النشيد الوطني وشعار الدولة وعلمها، كلها تعتبر رموزاً تعبر عن النسيج الاجتماعي والجغرافي والديمغرافي للآوطان، وتعبر أيضاً عن ملامح مواطنيه .. سحناتهم وثقافاتهم .. بواديهم وصحاريهم وسهولهم وماشيتهم أيضاً، ولذا يحرص القائمون على الأمر لكي تأتي هذه الرموز متطابقة قدر الاستطاعة في التعبير عن كل ذلك. فتجدهم يحيلون الأمر إلى لجان وطنية متخصصة في هذا الشأن وتكون عضويتها بكفاءة عالية في كل التخصصات، وإن دعى الأمر فإن الدولة أو النظام الحاكم الذي يقدر ويحترم رغبات وأشواق من يحكمهم، وإمعاناً في الانصاف والدقة، يستفتي الجماهير، أو يستطلع آرائهم بواسطة مؤسسات متخصصة في قياس الرأي العام وقراءة أمزجة الناس!. ولكن الأمور تختلف عندنا في السودان للأسف الشديد!..

أتحدث تحديداً عن العلم السوداني ودلائل الألوان فيه، وأعلم أن لجنة من خيرة المتخصصين من رجال البلد الأمين قد تم تكوينها في بدايات الولوج نحو الاستقلال للنظر في أمر علم السودان، ونشير بكل طمأنينة إلى أن تلك اللجنة الموقرة قد وفقت – إلى حد ما – في اختيار المواصفات المعبرة في علم السودان عن أعراق وثقافات وزرع وضرع الأهالي.. فتم تصميمه بألوان زاهية وبشكل مبسط يتيح إمكانية لتصاميم مختلفة له في كل مناسبة ومحفل. حيث (عقد مجلس النواب جلسته رقم ٣٥ في دورته الثالثة وذلك في يوم السبت ٣١ ديسمبر سنة ١٩٥٥ وفي بداية الجلسة وقف السيد مبارك زروق زعيم اﻟﻤﺠلس قائلاً: سيدي الرئيس أرجو أن أتقدم بالاقتراح التالي: أنه من رأي هذا اﻟﻤﺠلس أن يكون علم السودان بالأوصاف التالية:
1) الألوان:-
1- أزرق – رمز النيل
2- أصفر – رمز الصحراء
3- أخضر – رمز الزراعة
راجع: من تاريخ السودان المعاصر، الجلاء والاستقلال، إعداد محمد عامر بشير، الدار السودانية للكتب،الطبعة الأولى ١٩٧٥).
وقبل سنوات قليلة اعترف مولانا القاضي بابكر عوض اﷲ في حوار تلفزيوني معه أنه هو (وحده) من قام بتغيير العلم القديم إلى الحالي!، وذلك عندما كان في بدايات فترة مايو رئيساً لمجلس وزراء مايو المعين وعضواً فيما سمى وقتها بمجلس قيادة ثورة مايو! .. وقد برر سيادته – غفر اﷲ له – ذلك بأن ألوان القديمة (باهتة وما عجبتو)! .. ولهذا الأمر فقد تم إنزال القديم ورفع الجديد! .. ولكن هل الأسباب هي كذلك وكما أشار إليها مولانا القاضي بابكر عوض اﷲ؟!.
السيد بابكر عوض اﷲ ينتمي لتيار القوميين العرب وله وشائج مع مصر كدولة، وهذا التيار السياسي تحديداً، قد دخل في صراعات مع كل القوى السياسية الأخرى فترة بدايات مايو، وتبلورت الخلافات التي نشبت حول التوجهات الفكرية وأي من طرق التطور الاقتصادي والسياسي يتبناها الناس، ومعلوم أن تيار القوميين العرب قد انتصر وسادت رؤيته وتوجهاته، وبالتالي دانت له السلطة لحين من الدهر. وفي هذه الأجواء تحديداً تم تغيير علم البلاد القديم – ضمن المتغيرات المتعددة التي طرأت على البلاد – حتى تتماشى دولة السودان مع نمط وسلوك الأيدولوجية القومية وعروبتها كما كان سائداً وقتها في غالبية الدول العربية التي نهجت التوجه العربي الاسلامي وثقافته، إذن فإن الأمر بالنسبة لمولانا عوض اﷲ لم يكن في حقيقته لأن لون العلم (باهت ومش عاجبو)!.
لا نمل و لا نكل من تكرار وترديد مقولات تتعلق بحقيقة أننا كشعب متعددون في الثقافات والأديان والأعراق والسحنات واللغات والأمزجة والضحكة والنكتة والطرفة، من كافة الشعوب الأخرى، دع عنك الدول العربية من التي تدين بالولاء للثقافة العربية الإسلامية، أو القومية العربية، أو حتى من التي لا تدين بكل ذلك.
بالطبع لا معرفة لي بأمزجة الأجيال التي ترعرعت في ظل النظام الحالي، أو تلك التي نشأت وعلم القوميين العرب يرفرف فوق ساريتنا!.. ولكن أعلم أنه ومنذ الصراع السياسي المرير ضد الديكتاتورية المايوية وحتى الحالية، فإن أشواق قطاعات واسعة من الأجيال السابقة واللاحقة تتطلع وتهفو للعلم القديم! .. أنظروا لهم في الجامعات والمعاهد والتظاهرات والندوات والانتفاضات.. في أبريل وذكرى أكتوبر .. أنظروا إليهم وحدقوا ،، ثم أرفعوا رؤوسكم فوق مكان ما يقفون هم، لتروا علمنا القديم يرفرف فوق أعناقهم!.
ظللنا نتحدث عن الوحدة الجاذبة وما نزال طلما أننا "شعوب وقبائل ولسنا بشعب ذو اتجاه واحد" – إن كان الشعار ماهو كضب كضب – فلنا أن ستصحب معنا حقائق التاريخ والجغرافيا في اختلاف الأديان والثقافات والأعراق والسحنات دون أن ( نكل أو نمل من ترديد ذلك) وعليه ندعوا للحوجة إلى تغيير العلم الحالي بآخر يستوعب هذه الحقائق .. آخر يعبر عنا – نحن شعوب السودان – آخر يميزنا عن أعلام الدول العربية ذات النمط الواحد! .. آخر تهفو له قلوبنا وأفئدتنا وننظر إليه بمحبة وانحياز،، آخر يعبر عن السلام والوئام والديمقراطية والتعدد – إن كنا عن صدق نتطلع لذلك - ! ،، بديل آخر يحل محل (القديم والجديد) معاً، نسبة لأن دولة إفريقية سنحت لها الفرصة واتخذت علمنا القديم شعاراً ورمزاً لها!.
قيل أنه وفي مطلع الاستقلال، طُرح إقتراح لألوان علم البلاد (الجديد)، فاقترح أحد أعضاء اللجنة التي شُكلت لهذا الغرض، إضافة اللون الأبيض وجعله إطاراً للألوان (السابقة) – الأزرق الذي كان يرمز لنهر النيل والأصفر الذي كان يرمز للصحراء والأخضر الذي كان يرمز للغابة والنماء ! – فاعترض الشاعر محمد المهدي اﻟﻤﺠذوب الذي كان ضمن أعضاء اللجنة، بأنه لا يرى داعياً للاضافة، معللاً بأن ذلك سيفسد العلم كرمز ويحوله من علم ،، إلى هبابة!.
عليه أدعو لتغيير العلم الحالي رأفة بتعدد ثقافاتنا وأدياننا ولغاتنا وأمزجتنا!.
فأنا أعلم أن عدداً من نشاء وفتيات بلادنا يحتفين بالاستقلال ومحبتهن للعلم القديم بطرائق سمح، عندما يرتدين الألوان الزاهية لعلمنا السوداني السابق، منهن المناضلة الجسور جليلة خميس التي قضت في سجون النظام ردحاً من الزمن، كذا المطربة الشعبية حواء الطقطاقة.
فلماذا لفظناه وأتينا بغيره وهو بألوان باهتة لا لون لها أو طعم ،، أعلن أنا السوداني الفقير لربه ووطنه وشعبه، وأعترف بعلو الصوت والصورة بألا إنتماء لي أو إحساس بأن العلم الحالي يمثلني أو يعبر عني ،، لا أحس تجاهه بأي نوع من الالفة أو المحبة ،، هو غريب الوجه واللسان واليد عني ،، هو عندي ليس سوى قطعة قماش لا أصل لها ولا فصل ،، مقطوع طاري لا هو مني ولا أنا منه ،، بمزاجي وليس بمزاج أحد ما يتدخل في أحاسيسي ويرغمني على ما يحب ويعتقد! ،، عليه أنادي بتنظيم حملة قومية وطنية من أجل إعادة علمنا القديم الذي طالما وقفنا تحت ساريته وأنشدنا له بمحبة وإعزاز وطني صميم "علمي أنت رجائي ،، أنت عنوان الولاء " وهو يرفرف بغبطة وسرور ومودة! ،، ودعوة لجميع نساء الوطن - اللاتي يشاركنني هذا الهم ويحملن قضية الوطن فوق الحدقات - لأن يقتدين بما فعلت المناضلة جليلة خميس ليرتدين علم البلاد القديم بألوانه الزاهيات ويقدلن به على شوارع الوطن كأبلغ ثوب للعفة والسترة والوطنية الصميمة، مساهمة منهن في تغلغل هذه الدعوة ،، دعوة إعادة علم بلادنا القديم ، باعتبارنا "سودانويون" في الصميم ولا ننتمي لأي كيان آخر لسنا مجبورين عليه! ،، ولا عاش من يفصلنا عن واقعنا وإرثنا وانتمائنا القديم، وعشت يا سوداني ،، وكل سنة الجميع والوطن بخير.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.