أهم ما يمكن ملاحظته في إتفاقية التسوية السلمية لحل النزاع منذ توقيعها ابان وجود النائب السابق مشار، وحتى لحظة كتابة هذه السطور، هو غياب إرادة التنفيذ، او الآلية المشتركة التي يشترك فيها الجميع ومن خلالها يتم تنفيذ بنود ذلك الإتفاق على أرض الواقع. ما إنعكس بطبيعة الحال على اداء حكومة الوحدة الوطنية منذ تكوينها، والتي ضمت مجموعات متباينة فكريا وسياسياً ، وهو ما شكل عقبة كبيرة امام تنفيذ الإتفاقية في ظل غياب هذه الإرادة السياسية والتي تعتبر روح الاتفاق نفسه.
فالأوضاع السياسية العامة في البلاد، بكل وضوح لا تعبر عن حالة السلام التي يتحدث عنها شركاء حكومة الوحدة الوطنية . فما يحدث من تدهور متسارع ومريع للأوضاع الإقتصادية والأمنية بكل البلاد، يصطدم بكل تأكيد بحقيقة هذا السلام الذي "تلوكه" الألسن. ولكن ما يدعو للحيرة من أمر هؤلاء هو تسليمهم بحقيقة تلك الأوضاع المأساوية، ورغم ذلك يزداد إصرارهم يوماً بعد يوم، بأنهم ماضون في تنفيذ السلام،دون ان يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن مكامن الخلل الحقيقية والهامة لتدارك هذه الأوضاع المزرية. ونتساءل بكل وضوح في هذه العجالة، ماذا "يعجبهم" في ذلك اللا سلام الذي يقومون بتطبيق بنوده على تلك الشاكلة العرجاء..؟! "أيعجبهم" حالة المواطن الذي أنهكته ظروف الحياة وشظف العيش..؟! أم الأوضاع الأمنية غير المستقرة والتي يتأثر بها المواطن دون غيره..؟! فما العبرة إذن من وجود السلام الحالي والإمعان في المضي فيه بذلك الشكل المعيب،لطالما الأوضاع التي كنا نعايشها قبل هذا السلام لم تبارح مكانها قط.إذن لا بد من التسليم بأن هناك خلل ما في طريقة تنفيذ هذه الإتفاقية، بسبب غياب الارادة العامة الجامعة للقيادة السياسية بالبلاد، والتي تحول دون إعادة النظر في حقيقة ذلك السلام الذي يمضي في ظل الحرب الحالية.
فهناك جوانب هامة تحاول القيادة السياسية مُداراتها، وذلك لاسباب هي أدرى بها. فمثلاً التسوية السياسية التي هي عنوان هذا الاتفاق الأساسي اين تقف الحكومة منها..؟!، أو بمعنى آخر ، هل تم إنجاز عملية التسوية السياسية التي تتحدث عنها الإتفاقية بوضوح في إطارها الذي يقود الى الإستقرار السياسي بالدولة..؟! وهنا يكمُن بيت القصيد. فالعلة لم تكن يوماً في الإتفاقية نفسها، ولكن في طريقة التسوية السياسية المختلف عليها من قبل الأطراف الشريكة،وذلك بسبب التحفظات الواضحة على بعض بنودها ، والمعلنة بشكل صريح من قبل الحكومة. وهي ما قادت الى إستنساخ ذلك "المسخ" الذي يتم تطبيقه بتلك الطريقة المثيرة للدهشة، وهو الذي أخرج الإتفاقية برمتها عن سياقها العام الذي يفضي الى ما يرنو له الجميع. فما يتم تنفيذه حالياً ليس الا تحايلاً على ذلك الإتفاق في ظل تلك التحفظات التي سبق ذكرها.
وقد سعدنا مؤخراً بمبادرة رئيس الجمهورية ودعوته للحوار الوطني، والتي نحسب أنها جديرة بالدعم والإحترام في ظل الظروف غير الطبيعية التي تخيم على البلاد. فعلاج ذلك "الجرح الغائر" الذي أصاب البلاد في خاصرته،يكمن في هذا "الحوار الوطني" الذي دعا له رئيس البلاد.لأن الحوار الوطني وحده ، جدير أن يعيد إتفاقية حل النزاع بجنوب السودان الى مسارها الصحيح. ولكن في ظل هذه المبادرة اللافتة ،لا بد من توافر المقومات الأساسية لإنجاح مثل هكذا العملية، والتي تسمى في الأدبيات السياسية بـ"آداب الحوار الوطني" والتي يجب مراعاتها والإلتزام بها عند بدء العملية نفسها،والتي تتمثل في تغليب المتحاورين للمصلحة العامة على المصلحة الخاصة.كالإستعداد التام على التنازل عن المواقف المُثيرة للخلاف لصالح المصلحة العامَّة. وعدم الارتباط بأجندة خارجيَّة، وحسابات خاصة تُعقِّد فُرص الوصول لحلولٍ مُشتركةٍ حول مسائل الخلاف. وانتهاج العلميَّة والمهنيَّة في عرض المواقف المُختلفة؛ ويتجلى ذلك بتوفُّر الأدلة المهنيَّة والعلميَّة لديهم عند عرض آرائهم. الى جانب الحياديَّة في الأطراف المُنظِّمة للحوار، كمظهر للنيَّة الصافية لديها، ممَّا يُعطي فرصاً لنجاح الحوار. ولا نحسب ان يكون الحوار الوطني الجنوبي الذي دعا إليه الرئيس كير، بعيداً عن الإلتزام بهذه الآداب التي ذكرت، بجانب الآليات التالية :-
• الإتفاق على إيقاف الحرب بين جميع الأطراف المتصارعة.
• دعوة جميع هذه الأطراف الى طاولة الحوار.
• قبول مسألة المحاكمات العادلة .
• الأجندة الوطنية التي يتم وضعها خلال هذا الحوار الوطني والتي يجب أن تحوز على الاجماع الوطني الشامل.
تلك الآليات التي ذكرت تمثل اساس اي حوار وطني ناتج عن الحرب، وهي في ذات السياق تمثل بشكل او بآخر اساس روح الإتفاقية الغائبة منذ التوقيع عليها. ما يعني أهمية تلك الدعوة للحوار الوطني إذا سلمت النوايا والمقاصد.
اما بخصوص الإجماع الوطني على أجندة مشتركة، فلا بد من إيجاد طريقة مثلى لحدوث اجماع وطني بين كل القوى السياسية من خلال برنامج سياسي أيديولوجي ،تمثل الرابطة الأساسية التي تجمع بين الأطياف السياسية المختلفة في بوتقة واحدة،كالذي حدث وإستخدمته الحركة الشعبية نفسها في حربها ضد الشمال، والإستفتاء المصيري. تلك الأيديولوجية القومية والتي يجب أن تتبنى برامج الإصلاح والبناء الوطني،يمكن ان تحول هذا الإختلاف والتمايز، الى عنصر قوة وتماسك لكل القيادات السياسية بالبلاد، وجعلهم بمثابة الكائن العضوي، والذي يتكون من مجموعة أعضاء ولكن بوظائف مختلفة تصب في مصلحة ذلك الكائن الواحد.والآليات الثلاثة التي ذكرت في السياق السابق كفيلة بأن تمهد لتشكيل هذا الاجماع الوطني. فتقبل مسألة المحاكمات العادلة والتي يجب أن تليها خطوات عملية جريئة،بجانب تقبل نتائجها مهما كانت،هي اول الخطوات نحو حوار وطني شامل يمكن أن ينقذ هذه البلاد من الخطر المحدق به؛ لأن الأمر لا يقتصر على الساسة وحسب، فهناك حالة إحتقان غير عادية بين مكونات المجتمع الجنوبي لا يمكن فك طلاسمه بدون هذه المحاكمات العادلة. فكيف بطبيعة الحال،تقبل المرء لمسألة معرفة أشخاص يعيشون في مجتمعه ،وهو يعلم انه قد تأذى منهم بشكل او بآخر في هذه الحرب اللعينة دون ان تتم مساءلتهم..؟!
في خاتمة هذه السطور يجب التذكير،بأنه لا نتوقع حدوث حوار وطني شامل، بعيداً عن هذه العوامل التي ذكرت في متن المقال،والا سنكون كالطاحونة التي تصدر "ضجيجاً" دون أن يُرى منها الطحين.ولا يمكن أن تتحقق "الإستراحة النظيفة" التي تحدثت عنها تلك المؤسسة البحثية الأمريكية بدون هذه العوامل. فلا يعقل ان تجرى عملية الحوار والمصالحة الوطنية، بالقفز فوق العدالة الانتقالية والمحاسبة والتي يحاول النظام غض الطرف عنها في ظل الطريقة الإنتقائية التي تتبعها.وحتى الإتفاقية نفسها نصت بشكل تراتبي على ذلك في فصلها الخامس والذي عنواها (العدالة الإنتقالية والمحاسبة والمصالحة والمعالجة). فالحقائق تظل كما هي مهما سوغت لها الأسباب لتغبيشها. فلا عزاء لدعاة الحوار الوطني سوى قبول الواقع الذي فرض نفسه،والتسليم بأنه لا يمكن لوي عنق الحقيقة بالأسفاف في أمور لا يمكن ان تحل المشكلة من أساسها.فالدعوات الصادقة يجب أن تتبعها إجراءات جريئة وشجاعة لكي تتسق المرامي والأهداف. فعندما تنفصل القيادة السياسية عن واقع المجتمع الذي يحيط به ، هنا تحدث الإختلالات بشأن الأسبقيات والأولويات، فبينما يبحث الشعب عن الأمن والإستقرار، تجدهم يتهافتون وراء أشياء لا تمت للمواطن بصلة. فمتى يصح قادة الجنوب السوداني من غفلتهم البغيضة...؟! ونتمنى ان لا تكون لجنة الحوار الوطني التي تم تكوينها مؤخراً "مسمارٌ مبكر" في "نعش" بادرة الرئيس كير الطيبة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.