عرض لكتاب ويلو بيريدج: الانتفاضات المدنية في السودان الحديث: “ربيع الخرطوم، في 1964 و1985م” .. بقلم: كيم سيرسي .. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

مقدمة: هذه ترجمة مختصرة لعرض لكتاب الدكتورة ويلو جي بيرديج الصادر عام 2017م بعنون: "الانتفاضات المدنية في السودان الحديث: ربيع الخرطوم، في 1964 و1985م"، عن دار بلومزبيري للنشر ببريطانيا، قام بنشره الدكتور كيم سيرسي في عام 2015م في العدد رقم 121 من 


 

A Review of the book: Civil Uprising in Modern Sudan: “The Khartoum Springs” of 1964 and 1985, by W.J. Berridge

كيم سيرسي Kim Searcy
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مقدمة: هذه ترجمة مختصرة لعرض لكتاب الدكتورة ويلو جي بيرديج الصادر عام 2017م بعنون: “الانتفاضات المدنية في السودان الحديث: ربيع الخرطوم، في 1964 و1985م”، عن دار بلومزبيري للنشر ببريطانيا، قام بنشره الدكتور كيم سيرسي في عام 2015م في العدد رقم 121 من المجلة التاريخية الأمريكية American Historical Review.
ومؤلفة الكتاب هي الدكتورة البريطانية ويلو جي بيرديج، التي تعمل محاضرة بجامعة نيوكاسل البريطانية، وسبق لها الدراسة والعمل من قبل في قسم التاريخ بجامعة درم البريطانية، حيث نشرت عددا من المقالات المحكمة عن تاريخ أجهزة الأمن والشرطة والسجون في السودان، ومقالا عن الثورة المصرية على نظام حسني مبارك، بالإضافة إلى هذا الكتاب. وكان عنوان أطروحتها من جامعة درم هو: “تحت ظل النظام: تناقضات العمل الشرطي في السودان بين عامي 1924 و1989م”.
“Under the Shadow of the Regime: The Contradictions of Policing in Sudan, c.1924-1989
ونشرت الكاتبة عام 2017م كتابا عن دكتور حسن الترابي عنوانه: “حسن الترابي: سياسات الإسلاميين والديمقراطية في السودان Hasan – al- Turabi: Islamist Politics and democracy in the Sudan”.
أما كاتب هذا العرض فهو الدكتور كيم سيري، الذي يعمل أستاذا مشاركا للتاريخ الإسلامي في جامعة لايولا بشيكاغو. درس الكاتب اللغة العربية بجامعة أفريقيا العالمية وبمصر. للمزيد عن سيرته يمكن النظر في الرابط https://research.luc.edu/media/lucedu/history/faculty/cvs/CVsearcy2018.pdf
سبق لنا ترجمة عرض لهذا الكتاب بقلم البروفيسور جون فول http://www.sudanile.com/96468
المترجم
****** ****** *****
لاحظت و. بيريدج في كتابها المعنون “الانتفاضات المدنية في السودان الحديث: ربيع الخرطوم، في 1964 و1985م” أن الرئيس السوداني عمر البشير صرح بعد نجاح الانتفاضات الشعبية في تغيير الأنظمة العربية الديكتاتورية عام 2011م بأن السودانيين هم “رواد الانتفاضات الشعبية”. وبحسب ما ذهبت إليه بيريدج فإن البشير ربما كان يقصد بمقولته تلك “الانتفاضة” التي قامت بها “الجبهة الإسلامية القومية” عام 1989م التي ذهبت به للقصر رئيسا. وتؤكد بيريدج أن غالب السودانيين في المدن لا يتفقون مع البشير فيما زعمه، وأن الانتفاضات “الحقيقية” التي وقعت بالسودان هي تلك التي أفضت لإزاحة الفريق إبراهيم عبود في عام 1964م، والإطاحة بالعقيد جعفر نميري عام 1985م. والغريب أن الانتفاضتين لم تحظيا باهتمام (بحثي / أكاديمي) كبير عند كتاب التأريخ السوداني.
ويقدم كتاب بيريدج بحثا تاريخيا مجودا ومفصلا لهاتين الانتفاضتين، قارنت فيه بعمق بين انتفاضتي أكتوبر 1964م وأبريل 1985م، واستخدمت المؤلفة العديد من المصادر الأرشيفية وحصاد مقابلات شخصية مع بعض من شهدوا الانتفاضتين لتوضيح دور الإسلاميين ونشطاء الطلاب ورجال ونساء الأحزاب السياسية التي كانت قد أدت أدوارا مهمة في إسقاط نظامي عبود والنميري.
صفّفت المؤلفة الأحداث التي أدت إلى قيام ثورة أكتوبر 1964م في الفصل الأول من كتابها، وتلك التي أفضت إلى قيام انتفاضة 1985م في الفصل الثاني. والتزمت بمثل ذلك النهج في بقية كتابها (في نحو 220 صفحة). وهذا نهج وترتيب محمود، إذ أنه يتحاشى الإرباك الذي قد يصيب القارئ من سرد أحداث الانتفاضتين معا في نفس الفصل.
وذهبت بيريدج إلى أن طبيعة نظام الفريق عبود هي ما عجلت بالإطاحة به بثورة شعبية في أكتوبر 1964م. قام الفريق عبود في 17 نوفمبر 1958م بقيادة انقلاب عسكري وتأسيس حكومة جديدة كان من أهم إنجازاتها قيام بعض المشاريع الجديدة. غير أن ديكتاتورية ذلك النظام تزايدت مع مرور السنوات، وشرع في تطبيق سياسات الاعتقالات التحفظية والتضيق على الأحزاب السياسية وقادتها (من الذين يعارضون ذلك الانقلاب). وتطرقت المؤلفة أيضا إلى الاشتباكات المتعددة التي وقعت بين نظام عبود ومعارضيه. وكانت لسياسة التعريب والأسلمة التي بدأها نظام نوفمبر في جنوب السودان (وغالب سكانه من غير المسلمين) أكبر الأثر في تقليل ثقة وإخلاص وانتماء الجنوبيين (لسودان موحد). وتآزرت كل الأسباب مجتمعةً إلى خلق روح استياء شعبي عام من نظام عبود.
وترى المؤلفة أن العامل المحفز الأهم في سقوط نظلم عبود كان هو مقتل أحمد القرشي، الناشط والطالب بجامعة الخرطوم برصاص الشرطة عقب هجومها على ندوة طلابية بالجامعة. وقامت المؤلفة في ثنايا عرضها لتلك الأحداث بتخصيص جزء كبير من تحليلها للدور الذي أداه المنظِّر الإيديولوجي الإسلامي حسن الترابي، خاصة عندما نادى في سبتمبر من عام 1964م بإسقاط نظام عبود.
وأري أن هذا الفصل كان سيكون أكثر فائدة للقراء لو قامت فيه المؤلفة بتقديم مزيد من المعلومات وتوسعت في شرح خلفية تاريخية عن نظام عبود والأخطاء التي أرتكبها خلال سنوات حكمه، عوضا عن تركيزها فقط على النشطاء والمنظمات والأحزاب التي قامت بالثورة على ذلك النظام. فعلى سبيل المثال كان يمكن أن تقدم المؤلفة تحليلات أكثر دقة وتفصيلا عن سبب عجز نظام عبود عن الحصول على أي دعم شعبي كافٍ ليدرأ عنه السقوط. ولا يقدم الكتاب أي معلومات عن إخفاق عبود في تكوين أي تنظيم سياسي خارج مؤسسة الجيش، على الرغم من نجاحه في إقامة بعض المشاريع التنموية وإحداث تقدم اقتصادي. وليس بالكتاب سوى إشارات عابرة لأثر سياسات التعريب والأسلمة بالجنوب في قيام ثورة أكتوبر التي أسقطت ذلك النظام.
وترى بيريدج أن إسقاط نظام نميري (مقارنة بإسقاط نظام عبود) كان أمرا شخصيا، بسبب قرارات نميري التعسفية وسوء إدارته للاقتصاد. وبذا تعتبر المؤلفة أن نميري وحده هو المسؤول عن إسقاط نظامه. غير أنها لا تولي كبير اهتمام في تحليلها لانتفاضة 1985م لما قام به نميري من فرض عشوائي للشريعة الإسلامية، وتحالف مع الولايات المتحدة. وعوضا عن ذلك فقد ركزت المؤلفة على أدوار النقابات العمالية السودانية والأحزاب السياسة مثل الحزب الشيوعي والبعثي والأمة والختمية في إسقاط نظامي عبود ونميري معا. ورغم قوة ونفوذ تلك الأحزاب، يظل الطلاب هم الطليعة في الانتفاضتين. وتتبعت بيريدج العلاقات بين الجماعات الطلابية مثل اتحاد طلاب جامعة الخرطوم والأحزاب المختلفة. وكانت تلك العلاقات قائمة في عامي الانتفاضتين، وتواصلت في الفترة الانتقالية (التي أعقبت سقوط نظام عبود ونميري). غير أن الفرق بين الفترتين الانتقاليتين يكمن في الدور الرئيس والمهم الذي أداه الجيش في انتفاضة إبريل، وإلى الآن.
أحسب أن كتاب بيريدج كتاب حسن التوثيق والبحث والتفصيل عند تناوله لمختلف الأحزاب السودانية والتنظيمات الاجتماعية – خارج نطاق الحكومة المركزية – التي ساهمت في إزاحة نظامي عبود ونميري. غير أن الكتاب – كما أسلفنا- كان سيكون أعظم فائدةً لو تطرق بتفصيل وتركيز أكثر للصورة الأشمل للانقلابين وما تبعهما، ولإعطاء سياق تاريخي للأحداث، خاصة أحداث ثورة أكتوبر 1964م. وهذا أمر مهم بسبب بقاء بعض آثار حكم الاستعمار الإنجليزي – المصري بالبلاد في تلك الفترة، التي كان من ضمنها تهميش الجنوب، والذي لعب دورا كبيرا في إسقاط نظام عبود. ورغم ذلك فهذا الكتاب مصدر مهم للمهتمين بتاريخ السودان السياسي الحديث، ويسد بلا شك ثغرات تأريخية في موضوع الانتفاضات المدنية في السودان في العصر الحديث.

alibadreldin@hotmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!