عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

(١)
لاشك أن الرئيس الأمريكي المنتخب ((دونالد جي ترامب)) يشعر الآن أكثر من غيره كأن الزمن يزحف ببطئ سلحفائي نحو منصة تنصيبه في العشرين من يناير كانون الثاني الحالي والتي سيرفل منها الى البيت الابيض عقب إنتهاء مراسيم أداء القسم أمام مدرجات الكونغرس المطلة على الأنصاب التذكارية لجورج واشنطون وابراهام لينكولن وتوماس جيفيرسون في العاصمة الامريكية، ليصبح الرجل أول رئيس أمريكي يتولى مقاليد الحكم و هو عديم التجربة وصفر اليدين في الساحتين السياسية والعسكرية. بالمقابل، و على رغم أن السيد ترامب يقتفي أثر رجال أثرياء دخلوا البيت الابيض، إلا أن الرئيس الخامس والأربعين سيدخل البيت الابيض بثروة شخصية هائلة تقدر باربعة ونصف مليار دولار، الأمر الذي يشير إليه مؤيدوه بفخر مفتعل بانه مؤشر لأهلية الرجل لإدارة الحكومة الامريكية بالحنكة نفسها التي يدير بها أعماله التجارية الضخمة.
و بما أن الرئيس المنتخب، كعادته، لم يجود أثناء أو بعد الحملة الانتخابية بتفاصيل عن فلسفته الإقتصادية، وطالما مازال الرجل غارق في يم تصريحاته الشعبوية، ومع الإخذ في الاعتبار تقهقره عقب فوزه عن بعض مواقفه المتشددة تجاة برنامج ((الرئيس أوباما)) للرعاية الصحية ومحاكمة ((السيدة هيلاري كلينتون)) بشأن "فضيحة" الرسائل البريدية و النقد الشديد ل((وول إستريت)) بصفة عامة وبنك (قولدمان ساكس) بصفة خاصة؛ بات واضحاً الآن أنه ليس هناك ثوابت في اقوال الرئيس القادم سوى التناقضات الصارخة التي تلازم الرجل كما الكلب الوفي للصاحبه. بينما يرى محللون سياسيون أن العديد من التصريحات الفضفاضة التي اطلقها السيد ترامب خلال حملته الإنتخابية غير قابلة للتنفيذ و بل ستظل حبيسة أدراج المكاتب، إلا إننا نحسب ان ثمة حاجة لوقفة متأنية حيال الهاوية السحيقة التي تفصل بين مشروع ترامب "لإستعادة أمريكا" و ايديولوجية الحزب الجمهوري من ناحية، و بعض النظم الإقتصادية والأفكار المالية المتناقضة التي يريد السيد ترامب تطويعها لتحقيق الرفاهية للشعب الأمريكي من الناحية الاخرى. وبما أن لمشروع "إستعادة أمريكا" دلالات عنصرية لا تخطئها العين إلا أن الجانب الإقتصادي لهذا المشروع الضخم غامض وآليات تنفيذه ملتبسة وفي حاجة مآسة لبعض الإضاءة.

(٢)
من المسلمات أن ايديولوجية و أفكار الحزب الجمهوري تتمحور في تشجيع الإنجاز الفردي والأسواق الحرة و تحفيز الاقتصاد عبر خفض الضرائب على الشركات و ذوي الدخل المرتفع، و خفض القيود على الصناعات و البنوك. وأيضاً يفضل الجمهوريون إنشاء برامج رعاية صحية لذوي الدخل المحدود (ميديكيد) وبرنامج رعاية طبية (ميديكير) لكبار السن و ذوى الاعاقات مبنية على "اسهامات" المستفيدين بدلاً من برنامج "المستحقات" الذي يحبذه الديمقراطيون. كما يعتقد الجمهوريون أن الحكومة الفدرالية "ليست هي الحل، بل المشكلة نفسها"، وعليه يعملون دائماً لتقليص دورها و خفض حجمها وكبح جماح إنفاقها على مشروعات الرعاية الإجتماعية و البرامج التنموية من شاكلة منشئات البنية التحتية من جسور وشبكة طرق، ويستبشعون تدخلها في الشأن الاقتصادي. و لكن، وعلى الرغم من كثرة فترات حكم الجمهوريين منذ أن تبلورت الايديولوجية و الافكار الاقتصادية للحزب الجمهوري بشكل واضح عام 1960، إلا أن هذه الاديولوجية والسياسات الاقتصادية و المالية لم يحالفها النجاح في سعي الحزب لتحقيق الرفاهية للشعب الامريكي، كما لم تحقق هذه الايديولوجية ازدهار اقتصادي يذكر سوى خلال الستة سنوات الاخيرة لرئاسة الرئيس الجمهوري ((رونالد ريغان 1911-2004)) في ثمانينيات القرن الماضي. بما أن الرئيس الاربعين للولايات المتحدة ورث كساداً إقتصادياً سيئاً من سلفه الديمقراطي ((جيمس ايرل كارتر1924-))، إلا أن إدارته استطاعت أن تحقق نمو اقتصادي مذهل وصل الى 9% في عام 1983. كما تمكنت إدارة الرئيس ريغان من خفض نسبة البطالة من 10% الى 5% في خواتيم عهده، مع العلم ان الحد الأدنى للاجور، الذي بلغ خمسة دولارت لكل ساعة عمل، ظل دون مستوى المعيشة حينذاك. وبما أن إدارة ريغان تعتبر أفضل إدارة لرئيس جمهوري، نجد بالمقابل أن الايديولوجية والافكار الاقتصادية والمالية للحزب الجمهوري مُنيت بفشل كبير ونكسات عديدة إبان تلك الفترة، إذ فشلت سياسات ريغان الاقتصادية والمالية (Reaganomics) و (Trickle Down Economics) في تحقيق إندياح الفائدة المادية الى الطبقات السفلى في المجتمع بالرغم من قيام الحكومة بخفض الضرائب على ذوي الدخل المرتفع من 70% الى 28% و على الشركات من 48% الى أقل من 25%. لم تفشل السياسات الإقتصادية والمالية لإدارة ريغان في تحقيق إستقرار إقتصادي في المدي المنظور فحسب بل أدت هذه السياسات الى سلسة من كوارث اقتصادية و مالية كبيرة إبتدرها كساد عام 1983 الذي جاء رداً لقيام البنك المركزي برفع معدلات الفائدة الى20% وذلك في محاولة يائسة لمجابهة التضخم. و يجمع الاقتصاديون على أن كساد 1983 كان الاعظم منذ الكساد الكبير الذي اصاب الإقتصاد الأمريكي إبان إدارة الرئيس الجمهوري ((هربرت هوفر 1874-1964)) في شهر اكتوبر عام 1929، و الذي أدى لانهيار سوق المال و هبوط مؤشر ((داو جونز)) بمعدل 50% نتيجة لطرح ما يربو على 19 مليون أسهم دفعة واحدة في السوق بهدف تنشيط الاستهلاك، الأمر الذي أدى لهبوط مروع لسعر الاسهم جراء زيادة العرض على الطلب. و في اكتوبر عام 1987، إنهارت سوق الأسهم مرة اخرى حيث إنخفض مؤشر ((داو جونز)) مرة اخرى بنسبة تفوق ال%22. وتوالت الكوارث الأقتصادية و المالية بإنهيار عدد ألف بنك صغير للتوفير والإيداع وإصابة قطاع العقارات بكساد كبيرعام 1989 نتيجةً لقيام الحكومة بتطبيق سياسة تخفيف القيود ((Deregulation)) على الإقراض من البنوك وإلغاء شرط "القرض الى قيمة الاصل" والذي هو عبارة عن نسبة مبلغ القرض الى القيمة التقديرية للممتلكات المقدمة كضمان للقرض. إنتهت الكوارث الاقتصادية والمالية التي لازمت إدارة الرئيس ريغان بزيادة ديون الولايات المتحدة بنسبة 186% حتى بلغت 2.6 تريليون دولار في نهاية عهد الرئيس الجمهوري المحبوب، وذلك على الرغم من جهود المشرعيين الجمهوريين للجم الإنفاق الحكومي.
(٣)
ليس هناك ما يشير الى أن الرئيس المنتخب سيتجنب المطبات الاقتصادية والمالية التي عصفت بالعديد من إدارات اسلافه الجمهوريين، بل جُل تصريحاته تشير الى أنه ملتزم ليس فقط باديولوجية الجمهوريين والأفكار الفلسفية و نظرية (Trickle Down Economics) الإقتصادية التي تزعم (بدون دليل قاطع حتى الآن) أن خفض الضرائب على رجال الأعمال والاثرياء يقود بالضرورة الى الإدخار والإستثمار وبالتالي الى خلق فرص العمل، بل بالفلسفة الجمهورية التي تسعى لتحجيم الدور الحكومي مع اعلاء دور القطاع الخاص في ادارة عجلة إقتصاد البلاد. ولتنفيذ هذه الافكار على أرض الواقع السياسي، إختار السيد ترامب نخبة من رجال الأعمال عديمي الخبرة بالعمل الحكومي ولكنهم شديدو الولاء لشركات القطاع الخاص، وعليه بادر الرئيس المنتخب بترشييح كل من السيد ((إستيفن منوشن)) "إبن وول إستريت المدلل" لتولي حقيبة الخزانة والمستثمر السابق السيد ((ويلبر روس)) وزيراً للتجارة و الشريك السابق في بنك قولدمان ساكس و(إبن شركات النفط والغاز البار) السيد ((قاري كوهين)) مديراً للمجلس القومي للإقتصاد، فضلاً عن قائمة طويلة مكتظة باسماء اثرياء من المتوقع تكليفهم للعب أدوار مفصلية في مشروع السيد ترامب "لإستعادة أمريكا".

(٤)
لكن ثمة أمران يدعوان لرفع الحواجب حول ايحاحات السيد ترامب الاقتصادية. لقد اعلن الرجل ان إدارته ستتبنى مشروع تشييد وترميم شبكة طرق وجسور ومطارات ومدارس ومستشفيات بقيمة تريليون دولار من الخزانة العامة و هو أمر لم يسبقه إليه رئيس من الجمهوريين، إذ لا يحبذ الحزب الجمهوري هكذا الدور باعتباره تدخلاً سافراً للدولة في الشئون الاقتصادية للبلاد. من هذا المنطلق يجدر الإشارة الى أن الرئيس الجمهوري ((هربرت هوفر 1874-1964)) قرر عدم تدخل الحكومة اثناء كساد عام 1929 وذلك لإيمانه بالنظرية الكلاسيكية للاقتصاد و التي تقول أن الاقتصاد قادر على تصحيح نفسه تلقائياً، الأمر الذي لم يحدث حينذاك. و جدير بالذكر هنا ان قوة دفع ((الكساد الكبير)) لم توهن إلا بعد أن تدخلت إدارة الرئيس الديمقراطي ((فراكلين روزفلت1882-1945)) الجديدة وإتخذت إجراءات إقتصادية عاجلة عام 1933، وذلك إستناداً على نظرية إقتصادية اسس لها الإقتصادي البريطاني السير ((جون مينارد كينز ((1883-1946، والتي ترى أن الحكومة تستطيع التخلص من الركود الاقتصادي عبر زيادة الانفاق الحكومي أو خفض الضرائب. والمعروف أن ((كينز)) الذي سطعت نجمه منذ نهاية عشرينيات القرن الماضي كان يدعو لاقتصاد مختلط و شراكة بين الحكومة و القطاع الخاص في بعض المشروعات التنموية، ووجوب تدخل الدولة بغية تنشيط الطلب وإنتشال الاقتصاد من حلات الركود، وأيضاً تمويل العجز لتحقيق العمل للجميع. كما إنتقد ((كينز)) النظرية الكلاسيكية للإقتصاد و التي تزعم أن خفض الضرائب على رجال الاعمال و ذوي الدخل العالي و الشركات يقود بالضرورة الى الاستثمار و بالتالي الى خلق فرص عمل. على الرغم من أفول نجم النظرية ((الكينزية)) في خواتيم ستينيات القرن الماضي، إلا أن الدور الاسعافي و الواجب الحكومي فيما يلي منشئات البنية التحتية من طرق و جسور و مدارس ما زالا يشكلان جوهر فلسفة الحزب الديمقراطي في امريكا واحزبا سياسية كثيرة حول العالم. بالرغم من رفضه للمبادئ ((الكينزية)) إلا أن الحزب الجمهوري درج على الاستعانة بالدولة والاقتصاد الكينزي بطريقة انتقائية كلما اُصيبت احدى "البقرات المقدسة" بنيران صديقة جراء سياسات الحزب الخرقاء كما فعل الرئيس ))جورج بوش الإبن((1946- إبان أزمة "الرهن العقاري" عام 2008 حيث انفقت إدارته أكثر من سبعة عشر بليون دولار أمريكي من المال العام لإنقاذ شركتي (جي أم) و (كريسلير) لصناعة السيارات وبنوك تجارية من الإنهيار.
(٥)
الأمر الثاني الذي يثير الانتباهة حيال تصريحات السيد ترامب الخاصة بمشروع "استعادة أمريكا" اقتصادياً هو ما يبدو كأنها اصوات طبول حرب تقرع ضد النيوليبرالية التي ترعرعت وإزدهرت بين ضلوع ثورة العولمة التي فجرتها أمريكا و صدرتها الى العالم. يبدو أن السيد ترامب، الذي مازال يروج لنفسه بانه رجل من خارج المؤسسة السياسية، يريد "إستعادة أمريكا" من قبضة العولمة ومن مخالب الإقتصاد الحر حتى ترجع مناجم الفحم الحجري الى ولاية فرجينيا الغربية وتعود المصانع الضخمة للسيارات والحديد الى العمل في ولايات متشيقن وإنديانا و اوهايو وبنسلفانيا، هذا مع العلم أن الإقتصاد الأمريكي قد خرج منذ عقود من طور الصناعة التقليدية الى فضاء التكنولوجيا الدقيقة و الخدمات المتطورة. على الرغم من ذلك، ستسعى إدارته لعزل أمريكا خلف سياج تجارية ذات أبواب حديدية ضخمة تفتح في إتجاه واحد تستطيع امريكا من خلالها تصدير سلعتها و خدماتها الى العالم لكنها لن تستورد من العالم الخارجي إلا بعد أن يجلس السيد ترامب حول طاولة المناقشات مع كل رئيس أو رئيس وزراء تريد دولته أن تصدر قطعة شوكولاتة يتيمة إلى بلاد "العم" ترامب، الأمر الذي سيقود الى حرب تجارية كارثية بين الولايات المتحدة من جهة و العالم بقيادة الصين من جهة أخري.
(٦)
حسناً فعل السيد ترامب بنقده للنيولبرالية، و أحسب أن ملايين من بين صفوف الأحزاب اليمينية واليسارية حول العالم بصفة عامة و في الدول النامية بصفة خاصة يشاطرونه الرأي في عدم عدالة النيولبرالية كنظام اقتصادي سياسي. كما أحسب أيضاً أن النيوليبرالية التي خرجت من صلب العولمة والتي رعاها الرئيس الجمهوري رونالد ريغان و رئيسة الوزراء البريطانية اليمينية ))مارغريت تاتشر ((1925-2013لم تحقق تنمية مستدامة أو تجارة متكافئة بين الدول، كما لم تحمي الإنسان أو البيئة من جشع و تهور الشركات متعددة الجنسيات سيما التي تعمل في مجالات النفط والتعدين. كما نحسب أيضاً أن نيوليبرالية ريغان وتاتشر وسياساتها التي تخفض الضرائب على الشركات و الأثرياء قد ساهمت بقدر غير ضئيل في تهميش كل من المناطق الأقل نمواً ((left behind) مثل مقاطعة لنكونشاير ومقاطعات الشمال الشرقي في المملكة المتحدة و ولايات ((حزام الصدأ) التي تشمل فرجينيا الغربية وأوهايو وإنديانا وميتشيقان وأيوا ويسكونسن وشمال ولاية إلينوي في الولايات المتحدة، وعليه نلحظ أن سكان هذه المناطق المهمشة في بريطانيا صوتوا بنسبة عالية لصالح مشروع خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الاوروبي، كما ساهمت أصوات سكان ((حزام الصدأ) في أمريكا بقدر كبير في إنتخاب السيد ترامب. وبما أن الهجرة لعبت دوراً كبيراً في الإستفتاء في المملكة المتحدة والإنتخابات الرئاسية الولايات المتحدة، يجدر الإشارة الى أن حرية حركة المواطنين جنباً لجنب مع حرية حركة السلع التجارية تعتبر من احدى وعود النيوليبرالية التي ينتقدها السيد ترامب اليوم.
لكن على رغم من تصريحاته ضد النيوليبرالية، تشير تصريحات السيد ترامب الاخرى الي أمر أخطر من معارضة الرجل للتجارة الحرة وسعيه لفرض تعريفات جمركية عالية على السلع الواردة الى الولايات المتحدة من دول كبرى كالصين. يبدو أن السيد ترامب يريد أن يعيد عقارب الساعة الى الوراء لتقف ليس فحسب عند تسعينيات القرن الماضي عندما أغلقت معظم مناجم الفحم الحجري ومصانع الحديد أبوابها في أمريكا، بل يريد أيضاً للولايات المتحدة أن تتحول الى ((مركنتلية)) جبارة على غرار تلك التي سادت في أوروبا بين القرنين السادس عشر والثامن عشر عندما أعتقد المركنتيليون وقتئذ أن كمية الذهب و المعادن النفيسة في العالم جامدة ومحدودة وعليه وجب على الدولة جمع الثروة عن طريق التصدير والحد من الاستيراد وذلك عن طريق الصاق تعريفات عالية على الواردات، فضلاً عن قيام الدولة بفرض السيطرة "الصارمة والمحكمة" على كافة المناحي الاقتصادية، وتطويع الاقتصاد بغية تحقيق توازن اقتصادي مفضل. و كان عراب ((المركنتلية)) ووزير الخزانة الفرنسي ((جان بابتيست كولبير 3((1619-168 يدعو، كما يدعو السيد ترامب الآن، الى أن تظل اُجور العمال منخفضة كي تحقق السلع المحلية ميزة تنافسية في الاسواق الأجنبية، و كان الوزير يعمل أيضاً بلا كلل بأن يكون "جزاء أرباب الأعمال وفيراً" وذلك لتحفيزهم على صنع المزيد من السلع. وحسناً فعلت المركنتيلية بالامبراطورية، إذ أزدهر الاقتصاد الفرنسي كثيراً لعشرات السنين وإمتلأت الخزائن بالمعدن النفيس وتوسعت الأمبراطوية بفضل مركنتيلية كولبير، ولكن كان كل ذلك قبل أن يطيق الشعب ذرعاً بالجوع والفقر والمرض والضرائب العالية، الأمر الذي أدى للإطاحة بالملك في ثورة عارمة لم تستطع ابواب سجن "باستيل" الصمود أمامها.
(٧)
لاشك إذاً أن الأيام المائة الأولى لإدارة ترامب حبلى بالمفاجاءات التي ربما ستبين للرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية وأعوانه الأثرياء أن شتان بين إدارة شركة خاصة و إدارة بيروقراطية دولاب الحكومة الأمريكية التي تسير وفق فلسفات وسياسات ونظريات إقتصادية هي أصل الخلاف الجوهري لمفهوم و لدور الحكومة لدي كل من الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة. ربما سينجلي وقتئذ أن تلك البيروقراطية المسمى "الحكومة المركزية" الأمريكية، بالرغم من ((بل ربما بسبب)) عمرها المديد، لا تجيد التعاطي في آن واحد مع نظريات إقتصادية شديدة التناقض والندية والتنافر. عليه، سيكتشف السيد ترامب أن عليه أن يسرع القدم عاجلاً في إختيار المبادئ الاقتصادية والفلسفية التي يرتكز عليها مشروع "إعادة أمريكا"، وذلك كي لا يجني الرجل على نفسه براقش وتصبح شراكته المثيرة للجدل هذه مهددة بالتأمييم والمصادرة والتصفية من قِبل المشرعين الديمقراطيين والجمهوريين والشعب الأمريكي ومراكز الضغط اليمينية واليسارية على حد سواء.