تاريخ القلابات (2 – 2) .. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

مقدمة: هذا هو الجزء الثاني والأخير من مقال عن تاريخ القلابات. نُشِرَ هذا المقال في العدد السابع من مجلة "السودان في رسائل ومدونات SNR" الصادر عام 1924م، من دون ذكر اسم المؤلف. ذكرت في ترجمتي لغالب أجزاء هذا المقال أسماء 


 

 

The History of Gallabat

مقدمة: هذا هو الجزء الثاني والأخير من مقال عن تاريخ القلابات. نُشِرَ هذا المقال في العدد السابع من مجلة “السودان في رسائل ومدونات SNR” الصادر عام 1924م، من دون ذكر اسم المؤلف.
ذكرت في ترجمتي لغالب أجزاء هذا المقال أسماء القرى والمناطق التي ذكرها الكاتب كما كُتِبَتْ بالإنجليزية، وأوردت ما أظن أنه أقرب ترجمة عربية مقابلة، لتعذر الحصول على مصادر عربية ذكرت تلك المواقع.
المترجم
********** *********** ***********
خلف الشيخ مري على زعامة (القلابات) رجل اسمه إبراهيم ود حسن قندلاوي. ويقال بأن ذلك الزعيم الجديد كان قد سير عددا من الغزوات على الحبشة وجلب منها الكثير من الغنائم من مناطق بعيدة نسبيا مثل دمبي Dembea. ولعل في هذا ما يشير إلى أن القلابات كانت على علاقة طبية مع الخرطوم. غير أن ذلك الشيخ كان قد قضى في غضون سنوات حكمه عقدا من الزمان سجينا في الخرطوم. وحل محله في تلك السنوات شيخ آخر اسمه خميس. وآب الشيخ براهيم للقلابات بعد انتهاء فترة محكوميته في عام 1856م، وتُوُفِّي بها في ذات العام متأثرا بوباء الكوليرا. وتم تعيين خميس شيخا للقلابات، غير أن خميس اُغْتِيلَ يوم تنصيبه على يد أحد أبناء الشيخ مري، واسمه أحمد، لإيمانه بأنه أحق بالزعامة، إذ أن والده كان شيخ المنطقة في سنوات مضت. واعتقلت السلطات الحكومية المصرية أحمد وأرسلته لسجن في الخرطوم، وعينت شخصا اسمه جمعة مكانه. وبعد أن أطلق سراح أحمد أفلح في الهرب إلى النجاشي Negus (أي حاكم الحبشة) الذي استقبله بترحاب. وحاول أحمد إقناع الامبراطور بتعيينه حاكما للقلابات. بيد أنه لم يصب نجاحا في مسعاه، بل بعث به الامبراطور حبيسا إلى دمبيا Dembea (تكتب الآن Dembiya، وتقع بالقرب من بحيرة تانا. المترجم). وأفلح أحمد مجددا في الفرار إلى القلابات في عام 1863م، وأُشِيعَ أنه احتفل ببلوغه القلابات بحز عنق جمعة. غير أنه ثبت لاحقا خطل ما أُشيع، إذ أن أحمد استقر في القلابات بعد أن هَمَدَ طموحه في نيل زعامة القلابات وظل على علاقة حسنة مع حاكمها جمعة.
وشهد عام 1856م مزيدا من التوتر بين الحبشة وحكومة الخرطوم. وبدأ ذلك التوتر باستلام جمعة لرسالة من حاكم الحبشة يخبره فيها بأنه قد نجح في التعامل مع شعب بشر (Beshir)، وأنه يعتزم زيارة القلابات، وأن عليه أن القيام بجمع كميات كبيرة من الذرة والعسل تكفي لجيشه القادم. وأصاب الذعر حكومة الخرطوم عندما علمت بتلك الرسالة، وأرسلت في فبراير من عام 1863م موسى باشا للقلابات قائدا لجيش مكون من 8,000 من الجنود، ومعهم مدفعين. ونجح موسى باشا في احتلال القلابات، وعاد للخرطوم عبر نهر اتبرا. ولما كانت لحاكم الحبشة خشية صحية ونافعة ومفيدة (salutary fear) من مدافع الأتراك، فقد آثر أن يبقى في معسكره جنوب بحيرة تانا مع جنوده الذين بلغ عددهم 30,000 فردا. وكان عذره في عدم تقدمه للسهل (لملاقاة الجيش القادم) هو “ضرورة تناول السمك الطازج في أيام الصَّوْم الكَبِير أو الصَّوْم الأَرْبَعِينِي Lent ” (وتلك هي أحد فترات الصيام في المسيحية، وتمتد لستة أسابيع قبل عيد القيامة. المترجم).
وفي تلك الحملة المصرية القصير شارك التكارير(1) في غزوة للقوات المصرية على جنجار في كوارا، قاما فيها بنهب كل ما وجداه في المنطقة . وبعد رحيل الجيش المصري أعلن حاكم دينكور Dunkur أنه سيجازي التكارير مضاعفا على تلك “الإهانة” التي الحقوها بالأحباش. واِرتعبَ شيخهم جمعة وقرر أن يصانع ذلك الزائر المهاب. ويبدو أن أحمد ود مري كان قد شارك أيضا في تلك الغارة على “كوارة”، ونال نصيبا من الغنائم. غير أنه تُوُفِّي بداء الجدري عند عودته للقلابات.
زار الرحالة غيوم ليجان القلابات في عام 1864م، وسجل في مذكراته عنها أن ه كان يقطنها ما بين 20,000 إلى 23,000 نسمة، يعيشون في 24 قرية، ويحدها نهر اتبرا، و”راس الفيل”، وأعالي الدندر، وسهوب دوكا، وتلال كوارا ودينكور. وذكر ليجان أن من أهم قرى القلابات المتمة (القديمة) إلى الشمال الغربي، و”الرميلي” على الطريق بين سنار والمتمة، وقرية “عبد الرسول” الواقعة على سفح تل بديع المنظر يبدو وكأنه حلمة ثدي، وتزرع فيه مساحات واسعة بالذرة. وهناك أيضا قرية “حلة الدرويش”، وقريتين أو ثلاث قَرْيات صغيرة بالقرب من دوكا فيها عدد من الآبار. ولا توجد نهيرات جارية في المنطقة الواقعة شمال دوكا. وعلى حدود ذلك الجانب توجد قرية صغيرة تتبع للمصريين، وسوق كبير يغشاه الدباينة وغيرهم من العرب لبيع ما عندهم من أقطان. ويبدو أن حدود منطقة القلابات من الناحية الشرقية كانت هي نهر اتبر، وكانت من ناحية الشمال الشرقي هي خور قاندوا. ولا يعبر سكان القلابات هذين النهرين قط. وذكر ليجان في موضع آخر من كتابه أن “مريم ووها Mariam Woha ” – وهي أول خور إلى الشرق من “أبو نخيرة” – تعد هي الحدود الحقيقية بين الحبشة (الأصلية) والقلابات. وذكر ليجان أيضا أن الحدود الأصلية كانت هي تلك الصحراء التي صنعها النيليون ومن يبادلونهم العداء مثل التكارير والدبانية والأحباش والحمران وحتى شعب الـ Base، كحماية طبيعية لهم. وكانت آخر قرية تقع على الجنوب الشرقي في تلك الأيام كانت هي قرية تندلتي Tendelti الواقعة على بعد يسير من نهر اتبرا.
ووصف ليجان سكان المنطقة بأنهم كانوا في حالة تغير وحركة مستمرة، ويزداد تعدادهم مع قدوم الكثير من المهاجرين الجدد للإقامة بها. ونتيجة لذلك ينقسم السكان إلى “مولدين” و”برانية” (ويشير الاسم لمن قدموا حديثا). وعادة ما يكون شيخ المنطقة من “المولدين”، ويختاره سكان المنطقة، ويتم تنصيبه رسميا بإجلاسه على “عنقريب الشِّيَاخَة”.
والقلابات – بحسب رأي ليجان – تُعُرِّف وتشتهر بسوقها بأكثر من ثوراتها. ويقام سوقها الأسبوعي كل يوم ثلاثاء في مساحة مفتوحة واسعة تظلها أشجار التمر هندي وتمتد من التل إلى خور نخيرة،. ولم يكن بذلك السوق الكثير من السلع الكمالية، ولكن كان يُبَاعُ فيه القطن والقهوة وشمع العسل والبغال والرقيق. وتأتي القهوة من “زيقاي Zegai ” جنة الحبشة على الأرض، وهي تتبع لدَير “ورا –كيدنا – محراب Wara – Kedana – Meherab”. واللغة التجارية (المستخدمة في الأسواق) هي العربية، وتكثر فيها التعابير الفوراوية.
أما فيما يختص بالمسترقين فقد قدر ليجان أن هؤلاء كانوا قد أُوتِيَ بهم للقلابات صيف 1862م في أربعين قافلة، وكانوا كلهم من الغلا Gallas (الأرومو). وذكر الرحالة أن الأحباش كانوا يحرصون على ألا يقدم تجار الرقيق من الجبرتة (2) على بيع المسيحيين. وكان كل من يفعل ذلك يحاكم بقطع يده اليمنى وقدمه اليسرى.
وخلف شيخ جمعة شيخ جديد اسمه صلاح إدريس، بقي في القلابات حتى طرده منها الدراويش (أنصار المهدية. المترجم) بقيادة محمد ود أرباب، فلجأ إلى الحبشة (3). ولا يُعرف الكثير عن أحوال القلابات في تلك الفترة. غير أنه من المؤكد أن ملك الحبشة كان في الأيام التي زار فيها غردون باشا الحبشة عام 1878م يعد القلابات إحدى مناطق بلاده. وإن اتسمت الفترة التي سبقت المهدية مباشرة بالهدوء النسبي في القلابات، فقد تغيرت الأحوال تغيرا كبيرا بعد تلك الفترة، إذ غدت القلابات مسرحا لمعارك أنفق فيها الدراويش الكثير من الطاقة في معارك لم يكن لها هدف واضح أو سبب معلوم، سوى العداوة المتبادلة (بين البلدين) التي كان من أهم نتائجها الهجوم على غوندار (العاصمة التاريخية للمهدية. المترجم). وربما كان لذلك الهجوم علاقة بقرار الامبراطور ميلنك تحويل عاصمته إلى أديس أبابا. ولا شك بأن تحويل العاصمة الحبشية قد أضر كثيرا بازدهار وأهمية القلابات، وجعل العلاقات بين السودان والحبشة تزداد سُوءًا.
وبالعودة للأحداث المحلية في القلابات، فقد تم في الفترة بين زيارة ليجان وعام 1883م إلغاء الحامية المصرية التي كان مركزها في دوكا، واستعيض عنها بحاميتين في القضارف والقلابات. وكان الدراويش قد حاصروا حامية القلابات في نهاية عام 1883م. غير أن جنود تلك الحامية تحالفوا مع قوات حبشية وأوقعوا هزيمة ماحقة بقوات المهدية. وبعد ذلك ألغيت تلك الحامية في فبراير من عام 1885م، ونُقلت عبر الحبشة إلى مصوع. ويبدو أن شيخ صلاح إدريس كان قد ذهب لمصوع مع تلك الحملة، وخلفه على شياخة القلابات رجل يُدعى سكر. وعندما فقد الشيخ سكر بصره لاحقا، خلفه شقيقه عبد الرحمن، الذي خلفه شقيقه شرف، وهو من دارفور، وظل شرف شيخا على القلابات حتى عام 1901م.
وفي يونيو من عام 1887م هاجمت القوات الاثيوبية بقيادة “راس آدال Ras Adal” قوات المهدية في القلابات وقتلت الأمير ود أرباب. وسرعان ما تقدمت قوات المهدية بقيادة يونس ود الدكيم نحو المنطقة، ولاحقا تحت قيادة حمدان أبو عنجة والزاكي طمل بجيش بلغ عدد أفراده 87,000 من الأنصار، وغزوا الحبشة وهزموا “راس ادال” في “دبرا سن Debra Sin” الواقعة على بعد 30 ميلا من غوندار، التي سبق لهم أن هاجموها في أغسطس من ذلك العام.
وفي غضون أيام تلك الحملة ظهرت (في أوساط جنود المهدية) قضية دينية كان يمكن أن يكون لها بالغ الأثر على الأنصار المحاربين لو كان الأحباش قد أدركوها واستثمروها لصالحهم. ويبدو أن روايات الأهالي عن تلك القضية كانت أكثر تنوعا وتفصيلا من الرواية الرسمية. وكانت القضية تتعلق بادعاء أحد الأشخاص في الجيش المهدي أنه “النبي عيسى”، وتصديق عدد كبير من الدراويش له. ويبدو أن الرجل كان قد سحرهم بقدرته على رؤية الجيوش وهي تتقدم من على بعد سحيق، وهي قدرة لم يكن لقادتهم مثلها. وأُحضر من زعم أنه “النبي عيسى” للمثول أمام الأمير “حمدان أبو عنجة”، والذي كان عظيم الشك في حقيقة الرجل. عرض عليه أبو عنجة منحه ما يريد من مطالب (مادية) معقولة، ولكنه أَبَى أن يعترف له بالنبوة. رد الرجل على الأمير بالقول بأنه ليس متسولا، وأنه (أي حمدان) سيصاب بأذى بالغ وسيندم أشد الندم إن لم يصدق بأنه “النبي عيسى”. عندها عرض عليه الأمير أبو عنجة قدحا من اللبن، وأمره بشربه والكف عن مثل تلك الترهات الكاذبة. أمسك الرجل بالقدح وسكب ما فيه على الأرض. هنا أمر الأمير بسجن ذلك المتنبئ ومن معه من الأتباع. وآثر الأمير أبو عنجة أن يستفتي السلطات في أم درمان في أمر الرجل. وتقرر بعد أخذ المشورة الدينية استتابة الرجل ومن صدقه من الأنصار. ولم يعلن التوبة غير رجل واحد من أتباع ذلك المتنبئ. أما البقية فقد أبوا التوبة وتم قتلهم شنقا. وبعد انتهاء تلك القضية استأنفت حملة المهدية زحفها نحو الحبشة.
وفي العام التالي (1888م) هزم جيش القائد الحبشي “راس آدال” جيش الأمير أبو عنجة. وبعد تلك المعركة صار “راس آدال” ملكا على قوجام (Gojjam) تحت اسم “تكلا هيمانوت Tecla Haimanot”. وتُوُفِّي الأمير أبو عنجة في القلابات عام 1889م وقُبِرَ بها. وفي ذلك العام شهدت القلابات آخر وأهم المعارك التي جرت فيها. وكان الملك الحبشي جون (يوحنا) مصمما على مواصلة انتصارات تكلا هيمانوت، واحتلال القلابات والتقدم نحو أم درمان عاصمة المهدية. وكان يريد بذلك محو العار الذي خلفته هزيمة الأنصار لهم في غوندار. وتحرك الملك بجيشه من غوندار في نهاية فبراير متجها للقلابات. وكان الأمير الزاكي طمل قد قام في تلك الأيام بتحصين المدينة وتجهيز جيش تعداده 60.000 من الأنصار. وفي التاسع من مارس بدأ الأحباش في حصار القلابات وهزموا الأنصار عند دخولهم لها. غير أن رصاصة طائشة أصابت في آخر مراحل المعركة الملك يوحنا في مقتل، فتَقَهْقَرَ جنده. وهنا انتفض الدراويش على جموع الأحباش المتراجعين وأفلحوا في الإمساك بجُثْمان الملك. وجاء في بعض روايات الأهالي أن الأنصار قسموا جسد الملك لنصفين ليسهل حمله على بغلين. وبذا كان الفوز في تلك المعركة لجيش المهدية. ويقع التل الذي جُرِحَ فيه الملك يوحنا على بعد ثلاثة أميال إلى الجنوب الشرقي من القلابات، بينما يقع الموضع الذي ظفر فيه جنود المهدية بجُثْمان الملك على بعد عشرة أميال أخرى من المكان الذي أصابته فيه تلك الطلقة الطائشة (4).
ولم تقع في القلابات بعد تلك المعركة أي حوادث جديرة بالذكر.
وفي عام 1892م أُرْسِلَ الأمير الزاكي طمل إلى القضارف والقلابات وكسلا بغرض التخطيط لصد توغل الإيطاليين في إرتريا. وبعد دراسة الموقف كان من رأي الأمير (للخليفة) أنه لا توجد أي فرصة مواتية لنجاح قواته في غزو إرتريا. عند ذلك أُمِّرَ الزاكي بالعودة لأم درمان.
وفي عام 1898م سرت شائعة عن حدوث مشاكل على حدود السودان الشمالية الغربية (للحبشة)، فتم إرسال قوة صغيرة بقيادة المقدم جي. كولنسون أفلحت في احتلال القلابات في السابع من ديسمبر من ذات العام (5).
********* ************ *************
إحالات مرجعية
1. انظر مقال “التكارير” لوالبرت اسمث وترجمة محمد عبد الله الحسين في هذا الرابط: https://tinyurl.com/3s7j9zxm
2. . انظر المقال المعنون: “عن العلاقات الخارجية بالدولة المهدية” في الرابط https://tinyurl.com/fy43djyk
3. للمزيد عن “الجبرتة” انظر في الرابط: https://tinyurl.com/7eejvx62
4. للمزيد عن الحرب بين الأحباش وجيش المهدي انظر https://tinyurl.com/rpp98au9
5. هذا الرابط لمقال في “مجلة التاريخ الأفريقي” أتى على ذكر أحداث القلابات في عهد مينلك https://tinyurl.com/bwr45pka

alibadreldin@hotmail.com
/////////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!