الجميع يفكر فى تغيير العالم، لكن لا أحد يفكر فى تغيير نفسه
ليوتولستوى.
يتفق الكثيرون أن ازمة بلدنا اوصلتنا حدود الإقتتال والتشتت والإنفصالات والنفى والهجرات وترك الوطن. طيلة السبعه عقود الماضيه حاول الكثيرين عبر شتى الطرق والوسائل التوصل للإجابه على سؤال الازمه التى ظلت تمسك بتلابيب وطننا. رغم الكثير من المحاولات والمقاربات لتشخيص الأزمه ، الا ان قله قليله ترى ان تشخيص الازمه يكمن فى عدم قبول الاخر المختلف. فى هذا المقال ساحاول ان ادعم هذا التشخيص بتقديم بعض من الادله ، واضم صوتى لمن سبقونى من اساتذتنا الكبار وهم قله قليله جدا ومن تلاهم من اجيال المهتمين والمتابعين. ثم اقدم بعض المقترحات لمحاولة علاج اسباب وجذور ازمة قبول الاخر من خلال منظورين سنتطرق لهما بالشرح فى خاتمة المقال.
يتبادر إلى أذهان الكثيرين منذ الوهله الاولى عند التحدث عن قبول الاخر المختلف صراع الاطراف مع المركز . اعتقد من أزمة قبول الاخر اعمق من ذلك واكثر إنتشارا من ان تكون حكرا على هذا التوصيف . فسلوك وظاهرة عدم قبول الاخر المختلف منتشره فيما بين كل الكيانات الإجتماعيه والسياسيه والثقافات المتعدده وحتى داخل من نظن انه كيان واحد او اصحاب رؤيه سياسيه واحده او مذهب دينى واحد او ممارسى ثقافه واحده . ولا نود ان ندخل فى تفسيرات الفرق بين الإختلاف وبين عدم القبول فالإثنين الفرق بينهما واضح. فى البدء كان الإجتماعى الذى تتأسس عليه الحقوق ، المشاركه فى القرار السياسي ، حقوق الإستفاده من كل الموارد الإقتصاديه ، واخيرا ديمقراطية الثقافه وعلى راس كل هذه الحقوق تاتى الحريه.
اولا نتاج ظروف عديده ومتداخله لا نريد الخوض فى تفاصيلها وجدت قله من الكيانات نفسها فى موضع تحمل المسؤليه عن إدارة شؤون السودانيين كافه. فماذا فعلت ؟ إستندت على الإجتماعى والثقافى كاساس للحقوق واقصت الاخرين. أى بمعنى أكثر دقه رفضت إعطائهم حقوقهم المذكوره انفا بناءاٍ على الإجتماعى. ولكى اكون اكثر دقه هنا بدات الأزمه، أزمة قبول الاخر. ولكى لا نفقد إتساقنا مع ما ذكرنا فى مقدمة المقال أن فرضيتنا تدعى ان رفض الاخر منتشر وممارس ليس على المتعارف عليه بما نبهنا له فى البدء. بل حتى بين من نحسبهم القوى الإجتماعيه المهيمنه واهل الثقافه الواحده. فنجدهم لا يقبلون بعضهم البعض لدرجه احيانا تفوق الاخر المختلف إختلافا بينا. فبالرغم مما اشرنا له ان سلوك عدم قبول الاخر منتشر بين الجميع بما فيهم القوى المهيمنه والقوى الاخرى التى تناضل وتصارع لنيل حقوقها او لزيادة حقوقها، يظل الإجتماعى والثقافى الفيصل فى التمييز والإقصاء. بمعنى ان ذات الكيان المهيمن يتقارب عند إشتداد الهجوم على مكوناته ليتوحد ويتضامن مع الذين يتقاسم معهم الإجتماعى والثقافى ضد الاخر الاكثر إختلافا. . فى مقال كتبه الدكتور النور حمد ونشر بسودانايل بتاريخ 17 اغسطس 2016 تحت عنوان: فرص الثوره والإنقسام المصلحى، يدعم فرضيتنا فى تعاضد وتضامن الكيان الإجتماعى المهيمن ضد الاخرين ولو بادرت جيوب منه صدقا او تكتيكا رفض الهيمنه على الاخرين المختلفين وحرمانهم من حقوقهم. كتب الدكتور حمد:
"لا تستطيع الانظمه الإستبداديه العيش بمفردها أبدًا؛ أي، أنها لا تستطيع البقاء والاستمرار الطويل في الحكم، إلا استنادًا على دعمٍ كافٍ تتلقاه من شريحةٍ، أو من عدة شرائحَ مجتمعيةٍ معتبرة، تتماهي مصالحها مع مصالح النظام الاستبدادي القائم، فتصبح سندًا له يمده بأسباب البقاء والاستمرارية. فالمعادلة، في حقيقتها، أكثر تركيبًا مما يظن كثيرون. فهي ليست منحصرةً دومًا في: الشعب ضد السلطة الاستبدادية، وإنما هي معادلةٌ بالغة التركيب والتعقيد، تحتمل، في غالب صورها، أن تكون صيغتها: الشعب ضد السلطة الاستبدادية، وفي ذات الوقت، "الشعب ضد الشعب"؛ بمعني وقوف الشعب، صراحةً أو إضمارًا، ضد شريحةٍ، أو عدة شرائح منه، ظلت تقف، بحكم مصالحها، مع تلك السلطة الاستبدادية. ولا يمكن لنظامٍ مهما بلغ من قوة البطش أن يبقى يومًا واحدًا في الحكم، إن هو فقد السند من كل شرائح الشعب مجتمعة".ً
أما من المنظور الإقتصادى فنجده تبعا للتراتبيه الإجتماعيه التى ترسخها وتوطنها الكيانات المهيمنه، نجد ان الإستفاده من الموارد تحتكر لصالح الكيان او الكيانات المهيمنه وبالتالى يتواصل رفض الاخر وعدمه قبوله ايضا بحرمانه من الموارد واحيانا كما هو حاصل الان ومنذ سبعه عقود يمتد الحرمان من الحقوق الإقتصاديه لنهب ثروات وموارد الاخر المختلف عنوة وإقتدارا ولو بإزاحته او إبادته.
ثالثا يتواصل رفض الاخر المختلف بحرمانه ايضا من المشاركه فى القرار السياسى حتى ولو تعلق الامرفقط بإدارة شؤونه المحليه. فكثيرا ما رأينا كيف ان المهيمن يرسل من اتباعه ومن ممن يثق فيهم ليوليهم امر إدارة شؤون الاخر المختلف.
رابعا واخيرا الحرمان الثقافى، والثقافى هو تؤام الإجتماعى والذى تفرضه القوى او الكيانات المهيمنه وتمارس قمعا وإقصاءٍ لثقافة الاخر المختلف، وقد يصل الامر كما هو حاصل فى وطننا منذ عقود حيث مارست القوى المهيمنه بالإضافه للإقصاء فرض ثقافاتها عبر السياسيات التعليميه متخذه من جهاز الدوله ومؤسساته العديده اليات لقولبة وصياغة الاخر المختلف ليصير تابعا ثقافيا.
بعد ان قدمنا القليل من الإضاءات لفرضيتنا بأن تشخيص الأزمه السودانيه من وجهة نظرنا المتواضعه وزاوية شوفنا هى فى عدم قبول الاخر المختلف. هذه الفرضيه فى رأينا متشعبه ولها جذور تضرب فى جسد وطننا وتحتاج لمبحث اكثر عمقا وتحليلا اكثر دقه وفق منهج صارم لتبيان وتوضيح اكثر متانه وتماسك. أما ما نقترحه فى هذه المقاله لعلاج هذا المرض العضال الذى اورد بلادنا موارد التفتت والهلاك، يتمثل فى الاتى فى تقدييرنا :
اولا: إدارة حوارات حقيقيه بيننا كسودانيين بمختلف خلفياتنا الإجتماعيه والثقافيه والسياسيه والفكريه والدينيه. واهم الحوارات فى تقديرى هو حوار القوى المهيمنه إجتماعيا وثقافيا، حوارا حقيقيا وعميقا وجادا لتقديم تنازلات حقيقيه ترقى للإعتراف بالاخر المختلف كحقيقه وواقع تدفع نحوالإتجاه لنيله كافة حقوقه. ويليها حوارا بيننا جميعا كسودانيين للتوصل للإتفاق على أمثل الصيغ للعيش معا وفق تراضى كلى يحفظ للجميع حقوقهم دون إقصاء ورفض. ان نبدا بالحوار مع بعضنا وان نستمع لبعضنا وان نصبر على الحوار وأن ندخله بقلوب وعقول مفتوحه وأن نستمع لبعض بصبر وتأنى ولا يشترط ان نتفق كل الإتفاق فالإختلاف سنه الحياه ولكن مجرد الوصول لكيفيه نتفق عليها لإدارة خلافنا يعتبر إنجازا وحافزا يدفعنا لمزيد من الحوار وليس لى غير الحوار الحارق والجاد يمكنه ان يقرب بيننا ويجعلنا نقبل بعضنا ونتعايش بمحبه وتوادد وإحترام ومرجعيتى فى هذا الطرح هو تجارب الأمم والشعوب التى مرت بمثل ما تمر به أمتنا وشعبنا السودانى الكريم.
ثانيا : تحضرنى هنا وصفه ذات نظر ثاقب طرحها الاستاذ محمد النعمان عبر لقاء إذاعى مع محطة دبنقا قبل عام، بان نتفق جميعا على جعل جهاز الدوله محايدا تماما وان يقف بمسافه متساويه من الجميع دون هيمنة اية مجموعه او كيان او عرق طائفه.
فى الختام اود ان أشير إلى أن ما دفعنى للكتابه وعرض وجهة نظرى فى تشخيص الأزمه ، أزمة عدم قبول الاخر المختلف ، هو ما لاحظته وتابعته طوال تجارب إقامتى فى المنافى والمهاجر من سلوك صار ممارسه خرجت حتى عن حدود الوطن لنحملها معنا إلى منافينا ومهاجرنا وفور إستقرارنا فى منفى او مهجر نخرج من شنطنا هذا السلوك المقيت الذى صار سمه ملازمه لنا اينما حللنا ونزلنا لنمارسه تجاه بعضنا البعض.
فارس موسى الشيخ
ولاية ايوا _ امريكا
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

///////////////