تمر الذكرى الثالثة لأحداث الخامس عشر من ديسمبر (2013) والتي أشعلت فتيل الأزمة التي تعيشها جنوب السودان حالياً ، والتي يعاني منها اليوم معظم سكان البلاد إن لم يكن جلهم. وربما تمر هذه المرة ،مرور الكرام دون أن يقف عندها أحد، في ظل تنامي خطاب الكراهية الذي إجتاح البلاد مؤخراً، والذي يهدد اركان الدولة الفتية بالتشرذم،وتحول مناطق الإستوائية الى ساحات "وغى" في ظل السلام الذي قفز فوقه متسلقي الجبال،والذين يتوهمون زوراً وبهتاناً بإنجازاتهم الهلامية غيرالمنظورة،والتي لم تبارح مخيلاتهم التي لم تتخطى حدود السلطة. ومن سخرية الأقدار أن يجيء هذا اليوم والذكرى المشئومة،دون أن نسمع صوتاً لبعض من كانوا جزءاً من تلك الأحداث من الطرف الآخر،يقوم بتقديم الاعتذار لهذا الشعب الذي إكتوى بنيران تهافتهم وراء الكراسي الوثيرة.
واليوم تمر ذكرى هذه الإنتكاسة الغريبة وقد خيم على البلاد حالة من الكآبة والبؤس الممزوج بمشاعر الحزن والأسى على تلك الدماء التي أُهدرت بحق هؤلاء المواطنون الأبرياء ..!. والكل يتطلع ويحدوه الأمل في أن تنتهي هذه الأزمة في هذا الشهر الذي أصبح نذيراً غير حسن بسبب ماحدث فيه من إنتهاكات جسيمة. وربما جاء الوقت لنسألهم طالما أضحوا بيننا وفي اوساطنا ، بعد أن تحققت الطموحات والمآرب..أين الشعب في هذه المعادلة السلطوية..؟؟! .فالعلة لم تكن مطلقاً في ذلك الشعب الصبور بل كانت العِلة في المنهاج السياسي وطرائق التفكير التي إتبعها هؤلاء القادة في إقحامهم للمدنيين في هذه الحرب القذرة، وذلك لأجل لا شيء سوى تصفية حساباتهم الشخصية..!.
وننطلق من هذا التساؤل الى أن بريق السلطة، قد طغى على هذا اليوم الذي أُدمغت فيه ذاكرة شعب جنوب السودان بتلك الأحداث المأساوية. وقد أضحت سياسة غض الطرف هي السبيل الوحيد لتناسي ذلك اليوم المشئوم،والذي تحاول فيه تلك الفئة الممعنة في الذات على طمسه وتحويله الى ذكرى عابرة. ولكن يبدو أن القدر قرر أن يمشي عكس ما تشتهي سفنهم الغارقة في الذات، بعد أن أعلن رئيس الجمهورية الفريق اول/ سلفا كير ميارديت، في ظرف إستثنائي فريد وبالتزامن مع هذه الذكرى الأليمة،عن دعوته للحوار الوطني الجامع، وهي خطوة لاقت الإستحسان والترحيب الدولي والإقليمي، ليقطع بذلك الطريق على من يريدون طمس هذه الذكرى.
في تقديري العميق، فقد وضع السيد الرئيس يده في مكمن "الجرح الغائر" والذي يفتك بهذا الوطن العزيز. فدعوته للحوار الوطني تعني بأنه ادرك حقيقة أن الأمور ، لا يمكن أن تدار أحياناً عبر الوسيلة العسكرية لتحقيق الهدف المأمول. فالجنوح أحياناً الى الحوار والسلم قد يأتي بنتائج أكثر إيجابية .
فليست السياسة دوماً(عملاً قذراً) فهناك وجهاً آخراً تستطيع الحكومة ان تُظهره على الأقل للخروج من هذه الورطة المخيبة؛ وهي أن تُظهر روح التسامح والتسامي فوق كل الضغائن المُضمرة تجاه الآخر المختلف سياسياً، وذلك لأجل هذا الوطن الغالي.
لأن الوطن يتداعى أمام الجميع،في ظل هذا التناقض الغريب بين مصالح وإمتيازات قادة بلادنا وبين متطلبات الوضع السياسي الراهن بالبلاد والذي يستدعي أن توجه كل الجهود في إتجاه الخروج من هذا المأزق التاريخي الذي اقحموا أنفسهم فيه.
بكل تاكيد راقت مبادرة الرئيس كير للحوار الوطني الجميع بما فيهم كاتب هذه السطور، ولكن هذا التفاؤل يشوبه بعض التحفظ الحذر ، فيما يتعلق بطريقة تنفيذه على ارض الواقع ،والذي يجب أن يتبعه إجراءات جريئة وشجاعة تساهم في الدفع بتلك العملية والا ستتحول الى مجرد مبادرة تعتريها التحديات والعقبات. وهناك مسائل هامة يجب أن تستند عليها هذه المبادرة الطيبة والدعوة الصادقة قبل الشروع في تنفيذها، تتمثل في إيقاف الحرب اولاً، أن يشمل الحوار كل الأطراف،تخير الآليات الفعالة والموضوعية التي يتم بها تنفيذ الحوار. فالمعروف في الغالب الأعم، أن المصالحة او الحوار تتم دائماً عندما تنتهي الحرب، ويقتنع الجميع بضرورة إستجابة جميع الأطراف لذلك الحوار الجامع من منطلقات موضوعية يتفق عليها الجميع. ما يستدعي هذا التساؤل الهام..أين تقف البلاد بشأن هاتين النقطتين..؟!
إذن إنطلاقاً من ذلك السياق الذي ذكر، نكتشف في الواقع المعاش ومن خلال الأحداث التي تحدث بطول البلاد وعرضها، وخاصة مناطق الإستوائية ،لا يمكن غض الطرف عنها، لأنها تؤكد إستمرارية هذه الحرب.والنقطة الأخرى التي يجدر ذكرها، تتمثل في طبيعة هذا الحوار الوطني، ومدى توافر حظوظه في المضي قدما،في ظل عدم استجابة كل الأطراف الأخرى الحاملة للسلاح للمبادرة...؟!
ومنذ إسبوع تقريباً هاتفني أحد القائمين على أمر المصالحة الوطنية، وقد قرأ مقال لي بعنوان (متى تنتصر إرادة السلام). فقد بادر المسؤول المحترم بالسؤال التالي..."إذا كان مشار ولام وباقان ، ما دايرين سلام، هل يعني خلاص ما حا يكون في سلام في جنوب السودان..؟". وقد أجبته، بأنه سؤال مثير للإهتمام، ولكنه لم يستمع للرد عليه بعد إنقطاع الهاتف. ولكن ما أود الإشارة اليه في هذا السياق، هو ان ذلك المسؤول نسى أن يستوحي إجابة تساؤله من خلال الواقع المعاش، والذي يجسده حالة اللا إستقرار التي تشهدها معظم أرجاء البلاد. ما يعني موضوعياً بأن تلك الأوضاع الماثلة تجاوب له بكل وضوح حقيقة ما يود معرفته. فقد حالفه عدم التوفيق في طرح مبتغاه، وربما لم يكلف نفسه عناء السؤال عن لماذا يرفض هؤلاء السلام..؟! وهو السؤال الذي يبدو منطقياً في تقديري البسيط. لنكن "صريحين"،و تبقى الحقائق كما هي مهما سوغت لها المبررات لتغبيشها. فقد تظهر فئات أخرى مندسة في الداخل،قد تسعى لأن تقوم بتفصيل مسألة الحوار الوطني على مقاس مصالحها الضيقة، وهي الفئة الأخطر، والتي لا تريد لهذا السلام أن يسود في البلاد. لذلك يجب أن تستغل مبادرة رئيس البلاد أحسن إستغلال بعد التدهور المريع والمتسارع للأوضاع السياسية بالبلاد.ولأول مرة تحظى مبادرة رئيس الجمهورية هذه، بكل هذا الدعم الإقليمي والدولى الكبير من خلال مفوضية "جيميك" وعبر البيان الذي أصدره سفراء إيقاد المقيمون بجوبا. ما يعنى سلامة البادرة من حيث الموضوعية والمنطق ، وهو الأمر الذي تفتقده إتفاقية حل النزاع. ونتمنى ان تجد هذه الدعوة القبول لدى جميع الأطراف، وأن تؤسس لخارطة طريق تمهد لإعادة الإستقرار في البلاد.
وحتماً الأمل موجود، ويوجد بصيصٌ من الأمل في أن المستقبل قد يحمل في طياته ماهو أفضل للجميع بدون إستثناء.ولن تتوقف الحياة بسبب بعض خيبات الأمل فقد تتعطل عقارب الساعة عن الدوران ولا يعني ذلك بأية حال بأن الوقت قد توقف. فكم من جرائم وفظائع أُرتكبت بحق الإنسانية في دولٍ عديدة، ولكنها لم تؤدي الى نهاية العالم بل إستمرت عجلة الحياة في الدوران في تلك الدول.فرواندا التي شهدت حرب إبادة عرقية وإنتهاكات عنيفة لم تحدث في العالم المعاصر؛ إستطاعت أن تخرج من ازمتها بنجاح،لأنها إستوعبت الدرس جيداًوشكلت لها تلك الحرب نقطة تحول هامة في تاريخها، فقد إنصهر الجميع في بوتقة واحدة،فلم نعد نسمع بأن هذا من قبيلة التوتسي او ذاك من الهوتو وأصبح السؤال عن القبيلة جُرم يُعاقب عليه القانون في رواندا.ويجب أن نستخلص الدروس والعبر من هذه الكارثة التاريخية وأن تكون نقطة تحول وإنطلاق نحو وطن خالي من امراض القبيلة والقبلية.لقد حان الوقت لكي تتغير تلك الأسس والمفاهيم البالية؛ لتحل مكانها أسس المساواة وتحقيق العدالة الإجتماعية في دولة الرفاهية.ونختم بمقولة الراحل ، مانديلا، والذي قال بأن" الحق لا يستلزم نسيان الماضي بالكامل"، وهذا ينسحب أيضاً على هذه الذكرى التي ستظل باقية في ذاكرة الوطن.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.