بدأ منذ مطلع الألفية الثالثة نمط جديد في الغناء في السودان يختلف عن نمط الغناء الكلاسيكي والشعبي الذي كان سائداً في القرن الماضي، وها هو اليوم يكتسح القديم، وأصبح المعين الثقافي الأول للمراهقين والشباب، ولذا أطلق عليه الأغنية الشبابية، ويروق لي تسميتها بالأغنية الحديثة المعاصرة.
لنعود الى الوراء ونبدأ بتاريخ التوثيق للأغنية السودانية ومراحل تطورها منذ عشرينيات القرن الماضي، وهي الأغنية التي نشأت في وسط السودان وعُرفت بأغنية (أمدرمان) ولاحقاً بأغنية (الحقيبة). وبعد عقدين من الزمان أي في أربعينيات القرن ومع ظهور الإذاعة ظهر شكلٌ جديد من الغناء حمل رأيته الشباب آنذاك، مصاحباً بآلات موسيقية دخلت مع بعض البعثات الوافدة للسودان، كما كان عهد الإذاعة عهد جديد للأغنية في السودان حيث تأسس جمهور حقيقي لها وأصبحت الأغنية تأخذ شكلاً جديداً متأثرة بالأغنية العربية والعالمية التي تصل عبر الأثير وعلى شاشات السينما. فظهر حينئذن شباب مبدعين مجددين في خصائص الأغنية والموسيقى المصاحبة لها، ولم يسلم هؤلاء الشباب من رواد فن الحقيبة ومن النقد والرفض لهذا الشكل الجديد الذي خرج عن المألوف. ثم توالت الحقب، ستينيات وسبعينات وثمانيتيات القرن الماضي شهدت نقلة نوعية كبيرة في الأغنية والموسيقي السودانية وإستخدام الآلات الموسيقية الحديثة التي دخلت عليها، وكذلك دراسة ومهارة المؤلفين والعازفين.
كان الشباب في كل جيل هم حملت راية التغيير الذين يستخدمون التقنية المتاحة لهم في حينها، وذلك بما يناسب عصرهم وتطلعاتهم.
نسعى بعقول مُتفتحة في هذا المقال الى رصد هذه الظاهرة قبل أن نحكم عليها. دعونا نقرأ تفاصيل حركة هذا الفن الجديد السائد حالياً في كل العالم. ونطلع على خصوصياته والظواهر التي يتشكل بها، وآثاره الكبيرة التي تتجاوز التذوق لهذا الغناء الى أعماق القيم لدى هؤلاء الشباب ونظرتهم الى أوجه الحياة ومعالمها. والسودان جزء أصيل من ما يحدث في العالم.
لهؤلاء الشباب لغتهم وموسيقاهم التي يعبرون بها عن همومهم وأحلامهم وتطلعاتهم وسلوكهم ومواكبتهم للطفرة التي تحدث في العالم في كل المناحي. وأهمها الميديا التي مكنتهم من التواصل مع أقرانهم في مشارق الأرض ومغاربها. لقد أصبح العالم في يد كل شاب يحمل جهاز ذكي أو جهاز تحكم من بعد للتلفاز، مما يمكنه من إلتقاط كل الثقافات والتي تمازجت في بوتقة العولمة والفضاء المفتوح، فلم تعد لكلمات (قيمنا، عاداتنا، تقاليدنا وموروثاتنا) قيمة في حدود القطر الواحد، بعد أن إنفتح العالم على مصراعية، فتفتحت عيونهم وعقولهم على الآخر وعلى ثقافته وإنفتاحه وتطوره وتقدمه في العلوم والثقافة والفنون وعالم الموضة.
ولذلك ما يحدث الآن ليس بمستغرب ولا هو بنبت شيطاني، وإنما هو أيضاً مواكب لما يحدث في العالم أجمع من تحول. الزخم المتسارع لتطور التكنولوجيا ووسائط التواصل في العشرة سنوات الماضية كانت أسرع من إستيعاب وإدراك الجيل القديم لهذه الطفرة الواسعة والتي شكلت له صدمة كبيرة، وذلك للتغيير الذي حدث في تلك الفترة الوجيزة، للثوابت التي كانت زاد نهج حياته وثقافته وسلوكه.
وهذا التغيير حدث في كل الحياة السياسية، الإقتصادية، الإجتماعية والثقافية. ونحن هنا بصدد جزء أو فرع صغير من هذه المنظومة الحياتية الكبيرة وهو الأغنية الحديثة المعاصرة (الشبابية).
عرفت مراحل التطور الكبرى في الأغنية السودانية الكلاسيكية أشكالاً وأنماط، لأغاني خفيفة ذات كلمات مباشرة والحان راقصة في كل مراحلها، ولكنها كانت جرعات صغيرة لفنانين كبار مثل حسن عطية، إبراهيم عوض وعثمان حسين والخ... أما ما يسود الساحة الغنائية الآن فهو ظاهرة جديدة يجب الوقوف عندها وتحليلها ومعرفة خواصها قبل أن نتهمها بالإنحطاط والهبوط بالمستوى الفني والذوقي.
للأغنية أربعة خواص: الكلمة، اللحن، التوزيع الموسيقي والأداء الصوتي.
1/ الكلمة، التي ينظمها شعراء شباب ينتمون لهذا الجيل الذي إستحدث الكثير من الكلمات في تحرك اللغة وأدخل مفردات جديدة عليها، فاصبحت كلماتهم مباشرة تعبر عن مشاعرهم وهمومهم وأحلامهم وتطلعاتهم، كما أن القصيدة المغناة أضحت في كثير من الأحيان صنعة تنظم حسب طلب المغنى أو لتناسب الفكرة الموسيقية التي سبقت الكلمات في تيمة لحنية، وكل ذلك يعبر عن الشباب بما يناسب جيلهم وزمانهم.
2/ اللحن ويتكون في الغالب من جمل لحنية بسيطة ومكررة في إيقاع لحني سريع يشابه إيقاع الحياة المتسارع وأقتصرت الأغنية على أربعة دقائق تزيد أو تقل قليلاً.
3/ التوزيع الموسيقي.. ما ينتهج الآن في موسيقى الأغنية العصرية (الشبابية) هو تنفيذ دقيق وجيد ولا نستطيع أن نسميه توزيعاً موسيقياً بكل خصائصه لأن التوزيع الموسيقي يعتمد أساساً على الدارسة والخبرة والموهبة. بينما التلحين والتنفيذ يعتمدان على الموهبة والخيال الإبداعي ومعرفة دقائق الأجهزة الألكترونية والبرامج الذكية المستخدمة في الأستديوهات. معظم المنفذين من الشباب هواة وغير دارسين لعلوم الموسيقى ولكنهم مدركين للتكنولوجيا والتقنية، ومن الطبيعى أن يتعامل هذا الجيل مع روح العصر وما صار من طفرة كبيرة فى تقنيات التوزيع الآلى. إستعاض المنفذين عن العنصر البشري في عزف بعض الآلات بالعازف الآلي المبرمج في آلة الاورغ. كما إستخدموا مركبات إقاعية مبرمجة مصاحبة لآلات موسيقية إيقاعية ، أدى ذلك الى ثبات الإيقاع وإضافة التنويع والزخم الصاخب الذي يميز هذا العصر.
4/ الأداء الصوتي، من أكبر إسهامات التكنولوجيا للمغني هي تطور أجهزة الصوت وحساسية إلتقاطها والتحكم في إضافة مؤثرات ترفع من درجة تنقية الصوت، وأسهم هذا في تشجيع الكثير من الشباب في الدخول في تجربة الغناء.
لابد من القول هنا أن التطور العلمي والتكنولوجي الذي يشهده العالم المعاصر أدى بدوره الى استخدام الوسائل العلمية، بحيث مكن ذلك من دخول التقنيات المتطورة في صناعة الموسيقي وأجهزة التسجيل والمكساج الفائقة الدقة. إستخدام الذكاء الصناعي أسهم في تغيير مسارات الحركة الموسيقية المعاصرة وفي تغيير الكثير من عادات التلقي والتذوق التي كانت سائدة وراسخة عند الجيل القديم ،وهو ما أثر بدوره في بروز أشكال جديدة في التأليف الموسيقي والتنفيذ وهندسة الصوت وغيرها.
إختلاف الأجيال والأمزجة وإختلاف العصر بمكوناته وخصائصه كان سبباً في هذا الفرق الواسع بين الجيل القديم والجيل الحديث. ولهذا يجب أن لا يحاكم ذلك الجيل هذا الجيل بموروثه الثقافي والذوقي وأن لا يقارن بين الأغنية الرائدة والأغنية الشبابية فلكل مقوماتها وخصائصها ومميزاتها وجمهورها الذي يتذوقها ويطرب لها. ولننتظر أجيال قادمة تحكم على ما قدمه هؤلاء الشباب.
عبدالعزيز خطاب
أكاديمي موسيقي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.