زيارة مرتقبة لرئيس دولة جنوب السودان إلى الدولة الأم، وقد سبقتها الأسبوع الماضي زيارة لوزير خارجية جوبا إلى الخرطوم، وهي زيارة تحضيرية لزيارة الرئيس سلفا كير.. صحيح مر أكثر من عامين على آخر زيارة قام بها سلفا للخرطوم لكنه لا يتوقع أن تحمل أي جديدا في علاقات البلدين التي تغلب عليها حالة عدم الاستقرار بل الاحتراب في كثير من الأحايين. هل لدى سلفا كير هذه المرة حل لعقدة (الحركة الشعبية – قطاع الشمال)؟ إن كان الجواب نفيا فإن زيارته لن تخرج عن سياق العلاقات العامة وذلك لن يفيد في ملف علاقات ظل مثقلا بالشكوك وعدم الثقة.

وتأتي هذه الزيارة وجوبا في أضعف حالاتها فقد ذكر آخر تقرير لمكتب تنسيق العمليات الإنسانية التابع للأمم المتحدة في جنوب السودان أن العنف والجوع يلاحقان شعب جنوب السودان ويتسببان في عمليات فرار كبيرة خارج الحدود. وسبق أن حذّر برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة، في أبريل الماضي، من مجاعة وشيكة في العام الجديد 2017.

ما زالت إفريقيا ترزح تحت نير الحروب والاضطراب السياسي، والسودان وجنوب السودان نموذج ماثل للدول الإفريقية التي تنهك مواردها في حروب لا طائل منها.. بعد الحروب العنيفة والهمجية التي دارت في أوروبا والتي كانت آخرها الحرب العالمية الثانية، ذاقت أوروبا طعم الاستقرار وانطلقت عجلة التنمية والتعمير.. الاستقرار السياسي كان القاعدة الأساسية التي ارتكزت عليها النهضة الأوروبية الحالية.. التراضي على نهج سلمي لحل النزاعات سواء كان داخل الدولة الواحدة أو بين الدول كان سلوكا حضاريا قام عليه الاستقرار السياسي.

ويبلغ طول الحدود بين البلدين نحو 1800 كيلو متر وهي أطول حدود طبيعية بين دولتين إفريقيتين، كما أن هناك نحو 8 ملايين من سكان السودان البالغ عدهم 30 مليونا يعيشون في مناطق التماس وهم يتأثرون اقتصاديا واجتماعيا وبشكل مباشر بحالة الحرب بين البلدين. وكان الهدف الإستراتيجي لاتفاقية السلام في 2005 وقف الحرب واستدامة السلام.. المعادلة السياسية والملحة تقول في أحد شقيها إن الخرطوم لديها مصلحة في تأكيد إستراتيجية حسن الجوار التي من خلالها حول عددا من دول الجوار المعادي إلى دول صديقة وحليفة.

بعد الانفصال الذي كان مهرا غاليا دفعته الخرطوم طمعا في سلام أضحى سرابا، شُكّل ما عرف بقطاع الشمال في الحركة الشعبية التي قادة تمرد الجنوب، في إشارة إلى ما تبقى في الشمال من مكونات عسكرية وسياسية من الحركة الأم؛ لكن الحكومة السودانية رفضت الارتباط العضوي سياسيًا وعسكريًا لقطاع الشمال بدولة الجنوب الوليدة وهذا الرفض تسنده حجج منطقية لا خلاف حولها.

وركز قطاع الشمال عملياته العسكرية ضد الخرطوم على ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق المحاذيتين لدولة جنوب السودان الوليدة وذلك لأسباب لوجستية فضلا عما تتميز به من جغرافيا وعرة تلائم حرب العصابات، وأرادتها جوبا معبرًا وآلية للنيل من الخرطوم.

بعد تصاعد العمليات العسكرية أصدر مجلس الأمن قراره رقم 2046 في الثاني من مايو 2012 والذي نص فيما نص بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، على أن تتوقف جوبا والخرطوم عن إيواء أو دعم مجموعات متمردة ضد الدولة الأخرى، كما طالب حكومة السودان والحركة الشعبية (قطاع الشمال) بالتعاون الكامل مع فريق الاتحاد الإفريقي ورئيس الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية بغية التوصل إلى تسوية تتضمن ترتيبات سياسية وأمنية متعلقة بولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان.

جولات تفاوضية كثيرة خلال الأعوام المنصرمة بين الجانبين لم تسفر عن اتفاق سلام دائم.. صحيح أن الحركة كانت دائما تتبنى طرح قضايا تتجاوز الولايتين بيد أن الهدف الحقيقي هو الحصول على قسمة مقدرة من (كيكة) السلطة استنادا إلى قوة السلاح ودعم دولة جنوب السودان.

ليس من السهل التكهن بتخلي جوبا عن ورقة قطاع الشمال رغم إعلانها المتكرر بطرد الحركات المسلحة المناوئة للخرطوم.. ولوحت الخرطوم في الشهور الماضية بإمكانية استضافة زعيم التمرد الحالي في جنوب السودان لكنها سرعان ما طلبت منه المغادرة ربما طمعا في أن تفهم جوبا الرسالة لكن لا يبدو أن جوبا قد أبدت أي نوع من الاستجابة خلال زيارة وزير خارجيتها الأسبوع الماضي للخرطوم ولذا سارعت الخرطوم بالتصريح على لسان وزير الخارجية السوداني بأن زيارة سلفا لم تحدد بعد.

لن يغيب عن الأذهان أن أول زيارة خارجية للرئيس سلفا بعد الانفصال كانت إلى إسرائيل، وفي تلك الزيارة قال سلفاكير بحضور الرئيس الإسرائيلي شيمعون بيريز السابق: (لقد وقفتم إلى جانبنا طوال الوقت، ولولا الدعم الذي قدمتموه لنا لما قامت لنا قائمة).. كلام سلفاكير كان تعليقا على قول بيريز إن علاقة بلاده بقادة انفصال الجنوب بدأت أثناء حكومة ليفي أشكول في منتصف ستينيات القرن الماضي عندما كان بيريز نائبا لوزير الدفاع.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.