ارتحل عن دنيانا الرفيق عبد الماجد علي بوب (علبوب في قول أهنا في جلاس والبار بالشمالية وجمعها العلابيب) مبكياً على نبله الشيوعي، وسهده للوطن، وشغفه بالمعرفة. ولا غرو فقد ترعرع ماجد في كنف مكتبة شيوعية بالسجانة هي مكتبة المواطن كان انشأها أخوه المرحوم بابكر بوب في الخمسينات الأولى. وكان بابكر عاملاً لم يتجاوز تعليمه الكتاب حين خرج يعين على تربية أخوته. ولقي الحزب الشيوعي فأشبع شوقه للمعرفة. ثم ترقى في التعليم بعد ذلك حتى نال الدكتوراه في الاقتصاد. وكان ماجد صبياً يساعد والده في شغل المكتبة. وكانت المكتبة جزءاً من حِيَله لنشر الفكرة الشيوعية وتمديد نفوذ الحزب. وكانت كما أراد. فقد كانت مدرجاً يعلو نشاط الشيوعيين بالسجانة منه ويهبط.
وحكى لي ماجد عن محاولة أمريكية لزحلقة المكتبة عن شاغلها اليساري بالثمن في إطار مسعاهم لتحجيم النشاط الشيوعي. فانتبه أحد أبناء الحي، ممن عملوا بالسفارة الأمريكية، إلى منزلة وخطر المكتبة. فجاء في عام 1958 إلى والده الذي كان يدير المكتبة. وقال له إن السفارة على استعداد لشراء كل الكتب الماركسية منه وأن تملأ له أرففها بكتب مكتب النشر التابع لوزارة المعارف السودانية وكتب عربية أخرى مجاناً. وأغرى العرض والد بوب وقبله في نفسه. ثم سعى لإقناع ابنه بذلك. ولم يقبل بابكر بالطبع، وغضب واحتدَّ مع والده، واستغرقهما شيء من الوقت للصلح بعد أن طرد الوالدُ، مكرهاً لا بطلاً، فكرة قَلْب المكتبة رأساً على عقب. وأبلغ علبوب الشاب برفضه عرض السفارة الذي نقله إليهم. وبناء عليه يَصحُّ القول إنه كانت للسفارة الأمريكية خطة لتجفيف موارد الشيوعيين الفكرية. فليس معقولاً تصور أن شاب السجانة قد بادر بعرضه بدون أمر من أولي أمره، أو بدون موافقتهم.
ومن طرائف مكتبة المواطن التي كان ماجد طرفاً فيها زيارة السيد الصديق المهدي، الزعيم الأنصاري للمكتبة الشيوعية. قال لي ماجد إن السيد زارهم في نحو السابعة والنصف مساء. وقضي نحو ساعة إلا ربعاً يقلب الكتب والمجلات. ومكث بعض الوقت يتصفح مجلة "المسلمون في الصين" التي كانت تصدر من الصين الشيوعية تطميناً للمسلمين بأن الإسلام في الصين بخير. ووقف والد ماجد بوب الختمي بعيداً يرسل ابنه بكتب ومجلات ليعرضها علي السيد الصديق. وعرض مرة كتاباً باللغة الإنجليزية عليه. فقال السيد إنه لا يعرف الإنجليزية. فقال الوالد لماجد: " قال ما بيعرف إنجليزي يعني؟ قوللو إنته كنته في راس القايده في الكلية." وهذا رجوع من هذا الختمي الماكر إلى إضراب كلية غردون عام 1931 الذي كان السيد الصديق أحد قادته. والمعلوم أن السيد الصديق كان عضواً بلجنة الاضراب، الذي قاده مكي المنا، ممثلاً لكلية الهندسة بغير منافس مثل غيره من ممثلي الكليات. واشتري السيد من مجلة "المسلمون في الصين" وكتباً أخرى. ودفع وترك الباقي. ولما حمل ماجد الباقي لوالده قال له ألحقه ورد له باقيه. فهذا الختمي الغيور لا يريد فضلاً من زعيم الأنصار. ووجد ماجد السيد قد ركب سيارته. وفتح السائق الباب لماجد ليتحدث إلى السيد. فقال له أنت نسيت باقيك. فقال له لقد تركته لك يا ابني. وعاد ماجد فرحاً.
ومن طرائف ماجد عن المكتبة أن والده تعلم أن ينطق بالمداومة أسماء بعض الكتب الإنجليزية. فكان يقول مثلاً لماجد حين يري زائراً منقباً عن الكتب: "وريهو المازر (أي The Mother)، أي اعرض عليه رواية مكسيم جوركي المشهورة. وأضاف ماجد أن والده كان معجباً كمسلم بمجلة (المسلمون في الصين) كما كانت كثيرة الزبائن. وكان حين يأتيه مندوب المركز الثقافي الروسي بالمجلات الروسية يقول له أنتم بالفعل تحاربون الدين كما تقول كتبكم وإلا لماذا ليس لديكم مطبوعات عن الدين. وكان مندوب المركز السوفيتي يعتذر. وبدأ الروس يرسلون كتباً عن المسلمين في الاتحاد السوفيتي.
ولد ماجد وفي فمه معلقة من حروف. وعاش يذلل المعرفة لقضية الكادحين ما تراجع شبراً. رحمه الله.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.