الكهانة والمهدية في أعالي النيل: استعراض التجارب المحلية للمهدية في جنوب السودان .. ترجمة وتلخيص: بد الدين حامد الهاشمي


Prophecy and Mahdism in the Upper Nile: An Examination of local experiences of the Mahdiyya in the Southern Sudan

Douglas H. Johnson دوغلاس أتش. جونسون
ترجمة وتلخيص: بد الدين حامد الهاشمي
مقدمة: هذه ترجمة وتلخيص لمقال يتناول الكهانة والمهدية، وتجاربها في جنوب السودان بقلم الباحث الأمريكي دوغلاس هاملتون جونسون، نُشر عام 1993م في العدد العشرين من المجلة البريطانية لدراسات الشرق الأوسط (BJMES). وكان الكاتب قد عمل من قبل زميلا في “معهد الوادي المتصدع” وباحثا وأستاذا للتاريخ في كلية سانت أنتوني بجامعة أكسفورد، متخصصا في تاريخ شمال شرق أفريقيا والسودان وجنوب السودان، وسبق له العمل خبيرا في شئون المناطق الثلاث (أبيي والنيل الأزرق وجبال النوبة) في مفاوضات السلام الشامل في 2003م. وللرجل كتاب بعنوان “جذور أسباب الحرب الأهلية في السودان، وآخر عن “نبوءات النوير”، وعدة مقالات وفصول في كتب تدور كلها حول تاريخ وحاضر شمال شرق أفريقيا والسودان وجنوب السودان. وسبق لنا ترجمة مقالين له بعنوان “بنية إرث: الرق العسكري في شمال شرق أفريقيا” و”السودان في الكوميديا البريطانية”.
المترجم
******* ****** ******
اعتمدت الكتابات عن دولة المهدية السودان في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية على وثائق الحكم المهدوي والجيش المصري. غير أن التجربة المحلية للمهدية لم تحظ بكثير من الدراسات، ربما بسبب تَحَفّظ واِحتِرَاز وتأبي الكثير من المؤرخين العاملين بالسودان على جمع التاريخ الشفهي بطريقة منهجية. لذا ظلت كتابات التاريخ الاجتماعي حول استجابة سكان المناطق المختلفة للمهدية وإدراكهم وفهمها لها قليلة نسبيا. وعبرت بعض الكتابات عن التقدم الداخلي للمهدية بعبارات “وطنية” بحسبان أن المهدية قد جمعت شمل سكان مختلف أرجاء السودان ووحدتهم تحت راية هوية وأهداف وطنية مشتركة. غير أن وثائق الفترة المهدية الخاصة بالمناطق البعيدة عن أم درمان هي وثائق اِستِعمَاريّة (colonial)، تعبر عن وجهة النظر الاستعمارية وأهدافها حيال رغبة وسعي الحكم في أم درمان لبسط نفوذه على المناطق “المستقلة” النائية. وخير مثال لتلك الكتابات النادرة هي ما سطرته ليدفين كابتيجنز عن المساليت (1).
وأبرز مثال لندرة أمثال تلك الكتابات يتعلق بتفسيرات أعمال المهدية في جنوب السودان. وكان روبرت كولنز قد تناول في كتابه عن “جنوب السودان بين عامي 1883 – 1898م” منهج ومواقف من أتى من المسؤولين المهدويين للجنوب. غير أن تفاعل السكان المحليين مع المهدية وتأثيرها عليهم لم يحظ بدراسات جادة، وظل الاعتماد يقتصر على مجرد انطباعات شخصية للمفتشين البريطانيين في العقد الأول من الحكم الثنائي. ولم يكتب هؤلاء (وهم من الاثنوغرافيين، وليسوا بمؤرخين) إلا عن المواجهات بين قوات المهدية ومجموعات جنوبية معينة، مما سمعوه من شهادات السكان المحليين عن عهد ساده عنف شامل وتخريب يفترض أنه ترك المجتمعات الجنوبية مدمرة تماما أو ضعيفة داخليا. وعادةً ما كان البريطانيون يصفون الجنوب عقب سقوط المهدية مباشرة بأنه مكان تسوده الفوضى والتفكك، وبأنه مصدر إزعاج بالغ وإخلال بالأمن. وكانوا يعزون كل ذلك للتدخل المهدوي في شؤون الجنوب. ولم يحاول أي مؤرخ أن يثبت منهجيا أو أن يوفق بين انطباعات الأجانب الشخصية “العشوائية” تلك، وبين شهادات وذكريات الجنوبيين أنفسهم.
ومن الجانب المقابل يزعم المعسكر “الوطني” أن المهدية وفرت للجنوبيين – عند تحالفهم مع المهدويين – الوسائل والنموذج الأمثل للمجابهة الفعالة ضد مظالم الحكم التركي – المصري، ولاسترداد حقوقهم منه، وأن التحالف بين (بعض) الجنوبيين والمهدويين كان قد مثل شكلا جديدا من “التعبئة الثورية والدينية” كان لها لاحقا تأثير راسخ ومُستَدام على التنظيم السياسي – الديني. وزعم عالم الأنثروبولوجيا إيفانز بريتشارد في كتابه المعنون “ديانة النوير” إلى أن أنبياء (كهنة) النوير في أخريات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين كانوا قد ظهروا نتيجةً لظهور المهدي في الشمال (إما من باب التقليد أو من باب المعارضة). ويُزعم الآن أن الدينكا أيضا قد استوعبوا المهدي ضمن الكُوزمُولُوجيَا الخاصة بهم بحسبانه شخصية حميدة، بل حامية لهم. غير أن ذلك الزعم لم يُبحث في أي دراسة موثقة في جنوب السودان.
لكل ما سبق ذكره هدفت هذه الورقة لدراسة بعض تجارب الدينكا والنوير في أعالي النيل حيال المهدية، والعلاقة المزعومة بين الأنبياء (الكهنة) الأفارقة والإسلام.
******* *******
] ثم تعرض الكاتب في ثلاث صفحات تالية لمقدمته لجغرافية أعالي النيل، وتاريخها الاستعماري في سنوات الحكم التركي – المصري، وذكر مجيء غردون وفرانك ليبتون Lupton لها (2، 3) ، إضافة لتجارة الرقيق التي كانت منتشرة في تلك المنطقة. وذكر طرفا من تاريخ الصراع بين سليمان الزبير والحكومة المصرية في بحر الغزال وجنوب دارفور التي كان سببها الرئيس هو الصراع حول المصالح التجارية للطرفين. وكان ليبتون أول من ربط بين اندلاع ثورة الدينكا وثورة المهدي في شمال السودان، بل وصف ليبتون أحد قادة الدينكا (واسمه مانديت Mayendut) بأنه “أكبر عميل لمحمد أحمد المهدي”. ولخص الكاتب تاريخ احتلال الأنصار لبعض الحاميات في جنوب السودان بين عامي 1888 – 1898م، وعدم تأثير ذلك على السكان المحليين. وذكر أن الخليفة عبد الله اتخذ من “الرجاف” أحد مَنَافِي بعض قادته من المغضوب عليهم، وأن الأمير الزاكي طمل قاد حربا مدمرةً ضد الشلك والدينكا في النيل الأبيض بين عامي 1890 و1891م، من أجل الحصول على إمدادات غذائية لدولة المهدية إبان مجاعة سنة 1306هجرية. وتطرق لروايات شفوية عن مذابح وحشية ارتكبتها قوات المهدية في المناطق حول تونجا، زعم بأنها لا تزال محفوظة في ذاكرة الشلك. وقال أيضا أنها ربما تكون نفس القوات التي قتلت الدينكا في خور فلوث Fulluth. غير أن هجوم قوات المهدية على المجتمعات النيلية جنوب “بحر العرب” كان قد توقف تقريبا بعد عام 1885م عدا في بعض المناطق [
******* **********
المهدية والكُهَّان (االعرَّافُون) عند النوير
كان ظهور الكُهَّان عند النوير سابقا لدعوة محمد أحمد المهدي بعدد من السنوات. فقد ظهر الأوائل من أولئك الكُهَّان (وهم – كما يعتقد النوير – رجال ينزل عليهم وحي من آلهتهم، فيتحدثون بما ينزل عليهم) في أوساط نويرمنطقتي Lou وGaawar في شرق بحر الغزال قبل حدوث الفيضان العظيم في 1878م.
وكان أحد هؤلاء الكُهَّان (واسمه كولانج كت) قد زار عاصمة المهدية في عهد الخليفة عبد الله (1885 – 1898م)، وليس في عهد المهدي، كما ذكر بعض الكتاب. وكانت تلك زيارة طوعية قام بها بمفرده، وهو حر طليق، وقضى بها نحو ثلاثة أعوام، قفل بعدها راجعا لموطنه الأصلي في جاقي Jagei بين عامي 1898 و1900م. وظلت زيارة ذلك الزعيم غامضة الأسباب والنتائج. وقيل إن كولانج كت كان بأم درمان حين دخلها الجيش الإنجليزي – المصري. وإن صح هذا الزعم، فهذا يعني أن الرجل كان قد رأى بعينيه مدى قوة ذلك الجيش، وهذا ما لم يكن متاحا لكل معاصريه في الجنوب. وجاء في رواية شفوية أن كولانج كت قال لأحد صغار أتباعه (واسمه لي لي قواك روت) في عشرينيات القرن العشرين أنه كان قد قرر الذهاب للخرطوم كي يقاتل رجلا يقال له كاليبة (Kalipa)، وأنه ضرب “كاليبة” هذا بعصاه، دون أن يدري الأخير من هو الذي ضربه! وبحسب ما ورد في التقرير الشهري للمخابرات البريطانية الصادر في سبتمبر من عام 1923م، قابل كولانج كت الباشمفتش البريطاني النقيب في. أتش. فيرقسون في عام 1923م، وحكى له عن زيارته لـ “أرض الإنجليز” (التي قد تعني أنه زار معسكر الجيش الإنجليزي – المصري الكبير الذي كان قد أقيم عقب معركة كرري). ويُزعم أن الكاهن كولانج كت كان هو الوحيد من بين زعماء منطقته في تلك الفترة الذي ربط قوته الروحية باسم نظيره (محمد أحمد المهدي) في شمال السودان. وربما يجد مثل هذا الزعم بعض المصداقية في قصة رحلته لأم درمان وحديثه عن ضربه بعصاه لـ ” كاليبة”.
المهدية والكُهَّان (االعرَّافُون) عند الدينكا
وهناك قصة لكُهَّان من الدينكا بأعالي النيل تُعد مثالا لمدى تأثير مهدية محمد أحمد في شمال السودان على جنوبه. وفي تراتيل الدينكا إشارة إلى المهدي (الذي يطلقون عليه في لغتهم مادي Maadi’) ويدخلونه في السلسلة التراتيبية للشخصيات المقدسة عندهم، والتي يصلون عليها، وعلى رأسها دينق Deng. ودينق هو شخصية مقدسة عندهم، ويعد أيضا كبير أسلافهم. (أورد الكاتب هنا بعض تراتيل الدينكا التي ورد فيها ذكر المهدي / مادي. المترجم).
وذكر فرانسيس دينق رواية حول تلك الترتيل تتعلق بلقاء أروب بيونق زعيم دينكا Ngok (الذين يقطنون مناطق تقع على “بحر العرب” بجنوب كردفان) بالمهدي حينما كان لا يزال في كردفان. وكان الغرض من ذلك اللقاء سعي زعيم الدينكا لإطلاق سراح أسرى الدينكا الذين احتجزهم العرب (أنصار المهدي). واستجاب المهدي لطلب أروب بيونق وأطلق سراح من كانوا محتجزين عنده من الدينكا، من فخذ Ngok وغيرهم، وسلمهم لأروب بيونق. وكان دافع ذلك التصرف من المهدي – بحسب رأي فرنسيس دينق- إما الشهامة أو السياسة. وكان نجاح بيونق في إطلاق سراح من أسرهم المهدي من الدينكا سببا في تقويه موقفه وتدعيم نفوذه وسط قبيلته بحسبانه متحدثا (رسميا) لهم في المناطق الحدودية بين العرب والدينكا. بينما استفاد المهدي من إطلاقه سراح أولئك الأسرى، إذ صار في نظر الدينكا محررا لهم من نير العبودية. وخلدت تلك التراتيل التي أشرنا إليها ذلك الانطباع عندهم. وظل الدينكا ينشدون لاحقا تلك التراتيل ضد العرب وضد خليفة المهدي عندما تم خرق اتفاق المهدي مع أروب بيونق. واستنتج فرانسيس دينق (حفيد ذلك الزعيم الدينكاوي) أن الدينكا كانوا قد استوعبوا وتمثلوا فكرة “الرجل المهدي” في أفكارهم الدينية (4). غير أنه كان لباقوت دنيق زعيم دينكا Ngok في كردفان رأيا مخالفا لما سبق ذكره أدلى به لفرانسيس دينق عام 1974م (5)، ومفاد رأيه هو أن تلك التراتيل التي قُيلت في مدح المهدي كانت من نظم Ngor Akol أو لرجل دين من ريكRek . وأضاف باقوت دنيق أنه إن صح أن تلك القصيدة كانت قد نُظمت في مدح المهدي حقيقةً، فمرد ذلك هو خوف دينكا Ngok من المهدي، والخشية من اختطافه لأطفال رك. وتساءل “ما الذي سيتغير في هذا السلوك؟ هل تغير أي شيء بعد مدح المهدي؟ ألم يقم المهدي بإتخاذهم عبيدا في داره؟ ألم يكون هناك رقيق يعملون لخدمة عائلة المهدي”. وخلص باقوت دنيق إلى أن “تلك التراتيل كانت تتحدث عن “اكوك Acuk”، وهو النمل الأسود، وأن مؤلفها قد قصد بها الشعب الأسود، ولم يكن يمدح فيها العرب. هذه كذبة. هذه ليست قصتنا” (4).
إحالات مرجعية
1. انظر المقال المترجم للكاتبة الهولندية الأصل ليدفين كابيجينز (التي عملت في قسم التاريخ بجامعة الخرطوم في أواخر سبعينيات القرن الماضي) بعنوان “أبو جميزة: ساحر يتحدى الخليفة”، المستخلص من كتابها عن تاريخ المساليت: “العقيدة المهدوية والتقاليد السودانوية” Mahdist Faith and Sudanic Tradition. History of Dar Masalit . http://www.sudanile.com/16505
2. انظر مقال إي ماكرو المترجم بعنوان “فرانك ميلر ليبتون” http://www.sudanile.com/78320
3. وردت آراء عن فرانك ليبتون مخالفة لما كتبه عنه معظم المؤرخين الغربيين في صفحات 82 – 100 من الفصل الخامس (وعنوانه: “حركة التحرير في جنوب السودان”) في كتاب “دولة المهدية من وجهة نظر مؤرخ سوفيتي”،. والكتاب من تأليف سيرجي سمرنوف وترجمة هنري رياض (دار الجيل- بيروت. 1993م).
4. ذكر بيتر هولت في كتابه (دولة المهدية في السودان) ما يفيد بأنه لما أعلنت ثورة المهدي في أواخر 1881م، انضمت إليها القبائل النيلية في بحر الغزال. وسافر وفد من كبراء الدينكا لرؤية المهدي عندما كان في “جبل قدير”. وهناك بايعوا المهدي، الذي نصحهم بالعودة إلى ديارهم لطرد الأتراك، ووعدهم بأن تكون لهم الحرية المطلقة. وأضاف سمرنوف في كتابه المذكور في المرجع رقم 3 أعلاه، أن المهدي عاقب قادته الحربيين الذين لم ينصاعوا لأمره الذي قضى بأن يعاملوا النيليين معاملة الأصدقاء.
5. ورد المذكور في تلك الفقرة في كتابات فرانسيس دينق مثل Dinka Cosmology وAfricans of Two Worlds و The Dinak in Afro – Arab Sudan.
للمزيد عن سيرة فرانسيس دينق يمكن قراءة ما ورد عنه في موسوعتي المعرفة والويكيبيديا https://tinyurl.com/kxwb42p8 وhttps://tinyurl.com/22bush6b

alibadreldin@hotmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!