"رأى فى استطلاع نشر فى جريدة الميدان ١٤ فبراير"

قرارات الرئيس الأمريكى ترامب الاخيرة رغم انها منطلقة من فكرة الرجل الاساسية ان سبب تعويق انطلاقة العملاق الأمريكى الى غاياته هوانشغال امريكا فى قضايا يعتبرها لا تهم الشعب الأمريكى ثم فتح البلاد لمئات الآلاف من المهجرين من جميع أنحاء العالم وهذا يفتح الباب للمسلمين ( الإرهابيين ) وعلية فان مواجهة ذلك حتى ولو اتهمت امريكا بالتفرقة على أساس. الجنس واللون والدين هو الطريق لحل مشكلة امريكا الاقتصادية وحل مشكلة العطالة والسير نحو الرفاهية التى يتخيلها او يقول بها وبمنع المسلمين من دخول امريكا يمنع الاٍرهاب رغم ان الامر كما تصور الرجل امر داخلى قد يعجب كما كان فى تقديرة الأغلبية البيضاء من الأمريكيين خصوصا أغلبية حزبه الجمهورى الا ان الامر واجه مصاعب جمة فى الموافقة عليه شعبيا فى الداخل ولَم ينل رضا حتى قطاع كبير من الأغلبية البيضاء كذلك تصادم القرار مع المؤسسة العدلية التى تحرس الدستور والقانون فى الديمقراطية الامريكية وكان لقراراته حول منع حملة التأشيرات من رعايا الدول السبعة اثر كبير خارج امريكا وداخلها وردود فعل واسعة اقتصاديا وسياسيا اما نحن فى السودان فقد كان حظنا من القرارات الامريكية واسعا ومتناقضة حيث نالنا فى الواقع ثلاث قرارات :
واحدة صدرت فى الأسبوع الأخير من عمر الادارة الامريكية السابقة والتزم بها ترامب وهو عن الرفع المحدد المدة والمشروط للعقوبات الاقتصادية لمدة ٦ أسهر مرهونة الاستمرار باتخاذ الحكومة إجراءات محددة حول الأزمة السودانية
والقرار الثانى وضع السودان ضمن الدول السبعة الممنوعة دخول رعاياها الى امريكا حتى لحملة الجرين كارد ( الإقامة الدائمة (
والقرار الثالث وهو يخص بالذات السودان رغم عمومية الهدف وهو لازال فى المطبخ وينتظر صدوره فى اى وقت من الكونجرس وهو قرار اعتبار الاخوان المسلمين تنظيما ارهابيا
لكى نتحدث عن اثر القرارات الامريكية الاخيرة على السودان اقتصاديا وسياسيا يجب ان نضع تلك القرارات الصادرة منها والمتوقعة فى سلة واحدة وننظر الى نتايجها بشمولية والا ننظر اليها واحدة بمعزل عن الاخرى لنصل الى نتايج واقعية واذا أردنا ان نقيس اثر هذه القرارات اقتصاديا وسياسيا على حالتنا لابد ان نستعرض واقعنا سريعا حتى دون الغوص فى العمق والتفاصيل :-
١- السودان يعانى من حرب أهلية طاحنة فى أطرافه تستنذف معظم موارده وعطلت معظم موارد الانتاج الزراعى وأثرت على ثروته الحيوانيه
٢- السودان يعانى من اثر انفصال الجنوب وفقدان معظم موارده النفطيه وتأزم المرعى نتيجة أزمة الحدود فى مناطق حركة الثروة الحيوانية الطبيعية بين البلدين
٣- الانتاج الزراعى تعطل تقريبا فى اهم المشاريع المروية فى الجزيرة والمناقل وحلفا وغيرها
٤- السودان ليس دولة صناعية بل ان الصناعة التى كانت تقوم على المنتجات الزراعية تعطل معظمها مثل صناعة الزيوت بسبب ضعف الانتاج الزراعى ونقص الطاقة وارتفاع تكلفة مدخلات الانتاج
٥- السودان يعانى من نقص حاد فى الطاقة الكهربائية
٦- الأداء السياسى للحكومة والفشل فى إيقاف الحرب الأهلية أدى الى الحصار الإقتصادى الذى انعكست اثاره سلبا على الاقتصاد الكلى للبلاد والنظام النقدى والمصرفي وسياسات التجارة الخارجية والتحاويل كما ان السودان اصبح مثقلا بديون خارجية ضخمة دون ان تكون لتلك الديون اى عايد يذكر على الاقتصاد بل ان عائدها لايغطى حتى تكلفة خدمتها بل أصبحت مجرد عبىء على الأجيال القادمة نتيجة سوء الادارة والفساد الذى شابها
٧- يضاف لذلك اهتمام الحكومة بأمنها وحربها مع الفصائل المسلحة وتخصيصها حوالى ٧٤ فى المية من ميزانيتها للجيش والشرطة والأمن والماليشيات المسلحة
٨- السودان ووفقا لتقارير رسمية دولية مصنف ضمن اكثر ثلاث دول نعانى من الفساد الذى يضرب معظم مفاصل الدولة
٩- بالتالي ونتيجة لكل ذلك ساءت الخدمات الصحية والتعليمية وخدمات النقل وانعكس كل ذلك معاناة على الفقراء والمسحوقين
١٠- سياسيا السودان لا زال ضمن كشف الدول الراعية للارهاب أمريكيا رغم الرفع الموقت للعقوبات
١١- لا زال راس الدولة وبعض مساعديه مطلوبين لمحكمة الجنايات الدولية اذا استعرضنا هذا الواقع. وبحثنا كيف سيؤثر رفع العقوبات عليه نحد ان الأثر السريع سيكون على التحاويل وتعاملات البنوك العاجلة او المعاملات المعلقة فقط ومؤقتا نتيجة الحصار فالسودان ليس لديه اموال مجمدة كبيرة لدى امريكا كما ايران مثلا كا ان الاستفادة من مساعدات البنك الدولى ومؤسساته او جدولة الديون الخارجية فى نادى باريس او الحصول على قروض خارجية كل هذه الأمور تمر بدورة طويلة تحتاج الى دراسات وتطييق برامج طويلة للإصلاح الهيكلى لاقتصاد الدولة لا تتحقق خلال مهلة الستة أشهر الممنوحة للسودان .
فى نفس الوقت نرى ان منع دخول الرعايا السودانيين الى امريكا بالتأكيد عامل سلبى فى العلاقات بين الدولتين ويعرقل النشاط الإقتصادى رغم الرفع الموقت للحصار كما ان رفع العقوبات مربوط بما سيتحقق فى ملف السياسة الداخلية للسودان مجال إيقاف الحرب وتوصيل الاغاثة للمتضررين وتطور عملية السلام ونتائج الحوار الوطنى كما تتصوره امريكا وحلفائها ولحكومة غير متجاوبة مع طلبات المعارضة لجعل الحوار مجديا

اما السيف الذى سيظل مسلطا على رقبة الحكومة والقشة التى ستقسم طهر البعير فهو صدور قرار الكونجرس المتوقع باعتبار تنظيم الاخوان تنظيما ارهابيا ولن يجدى معها اى ادعاء بان نظام الخرطوم ليس تابعا للإخوان المسلمين وهو يستضيف الألاف منهم من رعايا دول الجوار والعالم ويعلن ويدعم برنامجهم
ويدعمونه
الاستعراض السابق لحالة الدولة يتحكم حتما فى دراستنا لأثر رفع الدعم ذلك الذى زاد الطين بله فى حالة معاناة المواطن البسيط ودعم السلع الضرورية ليس بدعة أوجدتها الضرورة فى السودان إنما هى سياسة متبعة فى كثير من الدول الفقيرة بل والغنية احيانا كالسعودية التى تدعم الوقود بحوالي ٦٠ مليار سنويا بحيث أصبحت ثانى أرخص دولة فى سعر الوقود فى العالم
وتستهدف بعض الدول من سياسة رفع الدعم. عن السلع الضرورية اجراء إصلاح هيكلى فى اقتصادها. فى ظل برنامج اصلاحي شامل تعطيها ايضا فرصة الحصول على قروض اجنبية سواء من البنك الدولى او بتلبية شروطها التى تمنحها شهادتها لتسهل تعاملاتها الدولية
وهذه الحالة لا تنطبق على السودان لان رفع الدعم هنا لم ياتى فى إطار خطة اصلاحية شاملة إنما كمصدر منفرد لتوفير مورد محدود وفى نفس الوقت ليس لها اثر فى توفير موارد خارجية فى فى ظل ما قدمناه من تعقيدات وسوء علاقات السودان الدولية وعدم جدوى قرار الرفع الموقت المشروط للحصار من امريكا

اذن اقتصادياً رفع الدعم الحكومي عن أية سلعة ضرورية كالقمح والوقود والكهرباء والمياه، فى حالة السودان يعني فقط زيادة أسعار هذه السلع مباشرة، ولَم ياتى فى ظل تحقق انفراجة دولية حقيقية ورفع حصار حقيقى يتيح وضع برنامج شامل لاصلاح هيكلى للاقتصاد وذلك يؤدى بالضرورة الى زيادة باقى السلع والخدمات ثم وبالتالي يعني هذا زيادة معدلات التضخم، لانه لن يصاحب هذه الزيادة أية إضافات مقابلة في الإنتاج، بل سيحدث العكس تماما فإن الإنتاج سينخفض أو يتوقف في بعض القطاعات. ولعل تجربة الدول النامية والفقيرة كلها تؤكد بروز تداعيات سالبة على العملية الإنتاجية نفسها بسبب ارتفاع تكلفة الإنتاج والتوزيع والتسويق، وبالتالي تحمل المستهلك كل هذه الزيادة .

وزيادة سعر جالون البنزين والجازولين تؤدي إلى ارتفاع تكلفة النقل والزراعة والصناعة والبناء والتشييد والخدمات العامة كالكهرباء والمياه والتعليم والصحة وفى غياب إمكانية إيجاد اى آلية للتحكم فى الأسعار وعدم جدوى أية سياسة لزيادة الاجور وعدم مرونة الطلب على السلع الضرورية عادة فإننا هنا بالضرورة ندخل فى الحلقة المفرغة ودائرة التضخم الإقتصادى الخبيث
اذن الحل ليس فى إلغاء الدعم بل ان الأقدام عليها فى حالتنا هذه هو انتحار سياسى والحل فى برنامج سياسى واقتصادى شامل يزيل كل العناصر التى أدت لإنتاج الأزمة الراهنة وأدت الى هذا الخلل الإقتصادى قبل الأقدام على رفع الدعم عن الفقراء والمعدمين كحل احادى
الحل اذن سياسى فى المقام الاول ومالم تقدم الحكومة على حلول سياسية جادة للازمة السودانية وبجراحة قد تكون مؤلمة لها وتخسر فيها الكثير مما تعتبره حق
مكتسب لها فى السلطة والثروة والنفوذ ومالم تحدث انفراجة تراضى اتفاق جاد عقلانى بين الفرقاء فى السودان لن تقف الحرب ولن يحل السلام ولن يرفع
الحصار ولن نتمكن من اعادة هيكلة الاقتصاد ولن نحصل على المنح والمساعدات الأجنبية وبالتالي لن تستمر سياسة رزق الْيَوْمَ باليوم والتسول المستمر من دول الخليج لسداد فاتورة رغيف الخبز كثيرا
وسيستمر جنيهنا فى الانخفاض وستزيد معاناة شعبنا من الجوع والفقر والمرض نتيجة التضخم وارتفاع الأسعار وتصل أزمتنا الى مرحلة استحكام حلقاتها ونقطة الانفجار غير محسوب النتائج

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.