خصصت في مجلة "العربي الأفريقي" (أصدرها الحبيب عبد الرحمن السلاوي في آخر السبعينات)، التي كنت رئيس تحريرها الخفي، باباً للمنوعات سميته "مما جميعه". وكتبت فيه عن سوء ظن صفوتنا بحس الفكاهة عند عامة الناس. فهم عندهم خلو من الحس بالفكاهة. ودليلهم أنه ما يكاد الواحد منهم يضحك حتى يتراجع عن ذلك ويستغفر.
ومن يقول إن عامة الناس مجردون من الفكاهة إما أنه لم يعرفهم أو أنه عرفهم ورأيه غير حسن في منتوجاتهم الفكاهية. وضربت مثلاً للمزاج الفكه عند العامة بما سجلته عند الرباطاب من أغان كاريكتورية يلهب بها الشاعر ظهر من ارتكب خطأ في المهارات التي ينبغي أن تكون في الراشدين منهم. فالرباطابي مفروض فيه أن يحسن التخلص من الموقف الصعب، ويحسن الحفاظ على أشيائه خلال ذلك. فوجدت بينهم أغنية عن أحدهم غرقت به المركب فنفد ولم ينقذ معه صندوقاً له حوى زجاجات خمر مختلفة (ما منعونا يا!). فبَشّع به الشاعر. ومن أجمل صور المبالغة في الأغنية تلك الحفلة التي انعقدت في قاع النيل بين صنوف السمك (دبس وخشم بنات وكور وكانكيج) التي تعاطت المكروه عمداً وسهرت وهيصت. وتذكرت بالطبع واقعة سابقة أهداها رباطابي غشيم آخر (بابكر) هذه السهرة الغراء. ووصف الشاعر السمكة التي شربت خمر بابكر بأنها "كور بابكر الزمان".
أمس تصفحت ديوان إبراهيم علي سليمان (1937-1995) على الإنترنت. وكنيته "الشاعر" وورث قول الشعر عن أبيه شاعر المناصير الغرد. وكان موجهاً للغة العربية بوزارة التربية وتخرج من المعهد العلمي بأم درمان بالعالمية. وقد جمع شعره تلميذه النذير تاج السر البشير فأحسن. ووضعته استاذة أكاديمية ألمانية مخطوطاً ما يزال على الشبكة الدولية.
لم ألتق بالشاعر الشاعر. ولكنني لم أكن اخطئه في 1984 حين عدت للمرة الثانية أجمع مأثور الرباطاب. فقد كانت "مغاناته" لإبراهيم الدقاق، شاعر الرباطاب الفكه، على كل لسان. فقد سقط حمار الدقاق منه في الماء حين كان يعالج خروجه من بنطون أبو حمد. وبلغ النبأ الشاعر فأوسع الدقاق تقريعاً. ورد الدقاق الصاع صاعين حتى توسط الأرباب ود العمدة علي عمر البشير، المعلم، وأنهى النزاع بينهما بأغنية طريفة. وكان الرباطاب والمناصير معاً يتابعون هذا السجال وينتثر على أنسهم.
وجدت في الديوان أغنية للشاعر يٌبَلِغ بها الأرباب على عمر عن فقدانه لعصاته أو حداثته من أثر نعاسه بالقطر ويطلب منه مساعدته في البحث عنها. قال:
يا الأرباب مسكني نعاسه
ومني انزلقت الحَدَاثة (عصا يستعين بها القائل في قوله أما جماعة)
ماها رقيقي ناقصة مقاسة
وماها غليدي اللت مرَّاسة (رواد أنادي المريسة)
محسحسة مَلسي زي الكاسه
من سَلَماً جميل ومواسه
سمحي وللنضٌم هنداسة
تَنَبِه جٌملّة الدراسة (عمال الخط بالسكة حديد)
إن بقى غادي لكنشاسا (الكنغو)
وإن بقى في قصر بوكاسا (ود مدني. اهداه له النميري)
يكوسوها العصاييّ كواسة
فرد عليه البشير يفاقم من خطط التفتيش عن الحَدّاثة ويبالغ برسم كاريكتوري دولي:
النومة تقيلة بي هلواسه
أكيد بتضيع الحداثة
مَدة صب وعودها مواسه
من سلماً مأصل ساسه
من قدام مقوّس راسها
مَتَقّل راسها فيهو نحاسة
بَلَّغنا النقطة بي حٌراسها
وأيضاً جملة الدرَّاسه
والبحارة والرواسة
وبالجو طائرات نفاثة
شغالة الجنود بى حماسه
والبحاره ماسكة مقاسه
جابو النيل وكاسو كواسة
وصفوا الموية بكنداسه
وفي الكير غربلو الحصحاصه
وأخيراً إتلقت في الباسا (بلدة الدكتور مختار عجوبه بمحلية مروي)
معاها الجزمة بي لَبَّاسا
فرحانة أب حمد بناسا
عاد البوت مع الحداثة
والبوت الذي بِلَبّاسه هو بوت إبراهيم الدقاق وكان أضاعه من زمن. وهذا تحرش واضح من الشاعر بالدقاق الشاعر عسى يستفزه إلى بدء دورة أخرى من التغاني الضاحك.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.