من طرف المسيد: حكايا عن الأطباء -5 والأخيرة

 


 

 

من طرف المسيد: حكايا عن الأطباء -5 والأخيرة
يرويها الاستاذ محمد سيد احمد الحسن
حررها عادل سيد احمد

في عام 1986م. ذهبت الى بريطانيا حيث قابلت هناك ابن خالي عثمان الإحيمر الدكتور محجوب كرار (وهو شخص آخر غير باحث التراث الشهير محجوب كرار)، ونزلت عند صديقي فيليب غردون، وكان محجوب يأتي لزيارتي باستمرار، وفي بعض المرات يذهب بي في جولات خارج البيت، وقالت لي والدة فيليب:
- قريبك هذا يكلف نفسه فوق طاقتها، فهو يقطع مسافة مئتي كيلومتر ليحضر اليك، وهي مسالة شاقة وغير سهلة.
رحمه الله، كان رجل خير وانساني.
المحرر:
- وهو طبعا اكتشف مرض الإيبولا، وسمى الجرثومة او الحشرة على نهر إيبولا، وتسبب لدغة الحشرة في نزيف حاد.
- لا علم لي بذلك، ولكنها اضافة جيدة منك، لكن اذكر في مرة ذهبنا في جولة، واثناء ما نحن نتمشى اقترح علي ان نتناول طعام الإفطار، فتوقفنا في موقف فيه عدادات، ترمى فيها النقود حسب المدة التي تريدها: ساعة، ساعتين والعداد شغال امام المحلات العامة، ونزلنا ونحن نتحادث بطريقة السودانيين المعروفة، وقبل ان نجلس قال لي:
- آخ! انا نسيت ما شغلت العداد.
ومرت دقيقة او دقيقتين، رجع وهو يحمل ايصالا بالمخالفة وهو يضحك، فسألته:
- ما هذا؟
- الملعونة دي كتبت لي إيصال، وسترجع، واذا وجدت اني لم اشغل العداد ستضاعف قيمة المخالفة.
وهذه من الاشياء التي ادهشتني في البوليس الانجليزي.
مرة انا وفيليب كنا قادمين من حي (هيز)، او في الطريق اليها لا اذكر، وكانت وراءنا عربة بوليس ظلت تشير لنا بالتوقف:
- تيت... تيت... تيت!
وتوقف فيليب بجانب الطريق، ونزلت شرطية من عربة البوليس ذات اللون الازرق، وحيتنا وتحدثت معنا بترحاب، وسألتني:
- هل انت بريطاني؟
- لا، انا سوداني...
فقالت لي ان اباها كان في السودان، وله صديق له نفس العلامات على وجهه (تقصد الشلوخ)، وقالت لفيليب يبدو عليك السمار من أثر الشمس، يبدو إنك عشت في أفريقيا، واثناء ما هي تتجاذب معنا أطراف الحديث، كانت تحرر لنا في ايصال مخالفة بقيمة عشرين جنيه إسترليني، مع أني اعتقدت للحظة انها ستعفينا. ومع السلامة... مع السلامة انصرفت.
وهذه من اغرب الاشياء بالنسبة لي عن البوليس الانجليزي، فنحن معتادون على البوليس الذي يأتيك وعيونه تتطاير شررا، ويدخل معك في شجار، ولكن تلك الشرطية البريطانية كانت تحكي نكاتاً وتضحك معنا، ومع ذلك حررت لنا المخالفة...
وقلت لفيليب:
- يعني انا كنت مستغرب من عدم وجود البوليس الانجليزي، فام اره منذ قدومي الى هنا.
فقال لي:
- البوليس عندنا لا يظهر، وتتجول طول الوقت دون ان تراه؛ ولكن بمجرد ان ترتكب مخالفة تجده في نفس اللحظة امامك.
وفي مرة انغرست شوكة في رجلي، كان ذلك عام 1946م تقريبا، وباتت فيها، ولكنها في أواسط السبعينيات تحركت، من جهة الابهام الى مفصل القدم، وكنت اشعر بها كلما حركت رجلي، وذهبت بها الى دكتور وليام فؤاد وشرحت له الحاصل، وقد كانت الشوكة كبيرة ويمكن تحسسها، فقال لي انه سيحيلني الى دكتور موريس وهو جراح وقد كان وزيرا للصحة في حكومة مايو الاولى، فقد كان رجل تقدمي، فكشف على القدم وقال لي:
- ياخي، قصتك دي ليها عشرين سنة، حقو نخليها...
- خلاص كويس.
وتحسس الشوكة بأصابعه، وقال لي:
- متى تريدها؟
- أي وقت...
وكان هو جالس على الارض، وانا اجلس على كرسي، فمد يده ناحية المنضدة وتناول مشرطا، ومُعقِّم،
وما هي إلا لحظات إلا وقد عمل العملية، واخرج الشوكة، ولفها في قطن وناولني إياها.
وكانت ضخمة، طولها حوالي 2 سنتيمتر.
وكانت هذه هي قصتي مع دكتور موريس سدرة.
وأظن ان هذا كل ما عندي عن الأطباء، وقد قلت كل شيء عن علاقتي بهم.

amsidahmed@outlook.com

 

 

آراء