التصنيع العسكري في السودان: التطور التاريخي، البنية المؤسسية، الأبعاد السياسية والاقتصادية، والتقييم الاستراتيجي

د. عبد المنعم مختار

استاذ جامعي في مجال الصحة العامة

المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات

المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات

moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

يتناول هذا المقال دراسة شاملة وموسعة للتصنيع العسكري في السودان، ويغطي جميع أبعاد الموضوع بدءاً من الإطار النظري والتطور التاريخي، مروراً بالبنية المؤسسية والتحليل السياسي والأمني، والتحليل الاقتصادي والتنموي، وصولاً إلى المقارنة والتقييم الاستراتيجي.

في الإطار النظري، يُعرف التصنيع العسكري في الدول النامية على أنه يشمل كافة العمليات الصناعية المتعلقة بإنتاج الأسلحة والذخائر والمركبات المدرعة وأنظمة الاتصال والدفاع الجوي، ويهدف إلى تحقيق الاستقلال العسكري والقدرة على حماية الأمن القومي دون الاعتماد على الدول الأجنبية. وتبرز أهمية التصنيع العسكري وفق نظريات الاقتصاد العسكري، التي تؤكد أن الاستثمار في الصناعات الدفاعية يعزز القدرة العسكرية ويحفز الاقتصاد الوطني من خلال توفير الوظائف، تطوير التكنولوجيا المحلية، وخلق الصناعات المساندة مثل المعادن والبلاستيك والطاقة. ويرتبط التصنيع العسكري ارتباطاً وثيقاً بالأمن القومي، إذ يساهم في استقرار الحدود والقدرة على مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية وتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية. وقد تم اعتماد منهجية متعددة المصادر لضمان دقة المعلومات، شملت الدراسات التاريخية والإحصاءات الحكومية، والتقارير الميدانية من مناطق النزاع، وسجلات الميزانية، وتحليل السياسات العامة، والمقارنات الإقليمية مع دول مثل مصر وتركيا وإيران وإثيوبيا.

يمتد التطور التاريخي للتصنيع العسكري في السودان من البدايات في عهد الاستعمار حيث أنشأت السلطات الاستعمارية أولى الورش العسكرية في الخرطوم وأم درمان وعطبرة ووادي مدني لصيانة الأسلحة البنادق والمدافع وتجميع الذخائر، وكان عدد الفنيين السودانيين في تلك الورش نحو 346 عام 1944، مدعومين بـ78 خبيراً بريطانياً، ولعبت هذه الورش دوراً حيوياً في دعم الحملات ضد القوات الإيطالية في شرق أفريقيا خلال الحرب العالمية الثانية. بعد الاستقلال، تحولت ورش الصيانة إلى مصانع وطنية للذخيرة بطاقة إنتاجية بلغت 2.5 مليون طلقة سنوياً، وشملت ورشاً لتجميع المركبات العسكرية مع تعديل نحو 740 مركبة بين 1962 و1968، وتم التعاون مع مصر والاتحاد السوفيتي لتدريب المهندسين والفنيين السودانيين. خلال فترة حكم نميري، توسعت الصناعات لتشمل المعدات الثقيلة والدبابات المدرعة مثل مصنع الخرطوم للمركبات المدرعة عام 1972 بطاقة إنتاجية 25 مركبة سنوياً، كما بلغ الإنفاق العسكري الصناعي 430 مليون دولار بين 1970 و1985 بدعم من الاتحاد السوفيتي. ومع وصول الإسلاميين إلى السلطة بين 1989 و2019، تأسست الهيئة العامة للتصنيع الحربي عام 1993 وتوسعت المنشآت لتشمل 17 منشأة رئيسية و112 ورشة فرعية بحلول عام 2010، شملت مصانع اليرموك والشقارة والزرقة الهندسية، لتلبية احتياجات النزاعات في دارفور وجنوب كردفان. وفي أعقاب الثورة عام 2019، شهدت الفترة الأخيرة إعادة هيكلة جزئية للهيئة وزيادة الإنتاج بنسبة 65% نتيجة استمرار الحرب منذ أبريل 2023 لتلبية احتياجات الجيش في الخطوط الأمامية والصراعات الداخلية.

تشمل البنية المؤسسية منظومة مترابطة من الهيئة العامة للتصنيع الحربي والمصانع والشركات التابعة والمجمعات الصناعية في الخرطوم وأم درمان واليرموك والشقارة والزرقة وإبراهيم شمس الدين، وتوظف هذه المصانع أكثر من 38,000 عامل مباشر وغير مباشر، كما تغطي القطاعات المدنية المرتبطة بها التعدين والزراعة والإسمنت والطاقة، وتتحكم هذه البنية في كافة مراحل الإنتاج العسكري من التصنيع إلى التوزيع، بما يؤثر بشكل كبير على الاقتصاد الوطني والسياسات العسكرية.

ويؤدي التصنيع العسكري دوراً محورياً في الحروب الأهلية، حيث مكن الجيش من دعم العمليات في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق من خلال إنتاج أكثر من 12 مليون طلقة و1,200 مركبة بين 2005 و2015، وتقليل الاعتماد على الدعم الدولي، مع توفير أسلحة مثل RPG-7 ودبابات الزبير 1 و2، مما أثر على ديناميات النزاع وزيادة مدة استمرار الحروب، إلى جانب تطوير الذخائر المضادة للأفراد والمركبات وأنظمة الاتصالات الميدانية. ويتيح التصنيع العسكري للجيش النفوذ على الفاعلين المدنيين والتحكم في الاقتصاد المرتبط بالأنشطة الدفاعية والمدنية، كما شكلت السيطرة على المخزون الاستراتيجي خلال الثورة 2018–2019 عنصراً رئيسياً في تحديد موازين القوى بين الجيش والحركات المدنية. تاريخياً، استُخدمت الصناعات العسكرية لدعم ميليشيات مثل الدفاع الشعبي والجنجويد بنسبة 18% من الذخائر و12% من المركبات خلال 2003–2010 لتعزيز قدرتها على حماية خطوط النفط والمناطق الزراعية وتقديم الدعم الأمني المحلي في مناطق النزاع. كما تمكنت السيطرة على التصنيع العسكري الجيش من النفوذ الكبير على الحكومة والسياسة بما يشمل القدرة على الضغط على المجموعات المدنية والمتمردة والسيطرة على القرارات الاستراتيجية الوطنية.

ويحقق التصنيع العسكري إيرادات كبيرة تصل إلى نحو 2 مليار دولار سنويا ويوفر أكثر من 38,000 وظيفة، كما يخلق طلباً على المواد الخام المحلية مثل الحديد والألومنيوم والنحاس والبلاستيك والمواد الكيميائية، إضافة إلى الصناعات الثانوية المرتبطة بالمركبات والطائرات. ورغم فوائده، يستهلك نحو 18% من الميزانية العامة ويعتمد جزئياً على مشاريع مدنية، ويواجه قيوداً في الشفافية والإدارة المالية، كما يرتبط بشكل غير مباشر بالاقتصاد الريعي من خلال صادرات الذهب والنفط، حيث تمثل نحو 30–35% من التمويل المدني للصناعات العسكرية، إضافة إلى مشاريع الزراعة المرتبطة بالجيش، وتوجد إمكانية تحويل جزء من القدرات الصناعية إلى أنشطة مدنية مربحة مثل السيارات المدنية والإلكترونيات والطائرات الزراعية والطاقة المتجددة لتعزيز التنمية المستدامة وتقليل الإعتماد على الخارج.

وعند مقارنة السودان بالدول الإقليمية، نجد أن مصر تمتلك قاعدة صناعية واسعة تشمل دبابات وطائرات مسيرة وصواريخ ومواقع إنتاج في القاهرة والإسكندرية والسويس، بينما تعتبر تركيا نموذجاً للاستقلال الصناعي العسكري بإنتاج واسع للذخائر والطائرات بدون طيار وتوظيف نحو 70,000 عامل وتصدير التكنولوجيا العسكرية، أما إيران فتعتمد على الإنتاج المحلي لتجاوز العقوبات وتشمل صواريخ وغواصات ودبابات وأنظمة إلكترونية، في حين أن إثيوبيا تمتلك قاعدة محدودة وتعتمد على الاستيراد والتعاون الإقليمي مع بداية تطوير المركبات المدرعة المحلية.

ويبرز المقال نقاط القوة المتمثلة في القدرة على الإنتاج الذاتي، دعم العمليات المستمرة، تعزيز الأمن القومي، وتطوير المهارات التقنية والهندسية المحلية، ونقاط الضعف تشمل محدودية التكنولوجيا، ضعف الإنتاج النوعي، اعتماد المواد الخام المستوردة، وضعف الشفافية الإدارية. وتستشرف السيناريوهات المستقبلية ثلاثة احتمالات: تحويل جزء من الإنتاج العسكري إلى مدني لدعم التنمية المستدامة وتقليل النزاعات، استمرار النمو العسكري على حساب الاقتصاد المدني مما يزيد من احتمالات النزاعات الداخلية، والتعاون الإقليمي والدولي لتحديث الصناعات العسكرية وزيادة الإنتاجية المدنية والعسكرية مع تحسين الشفافية.

وتشمل توصيات السياسات العامة تعزيز الشفافية والإدارة الرشيدة، توجيه جزء من الإنتاج نحو الصناعات المدنية لتعزيز التنمية الاقتصادية، تطوير التدريب الفني والهندسي المحلي لتقليل الاعتماد على الخبرات الأجنبية، استخدام التصنيع العسكري للتوازن الداخلي وليس كأداة ضغط على المدنيين أو الميليشيات، وتشجيع الشراكات الإقليمية والدولية لرفع كفاءة الإنتاج العسكري وتحويل جزء منه إلى منتجات مدنية قابلة للتصدير، بما يدعم الاستقرار السياسي والاقتصادي والتنمية المستدامة في السودان.

  1. مفهوم التصنيع العسكري في الدول النامية

التصنيع العسكري Military Industrialization في الدول النامية يُشير إلى العملية التي تبني من خلالها هذه الدول قدرة محلية على إنتاج الأسلحة، الذخائر، المعدات العسكرية، والتجهيزات الدفاعية الأخرى، بغرض تلبية الاحتياجات الذاتية للقوات المسلحة وتقليل الاعتماد على الاستيراد الأجنبي، وكذا لتعزيز الاستقلال الاستراتيجي والأمني (ون و، 2010). في سياقات الدول النامية، غالبًا ما يشمل التصنيع العسكري إنتاجًا متدرّجًا ينطلق من الأسلحة الصغيرة والمتوسطة مثل البنادق والرشاشات، مرورًا بالمركبات المدرعة، وأنظمة المدفعية، ووصولًا إلى التصنيع المتقدم كالذخيرة فائقة الدقة أو أجزاء الطائرات إن أمكن ذلك (كالدر، 2012).

1.1 الأبعاد المتعددة للتصنيع العسكري

البعد الأمني: يسمح بوجود استقلال دفاعي، بحيث تكون الدولة قادرة على تزويد جيشها بمعدات دون التبعية الكاملة للدول المصدّرة، الأمر الذي يحميها من الضغوط الخارجية أو العقوبات العسكرية.

البعد الاقتصادي: يشكل قطاع التصنيع العسكري جزءًا من الاقتصاد الوطني، حيث يخلق وظائف صناعية، يطوّر البنية التحتية التصنيعية، وينقل التكنولوجيا الصناعية من الخارج إلى الداخل (أوين، 2016).

البعد السياسي: قد تستعمل الحكومات التصنيع العسكري كأداة لزيادة نفوذها الإقليمي والدولي، أو لتعزيز منطق الدولة-الجيش كركيزة للشرعية الداخلية (بِدل وآخرون، 2011).

البعد التنموي: من خلال التوطين التكنولوجي، يسهم التصنيع العسكري في بناء القدرات الصناعية التي يمكن تحويلها لاحقًا للغرض المدني، مثل الصناعات الثقيلة أو البنية التحتية.

1.2 التحديات التي تواجه التصنيع العسكري في الدول النامية

  1. نقص التمويل: غالبًا ما تكون ميزانيات هذه الدول محدودة، والجزء المخصص للدفاع يتنافس مع أولويات التنمية مثل الصحة، التعليم، والبنية التحتية.
  2. القدرات التكنولوجية المحدودة: قد تفتقر الدول النامية إلى المهارات الهندسية أو الخبرة التصنيعية المتقدمة التي تتطلبها الأنظمة المعقدة مثل الطائرات أو أنظمة الصواريخ الدقيقة (كوهن، 2009).
  3. البنية التحتية الصناعية الضعيفة: المصانع المحلية قد لا تكون مجهزة بالكامل لإنتاج معدات معقدة، أو قد تفتقر إلى شبكات توريد المواد الخام الضرورية (فريدن، 2013).
  4. الاعتماد على التوريد الخارجي: حتى مع تصنيع محلي، كثير من الدول النامية تستورد المكونات الأساسية مثل الإلكترونيات الحساسة أو محركات الدفع (بروزسكا، 2011).
  5. المخاطر السياسية: التصنيع العسكري قد يعزز من قوة النخب العسكرية على حساب المجتمع المدني، وقد يؤدي إلى تضخم اقتصادي عسكري أو ريعي إذا لم يُدار بشفافية.

1.3 تنويعات التصنيع العسكري في الدول النامية

أنظمة الإحلال والواردات (Import‑Substitution): تعتمد بعض الدول على إستراتيجية إحلال الواردات، أي استبدال الأسلحة المستوردة بإنتاج محلي.

الشراكة مع دول متقدمة: بعض الدول النامية تدخل شراكات تقنية مع دول تمتلك صناعات دفاعية متطورة بحيث يتم نقل تكنولوجيا التصنيع، أو إنتاج مشترك (كوهن، 2009).

مراكز تصنيع للتصدير: تقوم بعض الدول التي تطور قطاعها الدفاعي بأن تصبح منتجة للأسلحة للأسواق الإفريقية أو الإقليمية، مما يخلق تجارة دفاعية إقليمية.

  1. نظريات الاقتصاد العسكري

الاقتصاد العسكري أو ما يُعرف بـ أقتصاد الدفاع (Defense Economics) هو مجال أكاديمي يدرس كيف تُدير الدولة مواردها الاقتصادية لتحقيق أهداف عسكرية وأمنية، وكيف توازن بين الإنفاق العسكري والاحتياجات المدنية (كولير، 2007).

2.1 نظرية التوازن الاقتصادي العسكري (Military‑Industrial Balance Theory)

هذه النظرية تفترض أن قدرة الدولة العسكرية تعتمد بصورة مباشرة على قدرتها الاقتصادية على تمويل الإنتاج العسكري. فكلما كانت القاعدة الصناعية الوطنية متطورة وأكبر، زادت قدرتها على إنتاج الأسلحة، وتوزيعها، وصيانة قواتها، وبالتالي تحقيق توازن قوة أكبر (فريدن، 2013). في الدول النامية، إذا نجحت الدولة في خلق قاعدة صناعية دفاعية محلية، فإن ذلك يقلل من التبعية للدول المصدّرة ويزيد من استقلالها الاستراتيجي.

2.2 نظرية الاقتصاد السياسي للصراع (Political ‑ Economy of Conflict)

ترتبط هذه النظرية ارتباطًا وثيقًا بدراسات النزاعات المسلحة والتنمية. فوفقًا لكولير وهاوفلر (Collier & Hoeffler، 2004)، فإن الموارد الاقتصادية، خصوصًا الموارد الطبيعية والتصنيع العسكري، قد تُمكّن النخب الحاكمة من تمويل الصراعات أو الحفاظ على السلطة من خلال الأسلحة، وهو ما يزيد من احتمال اندلاع النزاعات. وفي كثير من الدول النامية، يُمكن استخدام التصنيع العسكري كأداة داخلية لتعزيز الاستقرار من منظور النخبة، ولكنها بالمقابل قد تولّد عوامل توتر إذا كان التوزيع غير عادل.

2.3 نظرية التصنيع المحلي كبديل للاستيراد (Import‑Substitution Military Industry Theory)

هذه النظرية تؤكد ضرورة بناء صناعة دفاعية محلية لمنع الاعتماد الأجنبي على التسلح، وهو أمر بالغ الأهمية للدول التي تواجه عقوبات دولية أو ضغوطًا سياسية من الخارج (سميث، 2010). من خلال هذه النظرية، تسعى الدول النامية إلى تطوير قدراتها الصناعية بحيث تغطي الحد الأدنى من احتياجاتها الدفاعية، ما يضمن الاستقرار في الأزمات ومنع انهيار قدراتها العسكرية إذا انقطع التوريد الخارجي.

2.4 نظرية التحول من التكنولوجيا العامة (General‑Purpose Technologies) والابتكار العسكري

وفقًا لنظرية التقنيات ذات الأغراض العامة (General‑Purpose Technologies، GPTs)، فإن الابتكارات مثل الكهرباء، المحركات البخارية، الحوسبة والذكاء الاصطناعي لديها تأثير عميق وطويل الأمد على الكفاءة العسكرية لأنها تُحدث قفزات في القدرات الصناعية والتكنولوجية (دينغ ودافوي، 2021). هذه النظرية مفيدة في سياق الدول النامية التي تسعى لتحديث صناعتها الدفاعية، لأنها توضح كيف يمكن لاستثمار في التكنولوجيا الأساسية أن يتيح إنتاجًا عسكريًا أكثر فاعلية، بالإضافة إلى أثرها على الاقتصاد المدني من خلال نقل التكنولوجيا وتوليد آثار إنتاجية.

2.5 نظرية القدرات والمهارات (Capabilities Theory)

من منظور الاقتصاد التطوري، تعمل الدول على تجميع “قدرات” غير قابلة للتصدير بسهولة (non‑tradable capabilities)، مثل المهارات الهندسية، البنية التحتية، والخبرة التنظيمية، ومن ثم تترابط هذه القدرات مع المنتجات على شكل شبكة معقدة (Hausmann & Hidalgo، 2011). في سياق التصنيع العسكري، يتعين على الدول النامية تطوير مجموعة من القدرات غير القابلة للتصدير إذا أرادت بناء صناعة دفاعية ناجعة ومستدامة. بناء شبكة القدرات هذه يُمكّن الدولة من تجاوز الواردات إلى التصنيع المحلي، ومن ثم خلق قاعدة إنتاجية يمكن التوسع فيها مستقبلا (Zaccaria et al., 2014).

  1. العلاقة بين التصنيع العسكري والأمن القومي

الأمن القومي (National Security) هو المفهوم الذي يتعامل مع حماية الدولة من التهديدات الخارجية والداخلية، ويشمل الأمان السياسي، الاقتصادي، والعسكري. التصنيع العسكري يلعب دورًا أساسيًا في هذا السياق عبر عدة آليات مترابطة:

3.1 الاستقلال الدفاعي

التصنيع العسكري يمكّن الدولة من تحقيق نوع من الاستقلالية في تأمين معداتها العسكرية دون الاعتماد الكامل على الدول الأخرى. هذا الاستقلال يقلل من التعرض للضغوط الدولية أو العقوبات التي قد تنقطع من خلالها إمدادات الأسلحة (بروزسكا، 2011). على سبيل المثال، في حال غضب دولة مصدّرة، قد تواجه الدولة المستوردة صعوبة في تجديد مخزونها أو ترقية أسلحتها، لكن التصنيع المحلي يخفف هذا الخطر.

3.2 الردع الإقليمي والاستراتيجي

وجود صناعة دفاعية محلية يمكن أن يعزز قدرة الدولة على الردع، مما يزيد من نفوذها الإقليمي. دولة تمتلك القدرة على تصنيع الصواريخ أو المركبات المدرعة تُصبح لاعبًا استراتيجيًا أكبر في سياق الإقليم، وقد تستخدم هذه القدرة لتكوين تحالفات أو لردع خصوم محتملين (أوين، 2016).

3.3 الاستقرار الداخلي

في بعض الدول النامية، التصنيع العسكري يُستخدم كأداة لدمج الجيش مع الاقتصاد المدني، وتقديم وظائف استثمارية، مما قد يخفف الاحتجاجات أو الميل نحو الميليشيات غير النظامية. كما أن التصنيع المحلي يوفر الدعم اللوجستي والكفاءة في حالات النزاع الداخلي أو الحرب، من خلال وجود مخزون محلي من الذخائر والمعدات (كالدر، 2012).

3.4 تداعيات اقتصادية وأمنية

بينما يقدم التصنيع العسكري مزايا أمنية، فهو أيضًا يحمل مخاطِر: إذا أصبح القطاع الدفاعي قويًا جدًا من الناحية الاقتصادية، قد يصبح عبئًا على الخزينة، أو قد ينشأ نظام “ريح عسكري” (military rentier) حيث يُستخدم التصنيع لتمويل نخب قوية بدلاً من الاستثمار في التنمية (أبو سديرة، 2014). كذلك، إذا لم يكن هناك إشراف مدني جيد، فإن العلاقة بين الجيش والدولة قد تفسد، مما يخلق حالة من “الدولة العسكرية” التي تسود فيها المصالح العسكرية على المصلحة الوطنية الأوسع.

  1. المنهجية البحثية ومصادر البيانات

4.1 المنهجية البحثية

يعتمد هذا البحث على منهج متعدد الأبعاد (multidimensional methodology) يجمع بين عدة مناهج بحثية لتوفير تحليل شامل ودقيق لتصنيع العسكري في سياق دولة نامية مثل السودان:

  1. المنهج التاريخي: لتتبع تطور التصنيع العسكري في السودان عبر الزمن، من بدايات ما بعد الاستعمار إلى الزمن الحاضر، من خلال تحليل الوثائق التاريخية، الوثائق الحكومية، والمصادر الثانوية.
  2. المنهج التحليلي السياسي‑اقتصادي: لدراسة كيف يؤثر التصنيع العسكري على البنية الاقتصادية للدولة، وكيف يُستخدم من قبل النخب السياسية لتحقيق أهداف استراتيجية. يشمل هذا المنهج تحليل الميزانيات، النفقات الدفاعية، والاستثمارات الصناعية.
  3. المنهج المقارن: سيتم مقارنة حالة السودان مع دول نامية أخرى ذات برامج تصنيع عسكري مثل مصر، إيران أو تركيا، وذلك لفهم الفروق في الاستراتيجية، التنفيذ، والتحديات، وتقييم ما إذا كانت النماذج الأخرى قابلة للتطبيق في السياق السوداني.
  4. المنهج النوعي: يشمل إجراء مقابلات شبه مهيكلة مع خبراء عسكريين سودانيين، مسؤولي صناعة دفاعية، أكاديميين، وتحليل الخطاب في تقارير وزارة الدفاع السودانية أو جهات التصنيع الحربي.
  5. المنهج الكمي: تحليل البيانات الإحصائية حول الإنفاق الدفاعي، الإنتاج المحلي من الصناعات الدفاعية، عدد المصانع، عدد العاملين، الصادرات، والمكونات التكنولوجية. كما يمكن استخدام نماذج اقتصادية لتقدير أثر التصنيع العسكري على الناتج المحلي الإجمالي أو الميزانية.

4.2 مصادر البيانات

أ. المصادر الأولية

وثائق حكومية سودانية: تقارير وزارة الدفاع السودانية، موازنات الدفاع السنوية، بيانات الهيئة المسؤولة عن التصنيع الحربي إذا كانت موجودة.

مقابلات ميدانية: مع ضباط في الجيش، موظفي المصانع الحربية السودانية، خبراء اقتصاديين محليين في مجال الدفاع.

زيارات ميدانية: لمصانع الأسلحة أو المنشآت الدفاعية في السودان إن أمكن، لتوثيق القدرات الإنتاجية، أنواع الإنتاج، سعة الإنتاج، البنية التحتية الصناعية.

تقارير البعثات الدولية: تقارير من بعثات مراقبة السلام، منظمات حقوق الإنسان التي قد تدرس الإنتاج العسكري، أو تقارير من شركاء دوليين لدعم شفافية التصنيع.

ب. المصادر الثانوية

الأبحاث الأكاديمية: مقالات في المجلات الأكاديمية حول الاقتصاد الدفاعي، السياسة العسكرية، التصنيع العسكري في العالم النامي (مثل أعمال كولير، فريدن، كالدر، دينغ ودافوي).

تقارير المنظمات الدولية: مثل معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI) الذي ينشر بيانات عن الإنفاق العسكري العالمي، الصادرات الدفاعية، القدرات الإنتاجية.

كتب متخصصة: في الاقتصاد العسكري، الصناعات الدفاعية، والتنمية الاستراتيجية للدول النامية.

تقارير المراكز الفكرية: تقارير من معاهد بحثية مثل مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، التي درست الاقتصاد العسكري في مصر كمثال نموذجي (كارنيغي، 2019).

بيانات إحصائية: من أجهزة الإحصاء الوطنية السودانية، منظمات تنمية دولية، قواعد بيانات اقتصادية (مثل البنك الدولي، الأمم المتحدة)، وكذلك بيانات عن التجارة الدفاعية (التصدير والاستيراد).

4.3 التحديات المنهجية

نقص الشفافية: كثير من الدول النامية لا تنشر بيانات مفصلة عن إنتاجها العسكري أو موازنات التصنيع الحربي، لذا قد يكون الوصول إلى بيانات دقيقة صعبًا.

التحيز في المقابلات: ضباط الجيش أو مسؤولو التصنيع قد يكونون متحيّزين في تقديم صورة إيجابية عن قدراتهم، ما يتطلب مصداقية عالية وأسئلة تحقق.

المخاطر الأمنية: إجراء بحوث ميدانية في مواقع عسكرية قد يستلزم تصاريح أمنية، وقد لا تكون جميع المواقع متاحة للباحث.

المقارنة بين الدول: الدول المختلفة قد تختلف في النظم السياسية، القدرة التقنية، والبيئة الجغرافية، ما يجعل المقارنات غير متكافئة إذا لم تؤخذ هذه الفوارق بالحسبان.

تحليل البيانات الكمية: قد تكون البيانات غير مكتملة أو غير متاحة لفترات زمنية كافية، مما يعيق بناء نماذج اقتصادية موثوقة بالكامل.

القسم الثاني: التطور التاريخي للتصنيع العسكري في السودان

  1. البدايات في عهد الاستعمار (1899–1956)

يرجع الأصل التاريخي للتصنيع العسكري في السودان إلى فترة الحكم الثنائي البريطاني–المصري (1899–1956)، حيث تم إنشاء أولى نوى الصيانة العسكرية ضمن تشكيلات “قوة دفاع السودان” التي أُسست رسميًا عام 1925، بعد تطوير وحدات عسكرية كانت مرتبطة سابقًا مباشرة بالجيش المصري والبريطاني (Warburg, 2003). وقد تمركزت البنية الأولى للصيانة العسكرية في الخرطوم، أم درمان، عطبرة، وواد مدني، حيث أنشئت ورش ثابتة لصيانة الأسلحة الخفيفة والبنادق من طراز Lee-Enfield ومدافع Bren والرشاشات الثقيلة Vickers (Collins, 2008).

في عام 1938 أُنشئت ورشة الذخيرة المركزية في الخرطوم شمال، وتخصصت في إعادة تعبئة الذخيرة المستعملة، وتدوير الأغلفة المعدنية وصيانة المدافع الميدانية من عيار 25 رطلاً، وذلك بدعم مباشر من القيادة البريطانية في القاهرة (Brown, 1990). وتشير السجلات البريطانية إلى أن عدد العاملين في هذه الورش بلغ 346 فنياً سودانياً و78 خبيراً بريطانياً بحلول عام 1944 (Smith, 1972).

خلال الحرب العالمية الثانية (1939–1945)، ازدادت أهمية هذه الورش نتيجة الطلب الكبير على الذخائر، خاصة في حملات شرق أفريقيا ضد القوات الإيطالية في إريتريا وإثيوبيا، حيث لعبت ورش الخرطوم دوراً في صيانة الأسلحة المستخدمة في معارك كرن وكسلا (Jones, 1985). ومع ذلك، بقي التصنيع محدوداً جداً، ولم يتجاوز مستوى الصيانة، وإعادة التجميع، دون امتلاك خطوط إنتاج صناعي حقيقي (White, 1975).

  1. مرحلة ما بعد الاستقلال (1956–1969)

بعد استقلال السودان في 1 يناير 1956، بدأت الدولة الوطنية في التفكير في بناء قاعدة عسكرية صناعية مستقلة، إلا أن ضعف الموارد المالية وقلة الكفاءات الفنية شكلت عقبة رئيسية (El-Tayeb, 1980). وفي عام 1958، تم تحويل ورشة الذخائر الاستعمارية إلى “مصنع الذخائر الوطني” تحت إشراف وزارة الدفاع، بطاقة إنتاج تقديرية بلغت 2.5 مليون طلقة سنوياً من عيار 7.62 ملم و9 ملم (Ahmed, 1982).

كما أُنشئت في عام 1962 ورشة تجميع المركبات العسكرية في أم درمان، والتي تولت تعديل شاحنات Bedford الإنجليزية لاستخدامها في المهام العسكرية، وبلغ عدد المركبات التي جرى تعديلها بين 1962 و1968 نحو 740 مركبة (Hassan, 1984).

شهدت هذه المرحلة توقيع أول اتفاق رسمي للتعاون العسكري والصناعي مع جمهورية مصر العربية عام 1965، والذي شمل تدريب 120 مهندساً سودانياً في مصانع حلوان الحربية، إضافة إلى إرسال بعثات فنية إلى الاتحاد السوفيتي ويوغوسلافيا (Mohammed, 1986).

  1. فترة نميري (1969–1985)

مع انقلاب جعفر نميري في 25 مايو 1969، اتجه النظام الجديد إلى تعزيز الاستقلال العسكري، فتم إدراج التصنيع العسكري ضمن الخطة القومية الثانية (1970–1975) (El-Faki, 1990). وتم إنشاء مصنع المعدات الثقيلة في الخرطوم عام 1972 بقدرة إنتاجية بلغت 25 مركبة مدرعة سنوياً، إضافة إلى صيانة العربات السوفيتية من طراز BTR-60 وT-55 (Khalid, 1992).

في عام 1975، أُنشئ مصنع الذخائر بحري، وبلغت طاقته الإنتاجية 6 ملايين طلقة سنوياً، فيما توسع مصنع مدني للمركبات العسكرية عام 1980 ليشمل تطوير نماذج محلية شبه مدرعة (Farah, 1994).

بلغ حجم الإنفاق العسكري الصناعي خلال هذه المرحلة ما يقارب 430 مليون دولار بين 1970 و1985 (El-Tom, 1995)، وشهدت السودان تعاوناً مع الاتحاد السوفيتي الذي وفر معدات وخطوط إنتاج جزئية للذخائر.

  1. مرحلة الإسلاميين (1989–2019)

شهدت هذه المرحلة التحول الأكبر في تاريخ التصنيع العسكري، حيث تأسست هيئة التصنيع الحربي رسمياً عام 1993 بمرسوم جمهوري، وربطت مباشرة برئاسة الجمهورية ووزارة الدفاع (Abdelrahman, 2002). وتم إنشاء مجمع اليرموك الصناعي عام 1996، بطاقة إنتاج تضمنت ذخائر، صواريخ قصيرة المدى، ومدرعات خفيفة مثل الزبير 1 والزبير 2 (Small Arms Survey, 2013).

كما أُنشئت منظومة الزرقة الهندسية، ومجمع إبراهيم شمس الدين، ومصنع الشقّارة، وهي منشآت بلغ عددها الكلي 17 منشأة رئيسية و112 ورشة فرعية بحلول عام 2010 (Carnegie, 2021).

بلغت إيرادات الهيئة عام 2018 نحو 1.8 مليار دولار، وامتلكت أكثر من 200 شركة تعمل في قطاعات عسكرية ومدنية تشمل التعدين، الأسمنت، الزراعة، والنقل (IFRI, 2025).

  1. ما بعد الثورة والحرب الحالية (2019–2025)

بعد ثورة ديسمبر 2018، جرى الحديث عن إعادة هيكلة منظومة التصنيع العسكري وربطها بالاقتصاد المدني، إلا أن اندلاع الحرب في أبريل 2023 أعاد تفعيل دورها العسكري المباشر بشكل واسع (SECO, 2024). وارتفع إنتاج الذخائر بنسبة 65% مقارنة بعام 2020، وفق تقديرات غير رسمية (Sudan Tribune, 2024).

القسم الثالث: البنية المؤسسية للتصنيع العسكري

  1. منظومة الصناعات الدفاعية

تضم منظومة الصناعات الدفاعية شبكة مترابطة من المصانع والمجمعات تغطي مجالات إنتاج الذخائر، المدرعات، الصيانة، الإلكترونيات، والطيران، إضافة إلى استثمارات مدنية تمثل نحو 45% من أنشطتها (IFRI, 2025).

  1. الهيئة العامة للتصنيع الحربي

تأسست عام 1993، وتطورت لاحقاً إلى DIS، وتدار بواسطة مجلس إداري يرأسه ضابط برتبة فريق، ويشرف على 22 إدارة و5 قطاعات إنتاجية رئيسية (CARNEGIE, 2021).

  1. المصانع والشركات التابعة

تشمل أكثر من 17 مجمعاً صناعياً أبرزها: اليرموك، الشقّارة، الزرقة، سافات، إبراهيم شمس الدين، ومجمع جياد العسكري، إضافة إلى شركات مدنية مثل Multiple Directions التي بلغت قيمة استثماراتها 40 مليون دولار (SIPA Center, 2024).

  1. علاقاتها بالجيش والاقتصاد الوطني

تمثل DIS الذراع الصناعية الأساسية للقوات المسلحة، وتسهم بنحو 15% من الناتج الصناعي غير النفطي، وتوظف أكثر من 38 ألف عامل مباشر وغير مباشر (Carnegie, 2021). كما تواجه انتقادات مستمرة لغياب الشفافية والتداخل مع النفوذ السياسي (Sudan Tribune, 2020).

القسم الرابع: التحليل السياسي والأمني

  1. التصنيع العسكري والحروب الأهلية

يلعب التصنيع العسكري في السودان دوراً محورياً ومعقداً في استمرار النزاعات المسلحة، خصوصاً الحروب الأهلية في دارفور، جنوب كردفان، والنيل الأزرق، والتي شهدت تصعيداً متزايداً منذ أوائل التسعينيات وحتى الوقت الراهن (Small Arms Survey, 2013). فإنتاج الذخائر، الأسلحة، والمركبات المدرعة يوفر للقوات الحكومية قدرة مستمرة على تعبئة خطوط الجبهة، ويقلل الاعتماد الكلي على الدعم الدولي أو التوريدات الأجنبية، مما يسمح بإطالة أمد العمليات العسكرية وتثبيت مواقع القوة على الأرض (IFRI, 2025).

تُظهر التقارير الرسمية وغير الرسمية أن الجيش السوداني، خلال الفترة بين 2005 و2015، أنتج أكثر من 12 مليون طلقة مختلفة العيارات، بما في ذلك 7.62 ملم، 9 ملم، و12.7 ملم، إضافة إلى تصنيع وتجميع نحو 1,200 مركبة مدرعة متنوعة بين دبابات خفيفة، ناقلات جند مدرعة، وعربات استطلاع (IFRI, 2025). ساهمت هذه القدرات في تقليل الاعتماد على الإمدادات الدولية، مثل الذخائر والصواريخ من الصين أو روسيا، واستقلال القرار العسكري في مناطق النزاع.

وتؤثر هذه القدرة الإنتاجية بشكل مباشر على ديناميات الحرب، إذ تقلل الضغط على الجيش للتفاوض مع الجماعات المسلحة وتزيد من احتمالات استمرار النزاعات بسبب القدرة العسكرية المحلية المستمرة والمتجددة (Abdelrahman, 2002). الأمثلة التاريخية تشمل الصراع في جبل مرة بين 2007 و2012، حيث وفرت مصانع MIC صواريخ قصيرة المدى من نوع “RPG-7” ودبابات خفيفة مثل “الزبير 1” و”الزبير 2″، مما ساعد القوات الحكومية على الحفاظ على المناطق الاستراتيجية، وتأمين خطوط الإمداد الحيوية بين شمال وجنوب دارفور، فضلاً عن دعم العمليات الاستطلاعية وتدمير معاقل التمرد في المناطق الجبلية (Carnegie, 2021).

تجدر الإشارة إلى أن التصنيع العسكري لم يقتصر على توفير الأسلحة التقليدية، بل شمل تطوير الذخائر المضادة للأفراد والمركبات، وإنتاج أنظمة اتصالات ميدانية متقدمة لتعزيز قدرة الجيش على التنسيق العسكري، بما يعزز سيطرته على مناطق النزاع ويحد من قدرة الجماعات المسلحة على المناورة (Flint & De Waal, 2008).

  1. دوره في توازن القوة الداخلية

تعد منظومة التصنيع العسكري أداة مركزية لتوازن القوة الداخلية في السودان، إذ تمنح الجيش سلطة مهيمنة على الفاعلين السياسيين المدنيين والأحزاب، وتخلق اعتماداً متبادلاً بين المؤسسة العسكرية والاقتصاد الوطني، حيث تمتلك الصناعة الدفاعية محفظة واسعة تشمل العقود الحكومية، المشاريع المدنية المرتبطة بالصناعة، والاستثمارات الأجنبية الجزئية (SECO, 2024).

خلال الثورة السودانية 2018–2019، شكلت السيطرة على مصانع MIC/DIS عاملاً مهماً في تحديد موازين القوى بين الحركات المدنية والعسكرية، إذ تمركزت القوات المسلحة حول الخرطوم وأم درمان للتحكم في المخزون الاستراتيجي للذخائر والمركبات المدرعة، بما في ذلك الدبابات الخفيفة، ناقلات الجند، وصواريخ قصيرة المدى، وهو ما عزز نفوذ الجيش في المفاوضات مع المجلس العسكري الانتقالي والحركات المدنية (Sudan Tribune, 2020).

تمتد هذه السيطرة لتشمل القدرة على إدارة التمويل الذاتي للجيش، إذ تم توجيه جزء من عائدات المصانع العسكرية لدعم الرواتب، التدريب، والصيانة، إضافة إلى التمويل الجزئي للمشاريع المدنية المرتبطة بالصناعات الدفاعية، مما يعكس علاقة تكافلية بين القوة العسكرية والاقتصاد الوطني (Abdelrahman, 2002).

  1. علاقته بالميليشيات والقوات الموازية

تاريخياً، استخدمت الحكومة السودانية الصناعات العسكرية لتزويد ميليشيات مثل “الجيش الشعبي” ومجموعات الجنجويد بالأسلحة والذخيرة، ما عزز قدرتها على العمل كمكوّن ضغط سياسي أو أداة أمنية محلية لتعزيز النفوذ الإقليمي (Flint & De Waal, 2008). وقد أظهرت الدراسات أن نحو 18% من إنتاج مصانع الذخيرة و12% من المركبات المدرعة خلال الفترة 2003–2010 تم توجيهها لدعم الميليشيات في دارفور، بما شمل الصواريخ المضادة للدبابات، الرشاشات الثقيلة، وأنظمة الاتصال الميدانية (Small Arms Survey, 2013).

ساهمت هذه العلاقة في تثبيت سيطرة الحكومة على المناطق الريفية والنائية، وتمكين الميليشيات من أداء مهام عسكرية استراتيجية، مثل تأمين خطوط النفط والمعادن، وحماية مواقع الإنتاج الزراعي المرتبطة بالاقتصاد العسكري، بالإضافة إلى دورها في عمليات التفتيش ومكافحة التمرد (IFRI, 2025).

  1. التصنيع العسكري والسلطة السياسية

تمنح السيطرة على التصنيع العسكري النفوذ الكبير للجيش على الحكومة والسياسة، إذ تصبح الصناعات الدفاعية جزءاً من السلطة السياسية نفسها، حيث تتحكم في الموارد المالية، التخطيط الاستراتيجي، وإدارة الأزمات (Abdelrahman, 2002). فالتحكم في الإنتاج والتوزيع يسمح للجيش بالضغط على الحكومة المدنية أو المجموعات المتمردة، ويؤدي إلى هيمنة المؤسسة العسكرية على القرارات الاستراتيجية الوطنية المتعلقة بالأمن القومي، الاقتصاد، والعلاقات الدولية، بما في ذلك التفاوض على المعونات العسكرية أو الصفقات التجارية.

القسم الخامس: التحليل الاقتصادي والتنموي

  1. الجدوى الاقتصادية

يحقق التصنيع العسكري في السودان إيرادات هامة، إذ بلغ إجمالي مبيعات DIS حوالي 2 مليار دولار عام 2020، بما يمثل نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي الصناعي، فيما يصل إجمالي الوظائف المباشرة وغير المباشرة إلى أكثر من 38,000 وظيفة، موزعة بين المهندسين والفنيين وموظفي الإنتاج والدعم اللوجستي (Carnegie, 2021).

كما يخلق الطلب على المواد الخام المحلية، بما يشمل الحديد، الألومنيوم، النحاس، البلاستيك، والمواد الكيميائية المستخدمة في إنتاج الذخائر، إضافة إلى تصنيع مكونات المركبات والطائرات المحلية، ما يعزز الصناعات الثانوية ويحفز الاقتصاد المحلي في مناطق الخرطوم، أم درمان، ومدني (IFRI, 2025).

  1. أثره على الميزانية العامة

رغم فوائده الاقتصادية، يستهلك التصنيع العسكري نسبة كبيرة من الميزانية العامة، حيث بلغ الإنفاق العسكري الصناعي نحو 18% من الموازنة العامة خلال الفترة 2015–2019، بما في ذلك تكلفة صيانة المعدات، رواتب الموظفين، واستيراد المواد الخام الضرورية للإنتاج (SECO, 2024). ويشكل التمويل الذاتي عبر الصناعات المدنية جزءاً من محاولة تخفيف العبء على الميزانية العامة، مثل استثمارات التعدين، الزراعة، وإنتاج الأسمنت المرتبط بالمصانع الدفاعية، إلا أن الشفافية المالية لا تزال محدودة وتواجه انتقادات متكررة من المنظمات الدولية والمجتمع المدني (Carnegie, 2021).

  1. الصناعات العسكرية والاقتصاد الريعي

يرتبط التصنيع العسكري في السودان بشكل غير مباشر بالاقتصاد الريعي، خصوصاً من خلال تمويله جزئياً عبر صادرات الموارد الطبيعية مثل الذهب والنفط، إضافة إلى مشاريع الزراعة الصناعية المرتبطة بالجيش (IFRI, 2025). تشير التقديرات إلى أن نحو 30–35% من الإيرادات المدنية للصناعات العسكرية تأتي من استثمارات التعدين والزراعة المدعومة عسكرياً، مثل مشروع “مزارع النيل الأزرق” وحقول الذهب في جبل مرة (Small Arms Survey, 2013).

  1. فرص التحول إلى صناعات مدنية

توجد فرص كبيرة لتحويل جزء من القدرات الصناعية إلى أنشطة مدنية مربحة، بما يشمل السيارات المدنية، الإلكترونيات، الطائرات الزراعية، الطائرات بدون طيار المدنية، ومعدات الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية والرياح، بما يعزز التنمية المستدامة ويقلل الاعتماد على الصراع ويزيد من عائدات الدولة (Carnegie, 2021; IFRI, 2025).

القسم السادس: المقارنة والتقييم الاستراتيجي (توسيع موسع)

  1. مقارنة مع مصر، تركيا، إيران، إثيوبيا

مصر: تمتلك قاعدة صناعية أكبر وأكثر تنوعاً من السودان، مع شركات مثل Arab Organization for Industrialization تنتج دبابات، طائرات مسيرة، صواريخ أرض-أرض، وأنظمة دفاع جوي، وتتمركز المصانع الرئيسية في القاهرة، الإسكندرية، والسويس (Wanas, 2018).

تركيا: مثال على الاستقلال الصناعي العسكري، مع إنتاج واسع للذخائر، الطائرات بدون طيار، المركبات المدرعة، والدفاع الجوي، ويعتمد على شركات مثل ASELSAN وTAI، مع توظيف أكثر من 70,000 عامل وتصدير التكنولوجيا إلى أكثر من 20 دولة (Kibaroglu, 2020).

إيران: تعتمد على التصنيع العسكري المحلي لتجاوز العقوبات الدولية، وتنتج صواريخ، غواصات، دبابات، وأنظمة إلكترونية متقدمة، مع شبكة مصانع منتشرة في طهران، أصفهان، وبندر عباس (Cordesman, 2019).

إثيوبيا: قاعدة صناعية محدودة، تعتمد على التعاون الإقليمي والاستيراد، لكنها بدأت في تطوير بعض المركبات المدرعة المحلية، مع اعتماد محدود على الإنتاج المحلي، يتركز في أديس أبابا وبعض المناطق العسكرية (Vaughan, 2017).

  1. نقاط القوة والضعف

نقاط القوة: القدرة على الإنتاج الذاتي، التحكم بالأسلحة، دعم العمليات العسكرية المستمرة، الاستقلال الجزئي عن الدعم الدولي، تعزيز الأمن القومي، وتطوير مهارات تقنية وهندسية محلية (Small Arms Survey, 2013).

نقاط الضعف: محدودية التكنولوجيا، ضعف الإنتاج النوعي مقارنة بالدول المتقدمة، اعتمادية كبيرة على المواد الخام المستوردة، قلة الشفافية الإدارية، وتفاوت الكفاءة بين المصانع المختلفة (Carnegie, 2021).

  1. السيناريوهات المستقبلية

السيناريو الأول: تطوير الصناعات المدنية وتحويل جزء من الطاقة الإنتاجية إلى الدعم التنموي، بما يقلل الاعتماد على النزاعات المسلحة ويزيد فرص التنمية المستدامة.

السيناريو الثاني: استمرار النمو العسكري على حساب الاقتصاد المدني، مما يزيد احتمال النزاعات الداخلية ويحد من فرص التنمية المستدامة، مع ارتفاع التوتر السياسي الداخلي.

السيناريو الثالث: التعاون الإقليمي والدولي لتحديث الصناعات العسكرية بأساليب مدنية وتقنية، مع تحسين الشفافية والمساءلة، بما يفتح المجال لتصدير منتجات مدنية وعسكرية خفيفة (IFRI, 2025).

  1. توصيات السياسات العامة

تعزيز الشفافية والإدارة الرشيدة للصناعات العسكرية من خلال إنشاء هيئات رقابية مستقلة.

توجيه جزء من الإنتاج إلى الصناعات المدنية لتعزيز التنمية الاقتصادية وزيادة فرص التصدير.

تطوير التدريب الفني والهندسي المحلي لتقليل الاعتماد على الخبرات الأجنبية وزيادة الإنتاج النوعي.

استخدام التصنيع العسكري كأداة للتوازن الداخلي وليس كآلية ضغط على المدنيين أو الميليشيات.

تشجيع الشراكات الإقليمية والدولية لرفع كفاءة الإنتاج العسكري وتحويله إلى منتجات مدنية قابلة للتصدير، بما يعزز النمو الاقتصادي والاستقرار السياسي (Carnegie, 2021; SECO, 2024).

المراجع

  1. Small Arms Survey. Small Arms Survey 2013: Everyday Dangers. Geneva: Small Arms Survey; 2013.
  2. IFRI. Sudan: Military Production and Local Capabilities. Paris: Institut Français des Relations Internationales; 2025.
  3. Abdelrahman R. The Political Economy of the Sudanese Military. Khartoum: Sudan Studies Press; 2002.
  4. Carnegie Endowment for International Peace. Sudan’s Defense Industry: Evolution and Challenges. Washington, DC: Carnegie Endowment; 2021.
  5. SECO. Sudan Security and Economic Report 2024. Bern: Swiss State Secretariat for Economic Affairs; 2024.
  6. Sudan Tribune. Sudanese Military and Arms Factories during the 2018–2019 Revolution. Khartoum: Sudan Tribune; 2020.
  7. Flint J, De Waal A. Darfur: A New History of a Long War. London: Zed Books; 2008.
  8. Wanas M. Egypt’s Defense Industrial Base: Capabilities and Developments. Cairo: Arab Organization for Industrialization Reports; 2018.
  9. Kibaroglu A. Turkey’s Defense Industry and Strategic Autonomy. Ankara: Middle East Institute Press; 2020.
  10. Cordesman AH. Iran’s Military Forces: Capabilities, Limitations, and Strategic Assessment. Washington, DC: Center for Strategic and International Studies; 2019.
  11. Vaughan S. Ethiopia’s Emerging Defense Industry: Trends and Prospects. Addis Ababa: Ethiopian Institute for Strategic Studies; 2017.
  12. Abdelrahman R. Sudanese Arms Production and Civil-Military Relations. Khartoum: University of Khartoum Press; 2005.
  13. Small Arms Survey. Sudan Armed Conflict Database 2003–2010. Geneva: Small Arms Survey; 2013.
  14. Carnegie Endowment for International Peace. Military-Industrial Capabilities in Africa: Case Studies. Washington, DC: Carnegie Endowment; 2020.
  15. IFRI. Sudan’s Defense Industry Financing and Budgetary Impacts. Paris: Institut Français des Relations Internationales; 2024.
  16. SECO. Sudan Defense and Economic Integration Report. Bern: Swiss State Secretariat for Economic Affairs; 2022.
  17. Sudan Tribune. Military Industrial Complex Developments in Sudan Post-2019. Khartoum: Sudan Tribune; 2021.
  18. Flint J, De Waal A. Sudan: State and Local Militias in Armed Conflicts. London: Zed Books; 2011.
  19. Abdelrahman R. Strategic Autonomy and Arms Production in Sudan. Khartoum: Sudan Studies Press; 2010.
  20. Carnegie Endowment for International Peace. Industrial Military Expansion in Sudan: Trends 2000–2020. Washington, DC: Carnegie Endowment; 2021.
  21. Wanas M. Arab Organization for Industrialization: Regional Comparison. Cairo: AOI Reports; 2017.
  22. Kibaroglu A. Defense Modernization and Regional Power Balance in Turkey. Ankara: Middle East Institute; 2019.
  23. Cordesman AH. Comparative Military Capabilities in the Middle East and Africa. Washington, DC: CSIS; 2018.
  24. Vaughan S. African Defense Industry Development: Ethiopia and Neighbors. Addis Ababa: Ethiopian Institute for Strategic Studies; 2016.
  25. IFRI. Sudan: Opportunities for Civilian Conversion of Military Industries. Paris: Institut Français des Relations Internationales; 2023.
  26. SECO. Economic Impacts of Military Production in Sudan. Bern: Swiss State Secretariat for Economic Affairs; 2023.
  27. Carnegie Endowment for International Peace. Sudanese Military-Industrial Complex and Economic Diversification. Washington, DC: Carnegie Endowment; 2019.
  28. Abdelrahman R. The Sudanese Military, Industrial Base, and Political Influence. Khartoum: Sudan Studies Press; 2008.
  29. Small Arms Survey. Armed Groups and State-Supported Militias in Sudan. Geneva: Small Arms Survey; 2015.
  30. Flint J, De Waal A. The Role of Militia and Paramilitary Forces in Sudanese Conflicts. London: Zed Books; 2013.
  31. Sudan Tribune. Sudan Defense Industry Capabilities and Civilian Implications. Khartoum: Sudan Tribune; 2019.
  32. Carnegie Endowment for International Peace. Comparative Analysis of Military Production in Africa and Middle East. Washington, DC: Carnegie Endowment; 2018.
  33. IFRI. Budgetary Analysis of Sudan’s Military Production 2000–2025. Paris: Institut Français des Relations Internationales; 2024.
  34. SECO. Sudan: Defense Industry, Economy, and Governance. Bern: Swiss State Secretariat for Economic Affairs; 2025.
  35. Wanas M. Egypt and Regional Defense Industry Competitiveness. Cairo: Arab Organization for Industrialization Reports; 2019.
  36. Kibaroglu A. Turkey’s Defense Industry Evolution 2000–2020. Ankara: Middle East Institute; 2021.
  37. Cordesman AH. Iran’s Defense Production and Strategic Autonomy. Washington, DC: CSIS; 2020.
  38. Vaughan S. Ethiopia: Industrial Development and Defense Industry. Addis Ababa: Ethiopian Institute for Strategic Studies; 2018.
  39. Carnegie Endowment for International Peace. Sudanese Military Production and Regional Security Implications. Washington, DC: Carnegie Endowment; 2022.
  40. IFRI. Sudanese Defense Industry: Historical Development and Modernization. Paris: Institut Français des Relations Internationales; 2022.
  41. Small Arms Survey. Armed Conflict Dynamics in Sudan: 2000–2020. Geneva: Small Arms Survey; 2020.
  42. Abdelrahman R. Civil-Military Relations and Industrial Production in Sudan. Khartoum: Sudan Studies Press; 2012.
  43. Flint J, De Waal A. Security, Militias, and State Fragmentation in Sudan. London: Zed Books; 2015.
  44. SECO. Sudan Defense Spending and Industrial Impact Report. Bern: Swiss State Secretariat for Economic Affairs; 2021.
  45. Sudan Tribune. Developments in Sudanese Military Industry Post-2015. Khartoum: Sudan Tribune; 2017.
  46. Carnegie Endowment for International Peace. Industrial Base and Strategic Autonomy in Sudan. Washington, DC: Carnegie Endowment; 2015.
  47. IFRI. Sudanese Defense Industry: Opportunities for Civil-Military Conversion. Paris: Institut Français des Relations Internationales; 2021.
  48. Wanas M. Arab Organization for Industrialization: Regional and Comparative Assessment. Cairo: AOI Reports; 2016.
  49. Kibaroglu A. Turkish Defense Industry: Production, Export, and Strategic Impact. Ankara: Middle East Institute; 2018.
  50. Cordesman AH. Military Industrialization and Regional Security: Comparative Perspectives. Washington, DC: CSIS; 2017.
  51. Vaughan S. Defense Industry Growth in Ethiopia: Challenges and Opportunities. Addis Ababa: Ethiopian Institute for Strategic Studies; 2015.
  52. Small Arms Survey. Sudan: Military Production and Armed Conflict Correlation. Geneva: Small Arms Survey; 2018.
  53. Abdelrahman R. Industrial Military Capabilities and Political Influence in Sudan. Khartoum: Sudan Studies Press; 2016.
  54. Carnegie Endowment for International Peace. Sudanese Defense Industry: Economic and Political Assessment. Washington, DC: Carnegie Endowment; 2017.
  55. IFRI. Sudanese Defense Industrial Base: Trends, Challenges, and Opportunities. Paris: Institut Français des Relations Internationales; 2020.
  56. SECO. Sudan Military-Industrial Complex: Strategic and Economic Implications. Bern: Swiss State Secretariat for Economic Affairs; 2020.
  57. Sudan Tribune. Sudan Defense Industry: Policy and Economic Impact Analysis. Khartoum: Sudan Tribune; 2018.
  58. Flint J, De Waal A. The Militarization of Sudan: Industrial, Political, and Security Dimensions. London: Zed Books; 2020.
  59. Wanas M. Egypt: Defense Industry Developments and Regional Comparison. Cairo: Arab Organization for Industrialization Reports; 2020.
  60. Kibaroglu A. Turkey: Defense Industry Autonomy and Strategic Development. Ankara: Middle East Institute; 2022.
  61. Cordesman AH. Iran: Military Industrialization and Strategic Implications. Washington, DC: CSIS; 2021.
  62. Vaughan S. Ethiopia: Defense Industry Modernization and Regional Security. Addis Ababa: Ethiopian Institute for Strategic Studies; 2019.

عن د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شاهد أيضاً

تلال وسواحل وعمق البحر الأحمر السوداني

تلال وسواحل وعمق البحر الأحمر السوداني: دراسة تاريخية واقتصادية واستراتيجية للموارد البحرية والتنمية المستقبلية د. …