حكاية شيخ عبد الله أحمد أبو جلحة: سوداني متعدد الولاءات (1 – 2) .. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

مقدمة: هذه ترجمة للجزء الأول لمعظم ما جاء في مقال للإداري والكاتب البريطاني آر. سالمون عن شيخ عبد الله أحمد أبو جلحة. نُشر المقال في العدد الحادي والعشرين من مجلة "السودان في رسائل ومدونات SNR"، الصادرة في عام 1938م. وبحسب ما ورد في" معجم تراجم أعلام 


 

 

 

 

The Story of Sheikh Ahmed Abu Gelaha. A Sudanese Vicar of Bray
R. Salmon آر سالمون
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مقدمة: هذه ترجمة للجزء الأول لمعظم ما جاء في مقال للإداري والكاتب البريطاني آر. سالمون عن شيخ عبد الله أحمد أبو جلحة. نُشر المقال في العدد الحادي والعشرين من مجلة “السودان في رسائل ومدونات SNR”، الصادرة في عام 1938م.
وبحسب ما ورد في” معجم تراجم أعلام السودان” لريتشارد هيل (وترجمة سيف الدين عبد الحميد) فإن شيخ عبد الله أحمد أبو جلحة “وجيه ديني من الحوازمة، ولد في أبو حراز جنوب غرب الأبيض، درس لدى الشيخ محمد الصُّغيِّر ود الأمين في قريته ذاتها، وعلى الشيخ طه ود بشير في الرهد. عينته الحكومة المصرية قاضياً لكنه غير موقفه إلى القضية المهدوية عند شروع المهدي في حصار الأبيض. وقضى بعض الوقت قاضياً في دارفور تحت إمرة محمود ود أحمد. غير ولاءه لحكومة السودان لدى انهيار النظام المهدوي. تقاعد عن العمل عام ١٩٠٧م بعد أن عمل في محكمة الدلنج لأربع سنوات”.
أشكر الأستاذ سيف الدين عبد الحميد لتصحيحه الكثير من أسماء البشر والأمكنة التي وردت بالمقال.
المترجم
********** ********** *********
هذه حكاية الشيخ عبد الله أحمد أبو جلحة ود إبراهيم الذي تولى القضاء في أربع حكومات مختلفة. وهو الآن (أي في زمن كتابة المقال. المترجم) عالم ديني محترم في محكمة الحوازمة (أولاد عبد العال). ورويت لي قصته في الدلنج في خريف عام 1938م، حين كان ذلك الشيخ قاضيا في محكمتها، وكان في غاية النشاط على الرغم من أن عمره كان قد تجاوز الثمانين عاما. وكان يقفز على حماره ويجلس عليه معتدلا بوقار. وكان كثيرا ما يرافقني في موسم الأمطار ونحن نطوف على القرى وفرقان البقارة الواقعة بالقيزان في جنوب الأبيض.
لم يكن وصف الشيخ الكبير للأحداث التي شارك فيها أو كان جزءًا منها مطابقا للروايات المقبولة والشائعة عنها عند معظم الناس. وربما كان لمرور نصف قرن على تلك الأحداث، أو احتقاره البين لتلك الأيام الرديئة الماضية كبير الأثر في حجب حقائق تجربته الباكرة عن عينيه. ولكن، على الرغم من أن طبيعة بعض أجزاء قصة الرجل الأبوكريفية (المشكوك في صحتها) قد تقلل من قيمتها كمصدر تاريخي أصيل، إلا أن في قصة الشيخ من الاهتمامات الانسانية والأسلوب الذي يعرض سمات وخصوصيات المنطقة المحلية وسكانها، ما يكفي المؤرخ الجاد والقارئ العادي المهتم بسيكولوجية الأهالي ونَفسِيّتهم.
لكل ما تقدم فسوف أدع الشيخ الكبير – بقدر الإمكان – يروي قصته بكلماته، ولن أعلق على ما قد يرد فيها من حوادث بَعِيدة الاحْتِمَال أو مفارقة لحقائق التاريخ المقبولة.
**** **** ****
وُلِدْتُ في “أبو حراز”، الواقعة على بعد مسيرة يوم كامل إلى الجنوب الغربي من الأبيض، في حوالي عام 1270هـ، وعشت فيها حتى بلغت مبلغ الرجال، قبل نحو 15 سنة من معركة شيكان. وحيث لا يوجد الآن إلا بعض الآبار، كانت هنالك في ذلك الوقت نحو 450 ساقية بها بعض أشجار النخيل والجنائن التي زرع فيها الدناقلة البصل والقمح والفلفل والتبغ وأشجار البرتقال والليمون. ودُمِّرَتْ كل تلك السواقي والجنائن في عهد المهدية.
وكان سكان المنطقة من البديرية الدهمشية، والبديرية العياتقة (التي صحح الكاتب فيها الشيخ بالقول إن هؤلاء فرع من فروع البديرية الدهمشية) والتُّمباب، والتُّمام، والبرقد. ويعيش في المنطقة بعض الجلابة، أغلبهم من الدناقلة الذين يعملون في التجارة. وهنالك أربع قرى للدناقلة بنيت بالطوب الطيني (ذكر الكاتب هنا أن ناظر البديرية الحالي أخبره بأن هنالك قريتين فقط للدناقلة، وأن هنالك بعض السكان من كنانة). وكانت “أبو حراز” يومها مركزا للحكومة التركية، وكان بها سجن، وناظر شايقي اسمه محمد أغا رحمة، عينته الحكومة. (أضاف هنا الكاتب في الهامش أن محمد أغا هو تاجر شايقي كان يعيش في منطقة شمال الأبيض، واستطاع أن يستولى على 200 من الأبل من سكان المنطقة وقدمها للحكومة التركية التي كانت بصدد مد خط للتلغراف في غرب البلاد، وكافأته على صنيعه بتعيينه ناظرا في “أبو حراز”). وكان هناك مركز آخر أصغر في “البِرْكة”، لا يستخدم إلا في موسم الأمطار لمراقبة البقارة.
كنت وأنا في مرحلة الصبا قد تتلمذت على يد الفكي محمد الصغير ود الأمين. ولكني سافرت بعد عام 1291هـ، قبل أن أتزوج إلى الرهد لأتلقى العلم لبعض السنوات على يد العالم طه ود بشير. (أضاف الكاتب في الهامش أن ذلك العالم كان معروفا في وسط وشرق كردفان، وهو ليس من الجوامعة بل من العواطفة. وكانت له خلوة في الاندرابة الواقعة على بعد خمسة أميال شمال شرق الرهد. وكان قد فر من الخليفة في أم حجر شمال غرب تندلتي إلى جبال النوبة. غير أنه وقع في قبضة الأمير أبو عنجة والذي قطع عنقه بتقلي، وفيها دُفن).
وعند رجوعي من الرهد وجدت أن الشركسي حسن باشا قويزر- الذي كان قد بنى قلعة المديرية بالأبيض – كان قد عاد للأبيض من الخرطوم بسبب تمرد قاده صباحي ود حامد في جبال ميري. وكان صباحي هذا ملازما في جيش الزبير باشا، لكنه تمرد عليه وتركه في دارفور. ونجح حسن باشا في إنهاء التمرد واعتقال صبحي وجلبه أسيرا للأبيض. (أضاف الكاتب في الهامش أن حسن باشا حلمي كان مديرا لكردفان ثم لدارفور. ومن إنجازاته في كردفان حفر فولة في الأبيض عام 1875م).
وخاف الناس من المدير حسن باشا وأسموه (العاضي) نسبة لما كان يقوم به مع الذين يغضبونه. كان يأمر بإحضار المغضوب عليهم وحلق شعر رؤوسهم، ليقوم بعضها بأسنانه. وأعلم بأن ذلك اللقب لم يعط للرجل عبثا، فقد رأيت بعيني آثر عضة الباشا على رأس الرجل التُّمامي عيسى أبو شاولو. ونال سليمان النور، ذلك الرجل الظالم لأهله، 1000 جلدة (500 جلدة في يومين متتابعين) بأمر من حسن باشا. إِثرِ ذلك مات سليمان بعد أن نال عقابه.
وفي تلك الأيام كان ناظر الحوازمة عبد العال هو حماد أسوسة، وكان معه قاضٍ سبق لي العمل معه في التدريس بعد عودتي من الرهد. وفصل حسن باشا ذلك القاضي من عمله لعصيانه لأوامره، وعينني مكانه. وكان راتبي الشهري يبلغ عشرة ريالات (أي 200 قرشا)، يُدْفَعُ لي من خزينة الأبيض كل ثلاثة أشهر.
وكان الناظر حماد أسوسة يقيم في تلك الأيام في قريته القريبة من الحمادي، ومن فريقه في البِرْكة. وكانت هنالك قرى كثيرة حول البِرْكة. وكان الحوازمة الرواوقة يقيمون بالقرب من كوبي، ولم يكونوا حينها قد تحركوا للجنوب. وكان تاور ﻛﺮﻛﺘﻴﻠﺔ (والد سومي تامر، الشيخ الحالي) هو شيخ الحوازمة الرواوقة، وكان يدفع العشور والضرائب للحكومة عن طريق الناظر حماد أسوسة، الذي كان يدين له بالولاء، ولو عَلَى مَضَض. أما الحوازمة الحلافة فقد كانوا في الدليبة والصباغة، وكان نواي ود دفع الله هو شيخهم. وكان يدفع العشور والضرائب أيضا عن طريق الناظر حماد أسوسة.
وكانت أبقار الحوازمة عبد العال تجوب المنطقة التي هي الآن دارهم، بينما كان رقيقهم يقيمون في أرض القوز. ولم تتخط فرقانهم جنوب دبِري قط، رغم أنهم كان يغزون باستمرار جبال النوبة لجلب الرقيق، ويغزون المسيرية والحمر لنهب ماشيتهم. ويقوم فرسانهم أيضا بغزو الجنوب لصيد الزَرافات والأفيال. وكان التمام يقيمون في كازقيل، ولم يرحلوا عنها إلى علوبة إلا بعد المهدية.
وقبل خمس أعوام من بداية المهدية كان مدير الأبيض هو محمد باشا سعيد (المسمى “جراب الفول”). وغاب ذلك المدير ذات مرة عن المدينة وولى مكانه لرجل من الجعلين اسمه الياس ود أحمد أم برير. وفي ذلك الوقت كان السلطان علي كنونة هو شيخ القديات، ويقيم في المنطقة حول ملبس وبُربُر وعلوبة. وكان ذلك السلطان يرغب في توسيع مناطق حكمه، بل كان يطمع في الأبيض نفسها. وعندما غاب مدير المديرية تمرد ذلك السلطان، وانضم له تاور شيخ الرواوقة. وأنضم له أيضا الحمر والدبب والجوامعة والتكارير. وخالفهم في تمردهم شيخ الحوازمة الحلافة وأولاد عبد العال. ووقفت كل كردفان تقريبا ضد الشيخ علي كنونة. وعارضه أيضا قريبه إسماعيل الأمين والبديرية بقيادة عبد الصمد وعبد الرحيم ود الطاهر ونصري محمد (ذكر الكاتب هنا في الهامش أن عبد الصمد وأخاه عبد الرحيم طاهر كانا يعملان بصورة رسمية مع الحكومة كصائدي رقيق، ويشاركانها الربح مناصفةً).
ووقعت المعركة في عيفانات بالقرب من كوبي. وفيها قتل الشيخ علي وكل من كانوا معه تقريبا. وكانت الحكومة قد أرسلت 500 من الجنود ومعهما مدفعين ضد أي طرف يثبت أنه كان مخطئا. كانوا هؤلاء الجنود يحاربون ذلك الشيخ الذي رفض تنفيذ أوامر الحكومة وتمرد عليها. واستمرت مطاردة الشيخ على وجنده طوال اليوم، منذ طلوع الفجر إلى مغرب الشمس. وغنمت قوات الحكومة منهم الكثير من البنادق والإبل والحمير.
وكان الناظر أحمد أسوسة قد تُوُفِّيَ قبل وقت قصير من وقوع تلك المعركة. وتولى النظارة من بعده ابن أخته قطية ود الشريف أسوسة. وكنت أنا وقطية قد شهدنا تلك المعركة. ووقفت أنا بالقرب من جنود المدفعية “المدفعجية”. كانوا قد أطلقوا أربع قذائف، طارت كلها فوق رؤوس أعدائهم ولم تصبهم بأذى. والحق يقال، كانوا لطفاء مع قادة العدو، ولم يكن يرغبون في إيذائهم، إلى أن حضر أحد ضباط الحكومة وهو في غاية الغضب، وحذر المدفعجية بأنه سيقطع رقابهم إن لم يحسنوا من تهديفهم. فخاف هؤلاء وأصابت القذيفة التالية جمع كبير من جنود الأعداء وقتلت معظمهم.
أتذكر قبل سنوات طويلة من قيام تلك المعركة، وأنا في نحو العاشرة من العمر، حدثت مشكلة بين “أولا عبد العال” أنفسهم، أدت لمعركة بالقرب من جبل أبو عريف (يبعد ذلك الجبل مسافة عشرين ميلا شمال شرق الدلنج بحسب ما أضافه الكاتب في الهامش) بين دار بتي ودار جواد وأولاد غبوش. وقُتل في تلك المعارك بعض أولاد غبوش وفر الآخرون. ونشبت المعارك مرة أخرى بالقرب من الفيض، وهزم فيها “أولاد غبوش” وقُتل منهم في ذلك اليوم نحو مائة رجل. وكان سبب تلك المعارك في نظري هو حق السقيا في فولة “أم عرق” بالقرب من “أبو عريف”.
وفي تلك الأيام كانت الحكومة معتادة على إشراك كل فرقان الحوازمة (“أولا عبد العال” والرواوقة والحلافة) في فولة صغيرة عند بلكم أم صبيغة الواقعة بين كازقيل والبِرْكة. وكانوا يتسلمون عند تلك الفولة جِزْيهم (ليس واضحا إن كان المقصود هو أن الحكومة كانت تتسلم منهم ما تفرضه عليهم من ضرائب وعشور الخ. المترجم) التي كانت تشمل 100 من الرقيق و100 من البقر و1000 قطعة من الجلود، إضافة للسمن والقطع الفضية. ويُلْحَقُ المسترقون بالجيش، وفي الأبيض تقسم الأبقار على بيوت كبار زعماء المسبعات والكنجارة، الذين كانوا يوالون الحكومة.
وعندما وصل المهدي إلى قدير، أرسل لشيوخ المناطق جنوب الأبيض طالبا منهم عدم دفع أي ضرائب للحكومة، ولكنه لم يدعهم لإحداث أي ضرر أو أذى بحكامهم، بل دعاهم لمعاملتهم بالحسنى. وفي ذلك الوقت كان من اتبعوا المهدي يٌسمون “الدراويش”، غير أن الاسم تغير لاحقا إلى “الأنصار”.
وسمع مدير المديرية سعيد باشا بما فعله المهدي فأرسل إلى الشيوخ (ليسألهم عن موقفهم من المهدي). وتبرأ الشيوخ أمامه من المهدي ومن أي صلة به، وقالوا بأنهم “أبرياء”. غير أن الحكومة خشيت مما قد يحدث واستدعت كل المسؤولين للأبيض. غير أني لم أنفذ ذلك الأمر. وفي تلك الأيام قام حامد ود السنجك (قائد البديرية) بالإغارة على قبيلة منقلا في “أبو سنون” ونهب منها بعض أبقارها وسار بها مفتخرا بفعلته إلى مكان قريب من “أبو حراز” (“أبو سنون” بحسب شرح الكاتب هو جبل شهير يقع على بعد 25 ميلا شمال الأبيض على طريق سودري). وأمر ناظر الحوازمة محمد علي الشايقي البديرية بإعادة الأبقار لأصحابها، ولكنهم رفضوا أمره، وأساؤوا إليه، واصفين إياه بأنه مجرد “جلابي”، وأن المهدي قادم. ووعد مدير المديرية بإعفاء البديرية من الضرائب لثلاثة أعوام قادمة إن هم ردوا الأبقار لأصحابها وأمسكوا – هم والدناقلة – عن قتال الآخرين، وأمرهم بالإسراع في تنفيذ ما طلبه منهم. غير أن الجميع كان ينتظرون حتى تتبين لهم حقيقة المهدي. فإن كان هو “المهدي” بالفعل، فسينضمون إليه (وستفعل ذلك الحكومة أيضا). وإن لم يكن الرجل مهديا بالفعل فستقْتَله الحكومة بلا ريب.
وحمل أعضاء وفد مكون من أربعين شيخا – كنت من بينهم- رسالة من الحكومة أحضرها لنا عبد الرحيم ود الطاهر شيخ البديرية إلى الدناقلة. وتحركنا من الخور القريب من “أبو حراز” على طريق الأبيض. وبينما نحن في طريقنا إليه هاجمنا بعض الناس وقتلوا عبد الرحيم وأخاه عبد الصمد، وشيخا مهما آخر. ثم أقبل علينا عدد كبير من الدناقلة ولكن تم صدهم، وخلفوا ورائهم 500 من القتلى. وفر الباقون إلى إحدى القرى. ودمر أعدائهم جنائنهم، وقطعوا أشجار نخيلهم، وحطموا سواقيهم، بل وردموا الآبار، واقتلعوا البصل المزروع من تحت التربة. وفي صباح اليوم التالي استسلم الدناقلة، وتم العفو عمن لم يشارك في القتال. ثم أحرق كل شيء كان بالقرية التي لجأ إليها أولئك الدناقلة (شرح الكاتب هنا ببعض التوسع أسباب الخلاف على الزعامة بين الدناقلة وناظر البديرية).
وهزم المهدي جنود الحكومة في قدير وتقدم نحو جبال الكدرو. وذهبت إلى المهدي في قرية الليّونة (على بعد أميال قليلة شمال الكدرو على طريق الأبيض – دلَّامي) بينما كان في طريقه نحو الأبيض. وجدته رجلا مربوع القامة، عريض الوجه، وممتلئ الجسم، وفي أسنانه الأمامية فلجة، وله لحية ضخمة. وكان لونه شاحبا نوعا ما. كان رجلا تقيا، يداوم على قيام الليل ويكثر من البكاء في صلاته.
ولم يكن الخليفة عبد الله (وشقيقه يعقوب أمير الجيش) بغريبين عن هذه المنطقة. كانا قد قدما إلى المهدي من الغرب في الأيام الأولى في رفقة والدهما ووالد محمود، الذي غدا أميرا فيما بعد. كان محمود يومها في سن صغيرة. وكان معهم أيضا عيسى زكريا. قضوا جميعا مع فريقهم فصل الخريف في السُّنجُكاية مع موسى باجون والد العمدة الحالي ابوهم موسى. وزرعوا في ذلك الخريف في نفس المنطقة التي أقيم بها سوق الآن. كنت قد قابلتهم وهم في طريقهم للالتحاق بالمهدي. وكانوا يخفون نيتهم تلك. وفي ذلك الوقت لم يكن للخليفة غير ثور واحد وبقرة. وتوفي والد الخليفة قبل أن يكمل رحلته، في “أبو رُكبة” التي لا تبعد كثيرا عن الدويم. إلا أن الخليفة واصل المسير إلى الجزيرة أبا، حيث قابل المهدي، الذي أعطاه راية وسماه خليفته.
كان الخليفة عبد الله رجلا نحيفا وطويلا، وله لحية كبيرة، ووجه نحيل مُدَبَّب لا يخلو من شحوب. كان رجلا هادئا، لا يبادر بالكلام مع أحد، إلا أن يرد على من سأله شيئا. وكان أخوه يعقوب رجلا قوي البنيان، شاحب اللون وعلى وجهه آثار الجدري.
وتقدمنا من “الليّونة” حتى وصلنا “البِرْكة” عند الصباح الباكر، وقضينا فيها ليلتنا تلك تحت شجرة عرديب لا تزال موجودة إلى الآن. وفي صبيحة اليوم التالي بدأنا رحلة الذهاب إلى كازقيل شمالا. وسار المهدي معنا على قدميه إلى منتصف الطريق للتدليل على تواضعه. وقضينا ذلك اليوم في كازقيل وبتنا فيها تلك الليلة. وتوقفنا في اليوم التالي عند “فولة علوان”، وقضينا ليلتنا في قرية اسمها “كابا” تقع على بعد خمسة أميال جنوب غرب الأبيض. وفي الصباح اتجهنا صوب “فولة أبو صفية” القريبة من الأبيض. وأدينا صلاة الجمعة في ذلك اليوم في الطريق. وأطلق علينا جنود مدفعية الحكومة قذيفة علينا ونحن في ذلك المكان الذي صلينا فيه.
كانت الأبيض محصنة بسور ترابي يبلغ نحو مترين عرضا وثلاثة أمتار ارتفاعا. وتقدمنا للهجوم، وبلغنا قلعة المدينة حيث كان المهدي يقف تحت أقواسها. غير أن جند الحكومة صدونا فتقهقرنا نحو “فولة أبو صفية”.
وكان أحد الجعليين النافعاب (اسمه عبد الله ود إبراهيم) قد حاول في الليلة السابقة قتل المهدي عندما كان نائما في “كابا”. غير أن الست طلقات التي حاول أن يطلقها عليه لم تصبه. وقُبِضَ على عبد الله وأُحْضِرَ ليمثل أمام المهدي. سُر المهدي بالرجل، وقال لمن حوله بأن هذا “فارس”، ومنحه “راية” وجعله واحدا من الأمراء.
لم يكن لدى أنصار المهدي أي بنادق، فقد كان يَحْرِمَ استخدامها. لذا قرر أن يعمل على تجويع الحامية التي كان يحاصرها ويحقق غرضه دون اللجوء للقتال. وبالفعل استسلم من كانوا يدافعون عن المدينة بعد أن نفد ما عندهم من طعام.
ولا تزال آثار الطلقات باقية في قلعة المدينة، وهي بالطبع لم تكن من عمل الأنصار، ولكنها أطلقت عقب وفاة المهدي، عندما كان عمه الشريف محمود حاكما على الأبيض. وفي تلك الأيام تمرد الجنود السود (الذين كانوا قد تخلوا عن خدمة الحكومة) على نائب الشريف محمود، واسمه هاشم ود أحمد. (ذكر الكاتب في الهامش أن اسم ذلك الرجل في مؤلف ماكمايكل “قبائل كردفان” هو الهاشمي). وأحتمى هاشم ود أحمد بالقلعة، فأطلق عل المتمردون نيران بنادقهم عليها، حتى خرج لهم، فأحاطوا به.

alibadreldin@hotmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!