراء والجروف والزين كلهم أصابهم اليتم  وسكنهم الحزن وتوشحوا بالسواد. حزنت من قبل لرحيل محمد المهدي المجذوب وصلاح أحمد ابراهيم، كان حزني شديدا لأني لم أر أيا منهما رؤية العين.. الطيب صالح هو الآخر لم يكرمني الله سبحانه وتعالى برؤيته وإن كنت أحمله في داخلي كما كان هو يحمل كل الوطن في داخله، وهذه هي حالة الحزن الخاصة.
(عبدالله علقم)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.