الخـميـر الـسـود .. بقلـم: عمـر العمـر

كم هو عاصفٌ هذا التناقض. الوطن تحت ظلال إتفاق للسلام بينما العاصمة تفقد رباط الطمأنينة. حمى الرعب تزيد تصاعد لهاث الناس فيها. المدينة تنام وتصحو على قلق ثم تمشي وتجلس على وجل. ما هكذا حال الخرطوم إذ في طبع أهلها الإسترخاء 


 

كم هو عاصفٌ هذا التناقض. الوطن تحت ظلال إتفاق للسلام بينما العاصمة تفقد رباط الطمأنينة. حمى الرعب تزيد تصاعد لهاث الناس فيها. المدينة تنام وتصحو على قلق ثم تمشي وتجلس على وجل. ما هكذا حال الخرطوم إذ في طبع أهلها الإسترخاء والطرب. القادمون الجدد من السهول يتحدثون لغة الوعيد والترهيب كأنما التتار خلف الأسوار.أما زعم هؤلاء أنهم رسل للسلام وبناة للرخاء والنماء. من أبلغهم أن أهل العاصمة قُدّوا من طينة الخوف يخشون المواجهه مجبولون على الهرب.؟ لماذا يتحدث القادة والمقاتلون لغة خششنة تنز بالويل والثبور؟

*** *** ***

الكلام عن استجلاب المقاتلين إلى العاصمة بغية ترسيخ الروح القومية كلام هراء خال من الصدق والأمانة. فسيفساء دارفور منتشرة حد التجذر في مدارج المدينة الإجتماعية منذ عهد قديم. ميادين العاصمة ليست قبلة المقاتلين الملائمة. ذلك ضرب أخرق لإستعراض القوة .مع انتشار القادمين تضج منابر ووسائط بلغة عنصرية ثأرية بغيضة. في تصريحات القيادات تطمينات تكتسي بالسماجة أكثر من احتشائها بالبراءة. المقاتلون ينشدون” الجلابة رجفوا” ومناوي يقول ” قواتي ليست شياطين” جبريل يباهي بوجود مكثف يكرس الوحدة الوطنية. كلام على شاكلة كذب المنجمون ولو صدقوا.
*** *** ****

إنشاد المقاتلين ذلك لا ينم عن تسرية للنفس من وعثاء الطريق أو رفع للروح المعنوية. باطن مقولة مناوي اكثر صدقية من ظاهرها. لو التزم جبريل الأمانة لاعترف باستدعاء مقاتليه من أجل حراسة الخزانة المركزية بغية ضمان قبض الجعل المالي المخصص لدارفور وفق الإتفاق الظالمة نصوصه في هذه المسألة . جبريل يدرك أن موسم حصاد الوعد ليس كزمن غرس التعهد. على قدر ما تبدو الوعود والتمنيات دائما يسيرة يبدو جنيها غالبا عسيرا. في مناوي وزمرته آيات للموقعين أيام الإنقاذ
*** *** ***

أما آن في ضوء إتفاق السلام ترديد المقاتلين” وداعا للسلاح”؟ أما حان زمن ترجلهم عن هذه المركبات المغبّرة؟ ألم يأت موعد لينعموا بالعيش في كنف العشيرة؟ أليس أجدى التوجه بهم إلى دارفور في مشروع على نمط” أبن وعمّر” مساهمة في إيواء المهجرين ونشر السلم الإجتماعي.؟ حتما ما في استدعائهم إلى الخرطوم ترجمة لنصوص الإتفاق أو تعزيز لروحه. مع ذلك ربما كانت ثكنات الجيش القومي انسب لهم ، للمدينة والإتفاق. فلقاء فرقاء الأمس بروح أصدقاء اليوم رفقاء الغد يعزز بالتأكيد الروح الوطنية. ذلك أغنى وأثرى من استهداف الفنادق والحدائق في المدينة. أفق الخرطوم مزدحم بقبعات متباينة الأشكال والألوان. التمييز بين معتمريها مهمة ليست يسيرة. تصنيف المقاتلين يتم وفقا للإنتساب للرجال ” قوات فلان “و “قوات علان” ليس بالإنتماء للفيالق العسكرية أو الوطن. المصيبة أكبر بتواري ظهور رجال الجيش القومي خلف ذوي القبعات الإقليمية.
*** *** ***

تمظهر المقاتلين على ظهور مركباتهم المدججة بالسلاح تبث رسائل سلبية صارخة. هو يمنح ساكنيها يقينا باهتزاز الثقة بين الشركاء الموقعين على الإتفاق. كذلك يعطي القادمين من الخارج انطباعا راسخا بافتقاد المدينة عنصري الأمن والإستقرار. ذلك انطباع يترسّخ كلما تلمس الوافدون حالة الذعر في أرجاء المدينة .ذلك ما جعل البعض في أعماق العاصمة يحذرون من مغبة أهوال تحدق بساكنيها جراء الإنتشار الملتبس بنزعة عنصرية ثأرية. ذلك شعور يتنامى مع أرتفاع وتائر التهديد والوعيد ضد بنات وابناء الجلابة”
والشمال النيلي” البعض ذهب بعيدا حد التخويف من مخططات للطرد والإحلال تستهدف المدينة. كأنما استمرأ البعض بث تلك الحمى الكريهة فآثروا الصمت بدلاً عن إحتواء مصادرها أو إخراس ألسنتها. أبعد منكل ذلك فإن انتشار المقاتلين العشوائي الممنهج على طرق العاصمة يجعل الكلام عن الدولة المدنية أكاذيب تجافي الواقع.
*** *** ***

هكذا بدت الخرطوم تحت حمى سناريو عنف محموم محتمل تكاد تمسي فنوم بنة جديدة. دونما نظرة نافذة للغد القريب يصور البعض من هنا ومن هناك القادمين الجدد في مهمات قذرة أشبه بفعائل ” الخمير الحمر” في عاصمة كمبوتشيا إبان سبعينيات القرن الأخير. وقتئذٍ شن أنصار بول بوت حملات طرد ممنهجة ضد سكان المدن إلى الأرياف. أكثر من مليوني نسمة تم إجلاؤهم عن العاصمة بينما ألسنة النيران تلتهم بيوتهم في نحو من ستة آلاف مبنىً. تلك الحملات الدموية تم توصيفها بـ” حقول القتل” وتعريفها بـ ” أنقى إبادة جماعية خلال الحرب الباردة” .فمن يجرؤ على فتح فصل على هذه الشاكلة القذرة في الخرطوم؟ لمصلحة من يريد البعض بث الرعب و تصوير مقاتلي دارفور في دور “الخمير السود”؟
*** *** ***

مع أن قيادات الغرب اجتهدوا لترسم مسار الزعيم الجنوبي الراحل جون غرنغ إلا انهم أخفقو في تقديم أنمذج مماثل على ذلك الطراز الياسي البهي. غرنغ أقنع الجميع في إطار المناضل المفكر المهجوس بقضية الوطن من حلفا إلى نمولي بينما حبست قيادات الغرب رؤاهم وتطلعاتهم داخل حدود الإقليم. ذلك الإنكفاء الضيق جعلهم ينادون بوقف التنمية في أنحاء الوطن حتى تبلغ دارفور مصاف تقدم موهوم في الأقاليم الأخرى. يالوهن الطموح ،ضعف المطلوب، قصر النظر وضيق الرؤى.غرنغ استهدف إعادة هدسة الدولة المركزية بالحجة والمنطق لكنه لم يستقصد إعادة هندسة المجتمع بالعنف والسلاح.
الزعيم الراحل ابتكر لنا مفاهيم فكرية جديدة – وأبناء الغرب بها متشبثون- مثل “السودان الجديد” كما “القضية ليست من يحكم السودان بل كيف يُحكم السودان” وا” السودان وطن متعدد الأعراق، الديانات والثقافات” المفكر الجنوبي أضاف إلى قاموسنا السياسي مفردات مستحدثة ، لعل من أبرزها ” التهميش ” و”المهمشين ” . كلها مصطلحات ومفردات بات يعلكها الساسة والمتطلعين إلى أدوار قاماتهم أقصر من ظلال تلك المفاهيم والمصطلحات .
*** *** ***

عناصر متعددة من الشمال النيلي ضربت في اصقاع الوطن. بعضٌ على قطار السلطة العابر جنوبا ،شرقا أوغربا، بعضٌ في سياق تيار الوعي. كلاهما قادمان من الشمال. بعضٌ فعل ذلك هربا من الشريط الضيق جريا وراء سبل كسب العيش في فضاء الوطن .تلك العناصر ساهمت في نسج شبكة ” الأمة السودانية” الهجين . فحيث ما حطت بهم الرحال خالطوا ، تزاوجوا وأنجبوا .كثيرٌ منهم غرس جذوره في المنبت الجديد فأنيتت علائقهم بالجروف القديمة. هم ساهمو كذلك ما استطاعوا في قتح آفاق الوعي، البناء، الإزدهار والتقدم. وصمهم بالإستعلاء تعميم جائر.
*** *** ***

صحيح تعرضت أنحاء متباينة من الوطن إلى إهمال في خطط التنمية الإقتصادية والإجتماعية من قبل المتعاقبين على السلطة المركزية. بين تلك الأنحاء مناطق في مواطن ” الجلابة ” لكن ذلك نابع عن قصور في رؤى القابضين على مفاتيح السلطة ليس حتما ضمن مخطط يستهدف تلك المناطق وأهليها.
*** *** ***

على نقيض ذلك الإنتشار النيلي لما زحف أهل الغرب شمالأً عبر ديارالجلابة والشريط النيل عرف أهلوه أهوال العنف ، التجريد ،التجويع والتقتيل.
“الدنيا مهدية ” أمست عبارة منحوتة بالعظام كما هي” سنة ستة” في الذاكرة الشمالية النيليية. نكئ الجراح القديمة المؤلمة لا يشفي جسد الأمة ويؤذي عقلها.

aloomar@gmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!