جامعة الخرطوم في عامها الأول .. بقلم: بروفيسور مايكل قرانت .. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

مقدمة: هذه ترجمة لملخص ورقة ألقاها بروفيسور مايكل قرانت في مؤتمر الجمعية الفلسفية السودانية في الخامس عشر من نوفمبر عام 1956م. نُشر الملخص في العدد السابع والثلاثين من مجلة "السودان في رسائل ومدونات" الصادر عام 1956م. 


 

جامعة الخرطوم في عامها الأول
The First Year of Khartoum University
Professor Michael Grant بروفيسور مايكل قرانت
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مقدمة: هذه ترجمة لملخص ورقة ألقاها بروفيسور مايكل قرانت في مؤتمر الجمعية الفلسفية السودانية في الخامس عشر من نوفمبر عام 1956م. نُشر الملخص في العدد السابع والثلاثين من مجلة “السودان في رسائل ومدونات” الصادر عام 1956م. وتم نشر الورقة كاملةً في التقرير السنوي لجامعة الخرطوم (1956 – 1957م).
عمل بروفيسور قرانت (1914 – 2004م) البريطاني الجنسية كأول مدير لجامعة الخرطوم بين عامي 1956 و1958م (1). وهو من الكتاب المتخصصين والمجيدين في الكلاسيكيات القديمة والْمَسْكُوكَات وَالْمَدَالِيَات، وكان غزير الإنتاج في مجال ترجمة كثير من الأعمال الاغريقية واللاتينية المهمة للغة الإنجليزية. وبحسب ما جاء في نعيه بكبريات الصحف البريطانية والأمريكية شغل الرجل الكثير من المناصب في عدد من جامعات بريطانيا العريقة (مثل جامعات أدنبرا وكمبردج وبلفاست) وجامعات الشرق الأوسط. وفي غضون الحرب العالمية الثانية عمل في عام 1940م كضابط مخابرات في مكتب الحرب البريطاني، وانتقل في العام التالي لتركيا ليرأس “المجلس البريطاني الثقافي” فيها. أصدر بروفيسور قرانت مذكراته عام 1994م بعنون: “أول ثمانين عاما من عمري My first Eighty years”.
تم في عام 1951م ضم كلية كتشنر الطبية إلى كلية غردون لتصبح كلية الخرطوم الجامعية (المرتبطة بجامعة لندن). وفي 24 يوليو من عام 1956م تم تحويل كلية الخرطوم الجامعية إلى جامعة الخرطوم الحالية.
المترجم
********* ********* ********
ذكر بروفيسور قرانت أن الجامعة تقوم الآن بإجراءات عملية لتتماشى مع وضعها الجديد. ففي المجال الأكاديمي أدخلت الجامعة مقررات “درجة الشرف”، وفي المجال الإداري بدأ العمل فعليا بما نص عليه قانون جامعة الخرطوم (1). وقد جعل هذا القانون من الجامعة مكانا لتطبيق الديمقراطية البرلمانية، مثلما يحدث في السودان نفسه. وبموجب النظم الأساسية واللوائح والقواعد التي صدرت بموجب أحكام ذلك القانون فإن مسؤولية اتخاذ القرارات المهمة موزعة بصورة واسعة على العاملين بالجامعة. وقد يتسبب مثل ذلك النظام الذي يقوم على عمل لجان في إحداث تأخير في اتخاذ القرارات. غير أن ذلك النظام هو الوحيد الذي يمكن مدير الجامعة من إشراك الأساتذة معه في اتخاذ القرارات المهمة، وهو الوحيد أيضا الذي يُمكَّنَ الأساتذة من تقديم نصحهم وخبرتهم حيال صياغة سياسة ما.
إن أحد أهم مسؤوليات الجامعة الكبيرة والمهمة هي التخطيط للمستقبل. غير أنه من المستحيل في الوقت الراهن التخطيط لمدى طويل، إذ أن الظروف التي تتحكم في التخطيط هي عرضة للتغيير بسرعة وبصورة لا يمكن التنبؤ بها. ومن أمثلة تلك العوامل التي يتعذر التكهن بها هي أعداد الطلاب الذين سيقبلون بالجامعة، والمباني التي ستشيد، والأساتذة الذين سيتم تعيينهم.
ومن الصعب الآن الحصول على أي توقعات دقيقة للذين سيتقدمون في المستقبل للالتحاق بالجامعة، وليست هنالك معلومات كافية حول أعداد ونوعية الوظائف الشاغرة التي سيتم تعيين الخريجين بها في السنوات القليلة القادمة. وهذه النَقِيصَة الأخيرة جعلت من العسير تقديم النصح والإرشاد للطلاب في مجال اختيار ما سيدرسونه من مقررات بالجامعة بناءً على تطلعاتهم المستقبلية وحاجة البلاد لخدماتهم. (هنالك بالطبع بعض الطلاب الذين يرغبون في التعليم من أجل تلقي العلم والمعرفة والثقافة، غير أن أمثال هؤلاء سيظلون أقلية دوما). وكنا نؤمل ونؤمن بأن الحكومة ستمد يد العون للجامعة في إزالة تلك الأمور الغامضة التي لا نستطيع التنبؤ بها حاليا. وكنا قد اقترحنا على الحكومة أن تعفينا من مهمة تقدير المصاريف التي ينبغي على كل طالب بالجامعة دفعها، وهي مهمة عويصة، وعبء ثقيل، وتمييزية بالفعل. وكان الأَوْلَى أن تقوم بتلك المهمة السلطات المحلية في المديريات، إذ أنها أدرى بأحوال المتقدمين للجامعة، وبمقدورها تقييم مقدرات كل متقدم على دفع المصاريف الجامعية مقارنة بغيره.
لقد واجهت الجامعة في عام 1956م مشكلة عملية وعاجلة، عندما فاقت بكثير أعداد المتقدمين للقبول – ولأول مرة – الأماكن المتاحة. واستطعنا عن طريق تطبيق معالجات مؤقتة رفع أعداد الطلاب المقبولين من 248 إلى 283. ولم يتم ذلك إلا بعد القبول ببعض المضايقات والمُنَغِّصات (مثل الازدحام في المدرجات). وفي مختبرات كلية العلوم، وضع النقص في الأدوات والمستلزمات المختبرية حدا لا يمكن تجاوزه في أعداد الطلاب الذين يمكن قبولهم بتلك الكلية. وليس هنالك من حل لتلك المشكلة سوى تنفيذ برنامج طموح للتوسع في إنشاء مبانٍ جديدة. وقد شرعت الجامعة بالفعل في إنفاق 300,000 من الجنيهات لتشييد بعض المباني الجديدة في غضون السنوات الثلاث الحالية، ويؤمل أن تنفق الجامعة أكثر من ذلك خلال أعوام 1959 – 1962م. وأعطيت الأولوية الآن لمبنيين جديدين لقسمي النبات والكيمياء. وستفتتح قريبا داخلية للطالبات. وعندما تكتمل عمليات البناء بالجامعة، سيكون بمقدور الجامعة، في نهاية المطاف، استيعاب ما بين 1,500 و2,000 طالب وطالبة.
وكانت مسألة تعيين أعضاء في الهيئة التدريسية بالجامعة من العوامل المقيدة. غير أنه تم اتخاذ بعض الخطوات الهادفة لزيادة أعداد الأساتذة السودانيين وذلك بتوفير المزيد من المنح الدراسية العليا والزَّمَالَات البحثية لهم. وفي ذات الوقت تسعى الجامعة جاهدةً في حملتها لاستقطاب أساتذة من خارج البلاد (3).
وكل ما سبق ذكره يحتاج بالطبع للمال (هنا شكر بروفيسور قرانت الحكومة على ما تقدمه للجامعة من أموال، وعلى احترامها لاستقلال الجامعة).
إن موقف الحكومة الداعم للجامعة وتفهمها لاحتياجاتها يعكس موقف عامة السودانيين من جامعتهم. وعلى الرغم من ذلك فالجامعة ترى أنه من واجبها أن تضمن أن عملها واضح وأهدافها مفهومة تماما لكل السودانيين، وبخاصة لكل طلابها وخريجيها. وضمن أعباء مهمة أخرى، يقع على الجامعة أيضا عبء اقناع الرأي العام السوداني بأهمية الدراسات النظرية المجردة التي ليست لها تطبيقات عملية واضحة، مثل الفلسفة (وهو من الأقسام الجديدة التي ستفتح قريبا، مع أقسام الجيولوجيا وهندسة المعمار والأنثروبولوجيا الاجتماعية).
وهنالك حاجة للتأكيد على أهمية البحث كأحد أهم الأنشطة بالجامعة. وإن لم ينخرط الأساتذة أنفسهم في نشاط بحثي كبير، فليس هنالك من أمل في أن يقوموا بحث والهام طلابهم لإجراء البحوث، واقناعهم بأن البحث شيء شائِق وقيم في حد ذاته. ولن يكون بمقدور الأساتذة تطوير قدرات تلك الفئة القليلة والمهمة من الطلاب (المتميزين) التي ستقوم هي الأخرى في المستقبل بوهب نفسها للعلم والتعلم والتثقيف المستمر. وهنا ينبغي تسويغ وتبرير أهمية البحث في مجال الدراسات النظرية المجردة، جنبا إلى جنب الدراسات العملية والتطبيقية (مثل تلك التي تجرى الآن في “وحدة الأبحاث الحيوية – المائية”). ومن سياسات الجامعة أيضا إتاحة المجال للراغبين من الباحثين الأجانب في إجراء بحوثهم بالسودان وتقديم كل التسهيلات لهم. واستقبلت الجامعة بالفعل عددا من هؤلاء البُحَّاث، ويتوقع أن يزداد عدد هؤلاء في مقبل السنوات.
وأعد أمر تقديم كل التسهيلات الممكنة لهؤلاء الباحثين القادمين من الخارج واحدا من أهم برامج الجامعة في مجال العلاقات العامة. ومن فوائد هذا البرنامج زيادة معرفة العالم الخارجي بجامعة الخرطوم، والاعتراف بالشهادات التي تمنحها، وهذا ما من شأنه تسهيل عملية قبول خريجيها للتحضير لشهادات عليا في الجامعات الأجنبية. ولن يكون تنفيذ مثل هذا الواجب ممكنا بين عشية وضحاها. إلا أنه يتعين القول بأن عددا من الدول الخارجية قد أدركت الآن بالفعل أن ترقية “كلية الخرطوم الجامعية” إلى جامعة مستقلة لم يكن عملا متعجلا، بل كان عملا دَؤُوبا تم التخطيط له بدقة، ولقي دعما أكاديميا واسعا.
لقد أرست “كلية الخرطوم الجامعية” (وما سبقها) أساسا متينا لإنشاء جامعة الخرطوم التي تضم الآن بين جنباتها عددا (معقولا) من الطلاب شديدي الحرص على التعلم، وعلى أن يجعلوا من أنفسهم مواطنين صالحين. وهذا ما يعطينا كل الثقة في مستقبل زاهر.
******* *********** **********
إحالات مرجعية
1. تذكر كثير من المصادر الإسفيرية (ومنها موقع جامعة الخرطوم في شبكة الانترنيت) أن أول مدير لجامعة الخرطوم هو السيد / نصر الحاج علي. والصحيح أنه كان أول مدير سوداني لجامعة الخرطوم، تقلد منصبه في يوليو من عام 1958م.
2. أجريت تعديلات عديدة على ذلك قانون الجامعة، مثلا في عامي 1990 و1995م. https://bit.ly/3v0KGH8
3. استقطبت جامعة الخرطوم في تلك السنوات (وحتى بداية السبعينيات) علماء شهيرين في كل التخصصات، منهم، على سبيل المثال لا الحصر، عبد المجيد عابدين في الآداب، وجون – كلاودلي طومسون في قسم الحيوان بكلية العلوم (https://tinyurl.com/2mkz25hx)، وآخر في قسم الكيمياء ذكر لنا بروفيسور مأمون مكي المنا قبل عقود أن جامعة الخرطوم كانت تُعرف به، فيقال أنها “الجامعة التي يعمل بها ذلك الأستاذ”!

 

alibadreldin@hotmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!