كـاتـلـوغ الإنـقـاذ .. بقلم: عمـر العمـر

عدد من الأصدقاء يسألني- لهم الإمتنان – عن اسباب احتجابي عن الكتابة. هو ليس موقف بقرار مسبق بل رد فعل في سياق تداعيات الأحداث إذ تغلب الكآبة على قدرة الإستشراف والمتابعة. على قدر بؤس المشهد تفتقر مجمل المساهمات الجادة إلى 


 

عدد من الأصدقاء يسألني- لهم الإمتنان – عن اسباب احتجابي عن الكتابة. هو ليس موقف بقرار مسبق بل رد فعل في سياق تداعيات الأحداث إذ تغلب الكآبة على قدرة الإستشراف والمتابعة. على قدر بؤس المشهد تفتقر مجمل المساهمات الجادة إلى الصدى المأمول من قبل القابضين على مفاتيح صناعة القرار على جميع الصُعد داخل الوطن. المشهد يضج بأنصاف ساسة وأشباه قادة. الأفق يضج بالترهات من الممارسات والخطابة وباللامبالاة تجاه سلامة الوطن أو حياة المواطن . كأنما لن يًكتب للسوداني البتة أن يمشي مطمئنا أو ينام آمناً أو يستيقظ متفائلا بنهارٍ خالٍ من الشظف والقلق والمعاناة. هو يفعل ذلك وحيدا لديه قناعة بحتمية القتال الشرس لتأمين شروط الحياة اليومية ما وسع .هو يفعل ذلك قسراً خارج مظلة الدولة بدلاً عن العيش في كنفها.
*** *** ***

خشبة المسرح السياسي تضج بمتزاحمين على نحو كثيف. ما بين المتزاحمين من يتمتع بمواصفات السياسيين صنعة الغد ، دع عنك القادة الملهمين. الأحزاب لم تفق بعد من غيبوبتها طويلة الأمد. ذلك مدعاة لغياب البرامج الوطنية دعك عن الحديث في شأن “مشروع قومي” . الخطاب الساسي مشرُبٌ بالجهل الفاضح ملتبسٌ بالعمى .لذلك يقابل الجمهور ولاة الأمر الجدد بالسخرية والاستهزاء إذ يسمعون في كل يوم ما يحرّض على ضحكٍ كالبكاء. مِن مَن يصدر الخطاب السياسي المقنع الواعد بالحياة؟ فالخطاب السياسي في أُسه البسيط – كما وصفه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو- هو منظومة توجهات ومواقف فكرية بالإضافة إلى اتجاهات وممارسات ممنهجة على الأرض تنظم وتبني الشؤون الحياتية. ما بين المزاحمين من مؤهل لإصدار مثل ذلك الخطاب .
*** *** ***

محنة المرحلة الانتقالية إخفاقها في الإنفكاك من شباك الإنقاذ. ذلك فشل لا يمليه فقط بقاء ضغوط ما يسمى بالدولة الموازية فاعلة مؤثرة على الشعب والدولة، بل كذلك سقوط القيادات السياسية والتنفيذية للمرحلة في مدارات النظام السابق. هناك قادة يتوسمون نهج أركان ما قبل الثورة. ثمة قيادات تقرأ في “كاتلوغ” الإنقاذ . لا يختلف الحال حين تطالع، تشاهد أو تتابع المشهد من الزاوية السياسية أو التنفيذية. لئن حاولت تسويق وهن البنى الحزبية لصد خيباتك في ساسة المرحلة فإنك عاجزٌ حتما على إسكات دماغك وانت تتابع ممارسات الجالسين داخل كابينة السلطة التنفيذية.
*** *** ***

مع التسليم القسري بمراعاة عقليات الوافدين باسم السلام في تضخيم الجهاز التنفيذي فإن ذلك التسليم لا يطال بالضرورة حق رئيس الوزراء في تكديس مكتبه بمناصب يمكن الاستغناء عنها دون أضرار. فكل وزير يمثل مستشارً لرئيس الوزراء في حقل وزارته. لكن ثمة وزارات تحتمل او تتطلب الإستعانة بأكثر من رأي. ربما يكون القطاع الإقتصادي في حالنا أدعى للإستشهاد في هذا السياق. إخضاع الهيكل الوزاري للترضيات الجهوية والقبلية صناعة إنقاذية محضة، مثلما هو تدوير الوجوه في فلك السلطة إنتاج مألوف في العهد القديم. أوتصدق رؤية صديق رأى في طاقم مكتب رئيس الوزراء الجديد “استبدال شلة المزرعة بشلة المنفعة” ؟ فمستشار الشراكات الخارجية بدعة حمدوكية خالصة من حيث المسمى لكنها سنة إنقاذية مؤكدة من حيث المضامين.
*** *** ***

مستشار الشراكات ليس وحده البدعة. فبث مضابط اجتماعات مجلس الوزراء ليس من مهام أي ناطق رسمي باسم أي حكومة أو المستشار الصحافي لرئيس الوزراء، إن كان لابد للأخير من معين إعلامي فهو ليس غي سكرتير صحافي . ربما أنبأ قمر الدين عن مهارات دبلوماسية إبان شغله منصب وزير دولة في الخارجية. ذلك أدعى لتثبيته حيث بزغ. حمدوك أبان قدرات مبهرة في نسج الشراكات على الصعيدين الداخلي والخارج . فهو لا يحتاج إلى من يستشير على هذه الجبهة. فلا أحد تفوق عليها مثله. منح قمر الدينن صفة الإستشارة تنزع عنه ريش الصناعة. هذا وضع ملتبس يضع رئيس الوزراء، وزيرة الخارجية ومستشار الشراكات على حافة التنازع أكثر ن تقريبهم إلى منصة التناغم. صديق من المؤرخين المنقبين أشار حذر من تشكيل حمدوك حكومة ظل وأشار إلى تخصيص مستشارين في حقل وزارتين على رأسيهما ممثلان للحزبين الكبيرين؛ الأمة والإتحادي. مع حقنا في التساؤل عما إذا كانا لا يزالان كما وصفهما فإن ملاحظته جديرة بالتحديق .
*** *** ***

هكذا لحق حمدوك بمعسكر الجنرالات في اختطاف مهام وزارة الخارجية وواجبات الجهاز الدبلوماسي. فمن المألوف إبان المرحلة الإنتقالية قيام الجنرالات بمهمات من صميم شؤون الوزارة. بل هي أمست مثل الرعايا آخر من يعلم ! دور الخارجية يُبنى على جهد سياسي دبلوماسي مشترك ،ليس للعسكر فيه يدٌ.ربما جاء حمدوك أكثر توفيقا لوسمى قمر الدين مستشارا سياسياً. حتما يجد مستشار الشراكات نفسه أحياناً في موقف متخذ القرار أو أحايين في وضع متابع التنفيذ لامحالة .هكذا يستنسخ حمدوك نهجاً إنقاذياً بتوزيع الشؤون الخارجية على أكثر من يدٍ، تعدد الأيادي يفضي إلى “إفساد الطبخة” لامحالة. ربما تجد مريم المهدي نفسها تستعيد مجبرةً غندور حينما تسلم “خارجية” مجردة من أكثر ملفاتها حيوية. ربما يجد قمر الدين نفسه أقرب إلىه استنساخ دور “عوض الجاز ” حسب توصيف سفير مرموق صديق. وقتئذٍ عهد البشير بملفات العلاقات مع دول “بريكس” .بين تلكم العمالقة الصين ،روسيا والهند إلى الجاز .ثم أنزل البشير على طه ملفات العلاقات مع دول الخليج.
لعل ذلك كان أن أحد دوافع غندور لإخراج الهواء المكتوم في صدره على الملأ عنما أفشى إفلاس الخارجية.
*** *** ***

بما أن السياسة الخارجية والداخلية وجهان لعملة واحدة كما قال “استاذنا” الراحل منصور خالد فإن الخارجية مكلفةٌ إبان المرحلة الإنتقالية بعكس سياساتنا الداخلية الجديدة وبذل الجهيد بغية تحقيق مصالحنا العليا .فهي أحوج ما تكون لإصلاح حالها، رفدها بالكوادر المقتدرة ودعم أدائها ليس حتماً الفت في عضدها وتفتيت مهامها .فالخارجية هي” قاطرة العديد من الوزارات في سعي الحكومة لإخراج البلاد من وضعها الكارثي” الراهن حسب توصيف السفير المرموق.
*** *** ***

لئن وجدنا للجنرالات وزعماء الميلشيات المسلحة أعذارا في تشبثهم بدأب الإنقاذ او تصنعهم إياه فما نحن بمبرئين قياداتنا الحزبية من الرسوف في شباك العهد البائد. كما نربأ بقياداتنا المنتقاة من نخبنا المستنيرة -بينهم حمدوك – من الإنزلاق إلى مستنقع الخطايا الوطنية الآسن . لعلنا نحرّض النخب السياسية عازلة نفسها عن الحراك الجماهيري على أن تثوب إلى رشدها فتستأنف المساهمة في عبور المرحلة الإنتقالية إلى عهد لن يستقيم والأحزاب كسيحة مكسّرة مشققةٌ مبعثرة.

aloomar@gmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!