عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ينبغي الاشارة هنا، إلى أن ما لا يُستحب في اللغة الإنجليزية لا يعني بالضرورة أنه غير مُستحب في اللغة العربية. بعض كتب الأسلوب (Style Book) مثل "بي بي سي" صارمة في ضرورة تجنب تعبيرات، نحو: مزقتها الحرب ( (war-ravagedأو war-torn))، لكن استخدام بعض هذه التعبيرات يعطي الصياغة قوة في اللغة العربية. وأمثلة على هذه التعبيرات (في تقارير مختلفة لوكالة رويترز كُتبت في الأصل باللغة الإنجليزية ثم تُرجمت الى اللغة العربية): مثل الحديث عن ليبيا "الدولة التي مزقتها الحرب"، أو عن نيجيريا "الأمة التي أنهكتها الصراعات"، أو في تقرير عن طرابلس "المدينة التي أرهقتها الاشتباكات"، وعن صنعاء "المدينة المنكوبة" أو الوصف الذي دأبت وكالة رويترز على إطلاقه على الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك "الزعيم المسن"، لكن ربما يأتي اليوم الذي تتوقف فيه استخدام هذه التعبيرات بسبب الإفراط البالغ في استخدامها.
يذهب البعض الى أنه، لو دقق المرء قليلاً في هذه القواعد، سيكتشف أنها ليست غريبة على العربية. والمثال المعبر في هذا الشأن، هو كتاب قديم لمحمود تيمور عنوانه "مشكلات اللغة العربية"، يدعو فيه الى تبسيط الكتابة باللغة العربية، وذلك بأن يقتصر الكاتب في انتقاء ألفاظ مأولوفة ويبتعد عن المهجور منها، علاوة على تحديد معاني الألفاظ وضبطها.
وثمة ملحظٍ، ينبغي الاشارة اليه بشيءٍ من لفت الانتباه، وهو أن الصحافة السودانية كانت من قبل ذات اهتمام مذكور بالأسلوب اللغوي، والتعابير الجزلة، بل أنها كانت مسرحاً للمساجلات الأدبية الراقية في قضايا السياسة والثقافة والرياضة، ولكنها في السنوات الأخيرة تراجعت لغة صحافتنا بشكلٍ غريبٍ، حيث تتبسط في أسلوبها ولغتها الى درجة الابتذال، بادعاء أنها بذلك تتنزل الى لغة القاريء البسيط وفهمه، بينما هذا القاريء يشكو صباح مساء من تدهور لغة بعض الصحف الى درجة الابتذال.

يُجمع كثير من خبراء الصحافة والاعلام على أن الصحافة مرآة تعكس الحالة التي يكون عليها المجتمع. وأن اللغة الصحافية تأخذ الكثير من سماتها من طبيعة لسان قومها ذاته، وهكذا فإن الطريقة التي نتحدث بها عن الأشياء تختلف من ثقافة إلى أخرى، وعلى سبيل المثال، فإن بعضهم في أمريكا اللاتينية، يميلون في ما يبدو إلى اللغة المبالغ في زخرفتها في القصص الإخبارية، وهم على استعداد لقراءة ما يكتبه الصحافي، أو الكاتب، لأسباب أسلوبية، بل إن بعض الكُتاب في أميركا اللاتينية، يشعرون بأن استخدام الكلمة نفسها مرتين في حالة وجود مرادف لها، يُمثل جريمة ضد الأسلوب. وتؤثر اللغة الإعلامية في تصورات الناس، وفي استجلاء حقيقة الأحداث والأشياء، وفي اغناء الرصيد المعرفي واللغوي للجمهور.. ومن أجل ذلك، فإنه من سوء التدبير بمكان أن يُترك لكل من هب ودب أمر استخدام الأسلوب الصحافي أنى شاء.
ويتساءل الباحث الاجتماعي الجزائري الدكتور عبد الله شريط قائلاً: "نعم، إن لغة الصحافة اليوم ربما حققت شوطًاً في هذا الغرض، وإن بقي من بين فصحائنا من يتعالى عن استعمال لغة الصحافة استكباراً أجوفًاً، ولكن ألا يكون من العجيب أن نترك أمراً خطيراً كهذا لا يبحثه علماء الاجتماع، ولا علماء اللغة، ولا علماء المجامع اللغوية، ويبقى لمبادرات الصحافيين، وهم على ما هم عليه من ضعف المستوى في المواد العلمية، وفي المادة اللغوية، وفي معرفة مشكلات المجتمع جميعاً، معرفة معمقة؟!".
وأضاف الدكتور شريط "إنـنا بوصـفنا عـلماء الاجتماع، ليس من شأننا، ولا من اختصاصنا أن نتولى نحن تبسيط قواعد اللغة، وحذف ما فيها من حشو، وابتكار أساليب جديدة في تعليمها وكتـابتها، ولـكن من شـأننا ومـن اختـصاصنا أن نـطـالب علـمـاء اللـغة بذلك".
وينبغي الاشارة هنا، الى أن الأسلوب الصحافي يحب أن يكون هادفاً في صياغته، وملماً بأهدافه ومقاصده. وفي ذلك يقول محمد حسنين هيكل: ".. فإن الكلمة الإنشائية تزول، وتبقى الكلمة التي تعكس واقعاً هو جزءٌ من تصور الناس؟!".
وفي ظل هذا الواقع المعقد جداً لا ينبغي إثقال كاهل الصحافي بنصيب مفرط من المسؤولية، في ما يتعلق بالأسلوب، لأن المجتمع الذي ينشط في كنفه الصحافي، يؤثر بدوره في أسلوبه، ومن ذلك مثلاً: الأسلوب الذي يصرح به الأشخاص النافذون في المجتمع، والأسلوب الذي تصاغ به الخطب، والأسلوب المعتمد في المؤسسات التعليمية، والأسلوب الذي يتجاذب به الناس أطراف الحديث في حياتهم اليومية.
أخلص الى أنه من المهم أن يعي الصحافي أن الأسلوب الصحافي من الموجهات المهمة التي ينبغي تضمينها في مدونة أخلاقيات العمل الصحافي والسلوكيات المهنية، لأن من مقاصد الأسلوب الصحافي ترقية الذائقة اللغوية لدى المتلقي، في اطار الارتقاء به في شتى ضروب الثقافة الانسانية.