• Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size
الصفحة الرئيسية منبر الرأي لمزيد من المقالات في منبر الرأي الأستاذ محمود مابين ميزان القيم وتلبيس احمد طه ووقيع الله .. بقلم: احمد العجب
الأستاذ محمود مابين ميزان القيم وتلبيس احمد طه ووقيع الله .. بقلم: احمد العجب طباعة أرسل إلى صديق
الأحد, 24 آذار/مارس 2013 12:20


alaa bashir [alaabashir7@gmail.com]

بسم الله الرحمن الرحيم
ردا على ما نشر بصحيفة الانتباهة ...
الاستاذ محمود مابين ميزان القيم و تلبيس احمد طه و وقيع الله
بقلم احمد العجب
"قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ( 103 ) الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (104) أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ( 105 )" سورة الكهف
صدق الله العظيم
كتب المدعو أحمد طه محمود بصحيفة الإنتباهة بتاريخ 17 فبراير 2013 تحت عنوان: (شاهد على ردة محمود محمد طه) مدعيا بأن شهادته "من أجل الحقيقة ودحض وتفنيد المزاعم التي رددها بعض خبراء القانون ممن توفاه المولى عز وجل" كما زعم بأن "لم تعرف الأوساط السياسية أن الحزب الجمهوري برئاسة محمود محمد طه حزباً ذا وزن في ميزان السياسة السودانية ولم يكن يمتلك من الإمكانات والمقدرات التي تؤهله التأثير على سلوك وحياة المجتمع وخارطة العمل السياسي حتى يجعل منه نداً لحكومة الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري"..
أقول له فإن كان قولك هذا صحيحا فلماذا لم تترك تلك الحكومة هذا الحزب يموت موتا طبيعيا ولماذا حيكت مؤامرة القصر الجمهوري بين النميري ومستشاريه القانونيين لاغتيال رئيس هذا الحزب الذى تراه أنت قليل الوزن وعديم القدرات؟ ذلك لأنك رجل ملبوس عليك لا ترى قيمة الحزب إلا فى كثرة أتباعه وعندك القيمة لـ"الكم" وليست لـ"الكيف" وإلا فإن الحزب الجمهوري وإن كان قليل الأتباع خفيف الوزن فى نظرك فهو ثقيل الوزن من حيث الكيف بحيث لو وضعت كل الأحزاب السودانية فى كفة ووضع هو وحده فى الكفة الأخرى لوزنها ورجح بها وذلك لأنه الحزب الوحيد من بين تلك الاحزاب الذى نشأ خارج النطاق الطائفي ولأنه قد سبق جميع الأحزاب السودانية فى مجال مناهضة الاستعمار ومصادمته واثارة حماس جماهير الشعب السوداني ضده ولأنه الحزب الوحيد الذى يمتلك منهجية مفصَّلة فى الدعوة لبعث الإسلام ليكون خلّاقا فى صدور الرجال والنساء وكتب فى سبيل ذلك العديد من الكتب وأقام مئات المحاضرات والندوات فى مختلف مدن السودان وقراه فأصاب هذا النشاط المكثف للحزب الجمهوري وقوة طرحه ووضوح بيانه الذى جعل هذه الأحزاب تخشى مواجهته فى ميدان الحوار ومقارعة الحجة بالحجة وأصابها الخوف والذعر على مستقبلها السياسي فنقلت صراعها مع الحزب الجمهوري إلى ميدان التآمر والدس والخيانة والتشويه. فدبرت مؤامرة إغتيال الاستاذ محمود محمد طه مع قوى الظلام وجماعة الإسلام السياسي وأسندت هذه الجماعة مهمة تنفيذ جريمة الاغتيال لنميري وسدنته من واضعي قوانين سبتمبر 1983 وقضاته التالفين ولما رأت هذه القوى الرجعية أن فكرة الحزب لم تمت بموت صاحبها عمدت إلى تشويهها بافتراءات كُتَّاب لا يرعون لله إلَّاً ولا ذمة أمثال محمد وقيع الله الذى بلغ به الفجور فى الخصومة أن يخون فى النقل من كتاب الأستاذ محمود: الرسالة الثانية من الإسلام حيث وقف فى نقله من سياق الكتاب عند كلمتي "ويكون الله" ولم يواصل فى النقل بعد هاتين الكلمتين مباشرة حيث تتم الفكرة بالقول: "غير انه ليس لله تعالى صورة فيكونها ولا نهاية فيبلغها وانما يصبح حظه من ذلك ان يكون مستمر التكوين". ثم إن هذا الكاتب حاول عبثا قلب الآيات المعلقة بجدران صالون الاستاذ محمود الى عكس معانيها الدالة على وجوب أدب العبد مع الرب ومن أجل حرص الاستاذ محمود على هذا الادب وضع هذه الآيات نصب عينيه لتذكره دائما بالمطلوب منه من الادب مع الله والآيات هي: "وَخَشَعَت الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا" و"وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ" و "إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً" و "وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً" و " قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ".. فمن أين لهذا الكاتب القول بأن الاستاذ محمود محمد طه يقصد من هذه الآيات بأنه الله؟!!
أما المدعو أحمد طه محمود فقد أسرف على نفسه عندما حاول عبثا أن يجعل من شهادة الزور شهادة صدق. إذ بلغ به الحقد على الجمهوريين أن يرتكب جريمة القذف وأن يضع نفسه فى موضع الفاسقين حيث تساءل فى موضوع شهادته الكاذبة تلك قائلا: (كم من الفتيات اللاتي انتهكت أعراضهن بجنيه سوداني واحد «بقاعدة الخابور والصامولة») مع أن جميع زيجات الجمهوريين والجمهوريات تمت على كتاب الله وسنة رسوله ووفق أحكام الشريعة الإسلامية المتفق عليها فى المذاهب الأربعة وقد وثقت هذه الزيجات بقسايم الزواج الصادرة من المحاكم الشرعية.. وإليكم حكم الله فيه وفى أمثاله: "وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ".
ولقد شاركت صحيفة الإنتباهة هذين الكاتبين مشاركة كاملة فى ما هدفا إليه من قذف وكذب ضار وتشويه وكيد رخيص ودفاع بالباطل عن جريمة إغتيال الاستاذ محمود محمد طه ومحاولة كسي عريها بثوب الشريعة الإسلامية بل أن الصحيفة المذكورة قد ساندت هذين الكاتبين برفضها لنشر توضيح وتعقيب الجمهوريين على تخرصاتهما فى نفس الصفحات في تنكر واضح وسافر لحق الجمهوريين الأدبي والقانوني وهذا يعتبر فى ادني مستوياته فرارا وتولية للأدبار من ميدان الصراع الفكري الحر خوفا من الهزيمة الساحقة الماحقة وصدق الله العظيم حين يقول: "لنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ۖ وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ".
وإليك يا شاهد الزور شهادة شاهدين من أهلك تثبت ان الامر عكس ما تقول.. فقد جاء فى صحيفة "الصباحية" عام 2000م فى لقاء أجرته الصحفية احلام حسن سليمان مع الرئيس الاسبق نميري:
س1: سيادة الرئيس المشير نميري رغم انك قوي تأمر ولا تؤمر ولكنك دفعت دفعا للموافقة على إعدام محمود محمد طه لأن البعض أراد ان يزيحه من طريقه؟ (وضع يديه على رأسه ونظر إلى أسفل وامتلأت ملامحه بأسى حقيقي حتى اشفقت عليه وندمت على هذا السؤال وبعد ان خلت صمته لا ينتهي قال: ندم العالم كله لن يكفيني حينما أذكر محمود محمد طه، حقيقة ذلك الرجل الشيخ اسير آرائه العجيبة لم أكن أريد قتله. الترابي قال لى إن محمود محمد طه يريد ان يكون حلفا مع اليسار وقال لى الجمهوريين قوة لا يستهان بها وإذا اجتمع هو واليسار فإني لا محالة هالك وجاء قرار إعدامه حمله لى الترابي وطلب توقيعي عليه. وقتها الأمر كان جد خطير فى الداخل والخارج وحاول الجميع من قبل إثناء محمود محمد طه عن آرائه..تركت القرار دون توقيع يومين..وفى صباح اليوم الثالث ذهبت إليه بالملابس المدنية قلت له: يحزنني ان تموت فقط اتنازل عن آرائك ولكنه تحدث معي بطريقة ظننتها صلفا وقتها ولكن الآن علمت أنها كبرياء بدقائق الأمور وقال لى تنازل انت عن آرائك أما أنا أعلم إني سأقتل وإذا لم أقتل فى محاكمة علنية سيقتلني الأخوان المسلمين سرا أذهب واتركني أنا أعلم أني سأموت.
وجاء فى صحيفة الوفاق فى تحقيق اجراه صاحبها الصحفي المرحوم محمد طه محمد أحمد مع المؤرخ د. حسن مكي ما يلي:
س1: يبدو أنك يا حسن متأثر بأفكار وشخصية محمود محمد طه؟
ج: والله أنا من المتأثرين به أنا كنت أعرفه وأتردد على منزله فى ذلك الوقت وكنا شباب الثانويات نجد عنده اللقمة نتعشى عنده وكنا نعجب ان الشخص الذى يشغل الساحة الفكرية شخص بسيط زاهد ومتواضع وكان المفكر الوحيد المطروحة كتبه فى السوق.
س2: وحينما أعدم؟
ج: حينما أعدم كنت مسرحا لافكار شتى السياسي فينا يتكلم بأن الحمد لله ربنا خلصنا من خصم قوي وكان ح يعمل لينا مشاكل وكان يكون أكبر تحدي لفكر الحركة الاسلامية السياسي.. والفكري فينا كان يتحدث بأن هذا الشخص عندو قدرات روحية وفكرية أعلى مننا وأحسن مننا لكن السياسي دائما ما ينتصر هنا.
س3: هل كان إعدام محمود محمد طه سياسيا؟
ج: نعم كان إعداما سياسيا.
س4: وإنت فى ذلك الوقت انتصر فيك السياسي على الفكري؟
ج: نعم..
س5: والآن؟
ج: أنا بفتكر محمود محمد طه جرعة كبيرة لا نستطيع أن نتحملها. الناس ما قادرين يتحملوا حسن مكي يتحملوا محمود محمد طه؟ (وضحك حسن مكي)
س6: لكن أمين حسن عمر قال الترابي انتصر عنده الفكري على السياسي وكان ضد إعدام محمود محمد طه؟
ج: أنا لا أريد أن أدخل بين الترابي وأمين ولكن اعتقد ان الصف الإسلامي كان فى ذلك الوقت كان جميعه مع إعدام محمود محمد طه.
س7: نحن نسأل عن موقف حسن الترابي؟
ج: أنا أعتقد انه كان خائف نميري ينكث عن إعدام محمود محمد طه ويدعو الله ألا يحدث ذلك.
س8: الرأي الفقهي فى هذه القضية؟ (مقاطعا)
ج: القضية سياسية (ما فيها أى فقهي) خصوصا وأن محمود محمد طه كان أقوى فى طرحه ضد الشريعة الإسلامية فى ذلك الوقت.
س9: لكن الترابي يعلن دائما أن المرتد فكريا لا يقتل؟
ج: أنت تريد ان تخرِّج لموقف الترابي وأنا اوثِّق للتاريخ.
س10: هناك رأي يقول ان د.الترابي كان حريصا على إعدام محمود محمد طه وأن محموداً كان يمثل منافسا شخصيا له على مستوى الطرح الإسلامي؟
ج: هسع الانقاذ ما كتلت ناس ما كتلت مجدي فى دولارات؟ لأنه كان مؤثر على سياستها الإقتصادية؟ فكيف إذا كان مؤثر على مشروعك كله؟ (هسع كان جبت الترابي يقول ليك أنا ما موافق على قتل مجدي وأمين يقول ليك نفس الكلام).
وإليك ايضا وثيقتين: مؤامرة نميري وأعوانه القانونيين واضعي قوانين سبتمبر 1983 على تدبير جريمتهم لإغتيال الأستاذ محمود ولأن الله لا يهدي كيد الخائنين يسر لنا وصول هاتين الوثيقتين عقب انتفاضة مارس/ابريل 1985م أو قل بعد الطوفان الذى اكتسح المتآمرين ولفظهم فى مزبلة التاريخ وقد سبق للأستاذ محمود أن أنذرهم إلم يستجيبوا لنصيحته المخلصة المبرأة من الغرض فى منشوره موضوع المحاكمة: هذا أو الطوفان..
(1) كتب النيَّل أبوقرون محرضا النميري على الجمهوريين: "إن الجمهوريين أتاحوا لنا فرصة تاريخية لمحاكمتهم وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ولا شك أنها بداية لدون مسيرة ظافرة بإذن الله يتساقط دون هدفها كل مندس باسم الدين."
(2) وكانت الوثيقة الثانية مكتوب النميري التالي لمستشاريه القانونيين: "آخر هوس الإخوان الجمهوريين هو هذا المكتوب –يعني منشور هذا أو الطوفان- الذى أرى بين سطوره الردة بعينها أرجو الإطلاع عليه ومعكم الأخ بابكر سأجتمع معكم للتشاور فى الأمر إن شاء الله بعد ان تكونوا على استعداد."
أخوكم فى الله جعفر محمد نميري 1304هـ
إذاً، فقد تمت المؤامرة بين نميري ومستشاريه وجماعة الإسلام السياسي على إغتيال الأستاذ محمود لأنهم يعلمون بأنه لن يصمت عن مواجهة قوانينهم الزائفة كما صمت الترابي والصادق المهدي حين ذكرت أنت فى شهادتك العجيبة أن الأوّل صمت بعد ان قبض ثمن سكوته وهو نقله من ديوان النائب العام مصعَّدا إلى وظيفة مستشار الرئيس بالقصر الجمهوري والثاني كان ثمن صمته حسب قولك قبول شفاعة من جاء يشفع له بالعفو عنه وصرف النظر عن محاكمته!! أما الأستاذ محمود فعندما لم يجدوا وسيلة لشراء صمته عن الصدع بالحق أصدر النميري ومستشاروه حكم الإعدام عليه وأتوا بالمهلاوي ليعطي حكمهم الجائر الصفة القانونية غير انه عجزوا عجزا فاضحا عن هذه المهمة الحقيرة فأصدر حكم الإعدام على الأستاذ محمود والجمهوريين الأربعة من غير أي سند قانوني.
اما المكاشفي طه الكباشي فقد كان أشقى مجموعة التآمر فى هذه القضية فإنه عندما رفعت إليه لفحصها بصفته رئيسا لمحكمة الإستئناف ورأى مفارقة حكم المهلاوي للقانون فبدلا من أن يرجع القضية لمحكمة المهلاوي للمراجعة وإصلاح أخطاء الحكم، اتجه لستر فضيحة المهلاوي القانونية فتورط هو نفسه فى فضيحة أكبر حيث نصب من نفسه مشرعا وخصما وحكما فأضاف من عنده مادة الردة وأدان بموجبها الأستاذ والجمهوريين وسنرى ذلك مفصَّلا فى حكم المحكمة العليا-الدائرة الدستورية التالي:
"على انه يجمل القول ومهما كان وجه الرأى فيما يتعلق بعيوب المحكمة أنه يبين من مطالعة إجراءات محكمة الإستئناف تلك انها انتهجت نهجا غير مألوف وأسلوبا يغلب عليه التحامل مما جعل الإطمئنان إلى عدالة حكمها أمرا غير ميسور وعرضة للمعايير السياسية التى لا شأن لها بالأحكام القضائية ولعلنا لا نكون فى حاجة إلى الإستطراد كثيرا فى وصف هذا الحكم (حكم محكمة الإستئناف) فقد تجاوز كل القيم العدلية ما كان منها موروثا ومتعارفا عليه أو ما حرصت قوانين الاجراءات المتعاقبة على النص عليه صراحة أو انطوى عليه دستور 1973 (الملغى رغم ما يحيط به من جدل) على ان محكمة الاستئناف لم تكن عابئة فيما يبدو بدستور أو بقانون إذ انها جعلت إجراءات التأييد التى ظلت تمارسها المحاكم المختصة فى سماحة وأناة وبغرض مراجعة الأحكام مراجعة دقيقة وشاملة - محاكمة جديدة قامت فيها المحكمة بدور الخصم والحكم مما حجبها عن واجبها..إلخ"..
ولعلنا لا نتجنى على الحقيقة لو أننا قلنا إن تنفيذ الحكم ما كان ليتم لولا أن محكمة الاستئناف أضافت الإدانة بالردة وهو ما لم يكن ليصدر أصلا فميا لو كانت الإجراءات قد عرضت على المحكمة العليا بدلا من أن تنقل محكمة الاستئناف بإجراءات التأييد.
أما شهادة شاهد الزور عن الأستاذ محمود فى ساحة كوبر فقد كانت كذبة المنبر البلقاء فإنه حاول أن يوهم الناس بأن الأستاذ محمود كان متعثر الخُطى، مضطربا، منهارا حتى اضطر حراسه أن يرفعوه من إبطيه لمنصة الإعدام مع أن أكثر الناس شهدوا بحق على شجاعة الأستاذ وأنه ارتقى درج منصة الإعدام بخطوات واثقة ثابتة ومن فوق المنصة افتر ثغره عن ابتسامة مشرقة وضيئة وعلى رأس الشهود بذلك المرحوم د. عبد الله الطيب فى قصيدته الشهيرة عن هذا المشهد البطولي الذى ملأ الاصدقاء فرحا وسرورا وملأ الأعداء ضيقا وحزنا.
وهذه شهادة أقرب الناس لهذا الحدث وهو من قوات السجون حيث نشرت شهادته بمجلة (الجامعة) عدد ذي القعدة 1405 هـ.. قال: "وعادة فى مثل هذه الحالة يكون الحارس المرافق لنزيل الإعدام أومباشي ولأول مرة تطلب إدارة السجن بأن يكون الحرس شاويش ويُطلَب منى أن أكون الحرس المرافق لمحمود محمد طه فسعدت بذلك لأنني سأكون قريبا لتسجيل هذا الموقف التاريخي الهام وألاحظ انفعالات الرجل واسمع كلماته الأخيرة وهذا لا ينفي مدى الحزن والرهبة للواجب الموكل.." وقال: "فى تمام الرابعة مساءاً دعت إدارة السجن النزيل محمود محمد طه وأبلغته أنه راحل إلى الدار الآخرة بصبيحة الجمعة 18 يناير الساعة العاشرة صباحا فهزَّ الرجل رأسه بالإيجاب دون وجل أو اضطراب أو خوف وبشجاعة فائقة ثم سألوه إن كان لديه وصية أو أمانة أو طلب فهزَ الرجل رأسه بالنفي: لا ليس لدى وصية أو طلب.. عندما أحضرت سلاسل الحديد لتقييده.. هل لكم أن تتركوني دون قيود؟ سلطات السجن: هذه أوامر وتعليمات (حاضر لا بأس) وبملابس السجن والقيود أعادوه إلى زنزانة الإعدام والتى بها برش وبطانية صوف لا غير..
كان فى مرات عديدة يطلب الإبريق والمبولة لأنه يشكو من دأء السكري لذا كان كثير التبول عندما تجئ مواعيد الصلاة يتوضأ ويتيمم بصوت لا يسمع..كان كثير الوضوء يبقى طاهرا على الدوام (دائما يبتسم ويتأمل ما حوله) ذات مرة سألنى عن سبب تأخير إحضار المبولة فقلت له: تعليمات.. أجابني: يجب ألا تخاف إلا الله ولا تكون كزبد البحر..لم يأكل الرجل شيئا منذ الرابعة مساء الخميس. لم يحضر إليه ولم يطلب هو شيئا.. هل طلب شيئا؟ فأجيبهم بلا. وفى تمام الرابعة صباحا طلبوا تحويله إلى زنزانة الإعدام الجديدة وأحضرت عربة لأخذه إليها بخارج السجن لئلا يثير بقية النزلاء فيحدثون اضطرابات داخل السجن وعندما أُدخل فيها قال: ما زال الوقت مبكرا والساعة العاشرة بعيدة فقلت: تعليمات. ولم يكن بها برش أو بطانية ووضع الرجل نعليه تحته وجلس وفى تمام التاسعة صباحا حضر القاضي ومدير السجن وسألوه إن كانت لديه وصية لأبنائه. قال: كنت معاهم طوال حياتي. سألوه إن كان يريد طلب استرحام.. قال: الداير استرحام يقعد مع أمه.. سألوه: هل تريد أن تتكلم مع القاضي؟ أجاب: هو فى قاضي؟! بعدها انفضوا من حوله وأتى إليه نفر من السجن كي يوثقوا يديه عند ظهره فسألهم إن كانوا يتركوا يديه بلا قيد ليحيي المواطنين فقالوا: تعليمات.. سألهم ان يتركوه وجهه دون غطاء. فقالوا: إنها تعليمات وأخذوه إلى ساحة المشنقة فصعد إليها بخطى ثابتة وقلب أسد رفعوا الغطاء فإذا الرجل مبتسم.. سلامٌ للأمة التى تلد مثل محمود..
أما ما قاله هذا الشاهد المتحامل عما نقله له الشنَّاق من كلام –إن صحَّ ذلك- إنه لم يسمع لفظ شهادة: لا إله إلا الله من الأستاذ محمود عندما طُلِب منه ذلك فإني أقول لهذا الشاهد المسكين أن الأستاذ محمود كان حياته كلها تجسيدا لكلمة التوحيد فى اللحم والدم فإنه كان لا يخشي ولا يرجو أحدا غير الله وأنه كان يرى يد الله وراء فعل كل فاعل.. وأن العبرة عند الله بالتخلق بأخلاق (لا إله إلا الله) لا بترديدها فقط باللسان من غير أن يكون لها أثر على الأخلاق. وما دام الأستاذ محمود ظل يقولها بلسان حاله فى أدق تفاصيل حياته اليومية فإنه لا ينقصه شيئا ألا يقولها بلسان مقاله خاصة فى مثل ذلك الموقف لأن لسان الحال أصدق من لسان المقال. جاء فى الحديث القدسي: "لا تزال لا إله إلا الله تدفع عن العباد سخط الله ما لم يبالوا ما نقص من دنياهم فإن هم فعلوا ثم قالوها، قال الله: كذبتم لستم بها صادقين". وأبلغ مثل عندي على تخلق الأستاذ محمود بأخلاق (لا إله إلا الله) وقوفه فى منصة الإعدام مبتسماً فرحاً بقضاء الله وقدره غير مبالٍ فى ذلك بدنياه كلها خل عنك ما نقص منها.
ولا بد من القول للمعارضين السياسيين الساعين لتشويه دعوة الأستاذ محمود إلى بعث الإسلام فى مستوى سنة النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس من طريق إلى بعث الإسلام وعودته حيا خلاقا فى صدور الرجال والنساء إلا طريق دعوة الجمهوريين لأنها الدعوة الوحيدة على ظهر الكرة الأرضية التى تدعو إلى بعث السنة بمعرفة متفردة وإخلاص كبير فى القول والعمل وبذلك تكون هى الناطق والداعي بحق لنشر نور الله اليوم وأنكم أنتم بمعارضتكم لها تحاولون إطفاء نور الله بأفواهكم ولكنكم لن تبلغوا طائلا غير الجناية على أنفسكم فقد قال الحق عن أمثالكم الذين حاولوا تعويق الدعوة لبعث الإسلام فى عهده الأول: "يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ". وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبي للغرباء..فقالوا: من الغرباء يا رسول الله..قال: الذين يحيون سنتي بعد إندثارها". وفى رواية أخرى قال عن الغرباء: "هم فئة قليلة مهتدية فى فئة كثيرة ضالة".
ويؤكد هذا الحديث أن الإسلام لن يعود بالشريعة وإنما يعود بالسنة ولما كان الجمهوريون هم وحدهم الدعاة للسنة اليوم فى كل العالم على هدى وبصيرة. وكل دعاة الإسلام الآخرين يدعون لعودة الإسلام عن طريق الشريعة الإسلامية فإن الجمهوريين يكونون أولى من غيرهم من الدعاة الإسلاميين بصحة دعوتهم لعودة الإسلام وبأنهم هم غرباء الحق دون سائر المسلمين بالدعوة لعودة الإسلام على هدى السنة. أوليس هم أقل المسلمين عدداً وأغربهم دعوة. ما لكم كيف تحكمون؟
وأختم مقالي هذا بقصتين صغيرتين فى الحجم كبيرتين فى المعنى لهما صلة كبيرة بوقفة الأستاذ محمود بكوبر فى اليوم الذى يسمى بيوم التنفيذ عسى أن يخففا شيئا ما من الأذى الذى تعرض له الأخوان والأخوات من شاهد الزور.
القصة الأولى أننا كنا فى سيارة مع الأستاذ محمود متجهين من منزله بالمهدية فى طريقنا إلى دار الحزب الجمهوري بالموردة وكان ذلك فى أواخر الستينات من القرن الماضي تقريبا وعند مرورنا بالقرب من السينما الوطنية بأم درمان لاحظ الأستاذ محمود أن رواد السينما يقفون فى صفوف طويلة فسألنا قائلا: (تفتكروا ليه الناس بحبوا السينما كده؟) فرد الأخ ابراهيم مكي عليه الرحمة قائلا: (لأنهم بينسوا فيها همومهم) فقال الأستاذ: (دا وجه)..وكان رد الأخ محمد فضل رحمة الله عليه: (لأنهم يعيشوا فيها اللحظة الحاضرة) فقال الأستاذ محمود: (دا وجه) ثم استطرد قائلا: (الناس بيحبوا السينما لأنهم بيجدوا أنفسهم فى شخصية البطل ما شفتوهم كيف بيكونوا متعاطفين معاه؟). وقال: (الحقيقة البطل ما كان ممكن إكون بالشجاعة البشوفوه بيها على الشاشة لو لم يكن قارئ قصة الفيلم وعارف تفاصيل أحداثها). ثم قال: (لكن الطريق لأن تتخلق بأخلاق البطل من شجاعة وإقدام فى حياتنا اليومية مش دخول السينما وإنما يتم ذلك عن طريق الدين حيث تتقي الله حتى تعلم منه قصة حياتك من المصدر إلى المورد.) ولذلك عاش الأستاذ حياته بطلا ومات بطلا إن جاز لى أن أسمي ما حدث يوم التنفيذ موتا بالنسبة للأستاذ.
والقصة الثانية إننا كنا مع الاستاذ محمود فى سبعينات القرن الماضي فى زيارة لعم الأخ بكري الحاج عليه الرحمة بمدينة طوكر وأثناء وجودنا بصالون الضيافة لاحظ الأستاذ محمود لوحة صغيرة معلقة على الحائط مكتوب عليها: "ليس بمهزوم من إذا تبسم فى وجه أعدائه أفقدهم لذة إنتصارهم". طلب الأستاذ محمود من الأخ بكري إنزال هذه اللوحة ومررها علينا وسأل: ما رأيكم فى الحكمة دي؟ فكان ردنا: (كويسة). وتمر السنون والأيام فإذا الأستاذ محمود يطبق تلك الحكمة عمليا أمام أعدائه حيث نظر إليهم من منصة المشنقة وابتسم فى وجوههم ابتسامة وضيئة أفقدتهم لذة إنتصارهم المزعوم وجللتهم بالهزيمة والعار.
وفى ختام الخاتمة لا بد أن أورد حكم الاستاذ محمود على قوانين سبتمبر 1983م وقضاتها الجائرين حيث قال الأستاذ محمود أمام محكمة المهلاوي:
"أنا أعلنت رأيي مرارا فى قوانين سبتمبر 1983م، من انها مخالفة للشريعة والإسلام.. اكثر من ذلك فإنها شوهت الشريعة وشوهت الإسلام ونفرت عنه.. يضاف إلى ذلك أنها وضعت واستغلت لإرهاب الشعب وسوقه الى الإستكانة عن طريق إذلاله ..ثم إنها هددت وحدة البلاد، هذا من ناحية التنظير..
وأما من حيث التطبيق، فإن القضاة الذين يتولون المحاكمة تحتها غير مؤهلين فنيا, وضعفوا أخلاقيا، عن أن يمتنعوا عن أن يضعوا أنفسهم تحت سيطرة السلطة التنفيذية تستعملهم لإضاعة الحقوق، وإذلال الشعب وتشويه الإسلام وإهانة الفكر والمفكرين وإذلال المعارضين السياسيين ومن أجل ذلك، فإني غير مستعد للتعاون مع أي محكمة تنكرت لحرمة القضاء المستقل، ورضيت أن تكون أداة من أدوات إذلال الشعب وإهانة الفكر الحر والتنكيل بالمعارضين السياسيين".
هذا ولا يفوتني أن أشير إلى ما قاله المهلاوي لأحمد طه محمود حسب شهادته: "من أنه اعتراه خوف فى بداية جلسة المحاكمة وانقشع عنه عندما ذكر الآية: "يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ..إلخ". وأنا لا أجد مبرراً وسبباً لخوف المهلاوي إلا أنه كان مدركاً بأنه مستغَل لإصدار حكم مخالف لضميره مجافٍ للقانون وإلا فإنه من الطبيعي أن يكون القاضي واثقاً من نفسه مطمئناً لأحكامه ما دامت قائمة على العدل ملتزمة بالقانون. أما القاضي الظالم فى حكمه المخالف للقانون فيه كالمهلاوي والمكاشفي سيظل الخوف يطاردهم ويؤرقه مهما قرأ القرآن بل سيزداد خوفاً كلما مرَّ على قوله تعالي: "مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ"

أحمد عبد الرحمن العجب
/////////////

Joomla Templates and Joomla Extensions by ZooTemplate.Com