إعفاء طلاب دارفور من الرسوم الجامعية.. تكريس للغُبن أم تميز من اجل السلام…؟ .. بقلم: محمد صلاح احمد/دبلوماسي سابق

في ديسمبر من العام ٢٠١٢م فُجعت البلاد بالعثور على جثثهم اربعة من طلاب جامعة الجزيرة غرقى في احدى ترع المشروع القريبة من الجامعة، وقع الحادث المأساوي عقب تفريق الشرطة لاحتجاجات طلابية بشأن الرسوم الدراسية، كان ثلاثة من الطلاب من دارفور والرابع من الجزيرة.


سياسات التعليم في اتفاقيات السلام السابقة… البحث عن الانصاف وتهميش الاخرين
ملامح من اختلالات العدل في اعفاء رسوم طلاب دارفور لمدة ٢٥ عاما

سياسات التعليم في اتفاقية جوبا للسلام .. تكريس لامتيازات ابناء المدن الكبري في دارفور علي حساب فقراء الريف وأبناء المعسكرات

في ديسمبر من العام ٢٠١٢م فُجعت البلاد بالعثور على جثثهم اربعة من طلاب جامعة الجزيرة غرقى في احدى ترع المشروع القريبة من الجامعة، وقع الحادث المأساوي عقب تفريق الشرطة لاحتجاجات طلابية بشأن الرسوم الدراسية، كان ثلاثة من الطلاب من دارفور والرابع من الجزيرة.
شهدت نهاية ذلك العام والاعوام التالية، سلسلة من الاضطرابات في اغلب الجامعات السودانية على خلفية مطالبة بعض الطلاب من دارفور باستمرار إعفائهم من الرسوم الدراسية برغم انقضاء الفترة المنصوص عليها في اتفاقية سلام دارفور الموقعة في ابوجا ٢٠٠٦م.
وعلى سبيل المثال شهدت جامعات؛ أمدرمان الاسلامية سبتمبر ٢٠١١م / نوفمبر ٢٠١٦م، الخرطوم نوفمبر ٢٠١٢م، القران الكريم والعلوم الاسلامية- امدرمان في اكتوبر ٢٠١٥؛ الزعيم الازهري ٢٠١٢ / ٢٠١٧، السلام بابنوس مارس ٢٠١٣م، الفاشر مايو ٢٠١٣م، النيلين نوفمبر ٢٠١٣م، الإمام المهدي كوستي ٢٠١٣م، بحري ديسمبر ٢٠١٤م، سنار ديسمبر ٢٠١٤م، دنقلا أبريل ٢٠١٥م، السودان للعلوم والتكنلوجيا يونيو ٢٠١٥م، الأهلية وقبلهم في الجزيرة وغيرهم من الجامعات شهدت جميعها احداث احتكاكات بسبب الرسوم. ويكاد الأمر يتكرر بدرجات متفاوته سنوياً مع موسم التسجيل للعام الجديد.

على المستوى الشعبي، ومع تزايد الصعوبات المعيشية وسط الاسر في السودان بدأت النظرة لقرار الإعفاء الصادر في ٢٠٠٦ تتغير، اسهم سلوك البعض من طلاب الحركات المسلحة في ذلك التغيير بزيادة حدة الاستقطاب وسط القاعدة الطلابية والمجتمعات المحلية، إذ برغم مباركة الجميع لإعفاء ابناء النازحين واللاجئين من الرسوم، كان البعض، يصر على استمرار إعفاء جميع طلاب دارفور من الرسوم الجامعية، حتى من رسوم التسجيل عند القبول، وتمادي الأمر للمطالبة بشمول الاعفاء حتى طلاب الدبلومات والنفقة الخاصة، ما مثل استفزاز شديد للطلاب ولذويهم من اصحاب الدخل المحدود.
كانت المفارقة الكبيرة حينها أن الحرب تدور على أشدها في منطقتي جنوب كردفان والنيل الازرق، بينما الاصرار على استمرار إعفاء طلاب دارفور التى تتمتع باستقرار نسبي كبير، اكتفى ابناء المنطقتين بمتابعة المشهد بنبل ودهشة ولم تتفضل أي جهة بتقديم أي معاملة تفضيلية لهم.

في ذات العام (٢٠١٢م) بداء سريان وثيقة الدوحة للسلام في دارفور(٢٠١١)، بخلاف أبوجا، كانت الدوحة تقصر الإعفاء من الرسوم على ابناء النازحين واللاجئين كما سيرد تفصيله لاحقاً..

خلفية قرار الإعفاء

اتفاقية سلام دارفور- أبوجا ٢٠٠٦م

عند توقيع اتفاقية سلام دارفور في ٢٠٠٦م، تضمنت الاتفاقية، {إلغاء الرسوم المدرسية عن كافة الطلاب الجدد من دارفور على جميع المستويات لفترة خمسة أعوام؛ تخصيص ١٥٪ من القبول في الجامعات العامة في العاصمة القومية للطلاب من دارفور؛ تخصيص ٥٠٪ من القبول في جامعات دارفور للطلاب من دارفور}، وفق تفصيلات سترد لاحقاً عند المقارنة بين الاتفاقيات.
لأسباب موضوعية وللتعاطف الكبير مع أزمة الاقليم، لم تشهد النصوص الخاصة بإعفاء الرسوم معارضة تذكر، موضوعياً؛ كانت الحكومة حريصة من جانبها على تثبيت السلام الوليد في دارفور للخروج من دوامة انتقاد دولي عنيف للاوضاع في الاقليم، ولتجني ثمار اتفاقية السلام الشامل مع جنوب السودان، كما كانت قادرة، بما لها من موارد نفطية، على دعم الجامعات وتغطية الفجوة الناجمة عن اعفاء الرسوم، بالمقابل كانت حركة تحرير السودان جناح السيد/ مني اركو مناوي طرف الاتفاقية الثاني، حريصة على تقديم ”هدية“ للتنظيمات الطلابية الدارفورية ذات النفوذ القوي في الجامعات والمعسكرات للحد من مناهضتها للاتفاق ومنع استقطابها بواسطة الحركات المنافسة الرافضة للاتفاق.
مثلت النصوص الواردة في الاتفاقية بشأن الإعفاء من الرسوم الدراسية سابقة غريبة في بلد ذي ارث كبير من النزاعات واتفاقيات السلام، وبرغم تطاول الحروب في؛ جنوب السودان ٢٢ عاماً؛ وفي المنطقتين ٢٠ عاماً وفي شرق السودان لقريب من ذلك، لم يشهد طلاب تلك المناطق أو أي منطقة اخرى معاملة تفضيلية في الرسوم على أساس جغرافي منذ اعلان ثورة التعليم العالي وإلغاء مجانية السكن والاعاشة في التعليم العالي في ١٩٩٠م.
ذلك مع أن التفاوض حول وقف النزاعات سالفة الذكر كان يجري بالتزامن وفي اوقات متقاربة، ومع قصر فترة النزاع في دارفور حينها (٣ سنوات) مقارنة ببقية المناطق، لم تتضمن أي اتفاقية اخرى معاملة تفضيلية للطلاب على أساس جغرافي.
في عام الاتفاقية الاخير (٢٠١١) كانت مقدرة الحكومة المالية قد تأثرت كثيراً بانفصال جنوب السودان وخروج صادر النفط من الموازنة ولم يعد في مقدورها سداد الرسوم الدراسية لآلاف الطلاب أو الوفاء بالتزاماتها تجاه تلك الجامعات.

وثيقة الدوحة لسلام دارفور
في العام ٢٠١١ وقعت الحكومة وحركة التحرير والعدالة وثيقة الدوحة لسلام دارفور،نصت الاتفاقية هذه المرة على ( إعفاء ابناء النازحين واللاجئين في ولايات دارفور المقبولين في الجامعات القومية من الرسوم الدراسية لمدة خمسة سنوات). مع الابقاء على باقي المكتسبات الخاصة بالتعليم في الاقليم والواردة في اتفاقية ابوجا مثل النسب المخصصة للقبول في الجامعات القومية وجامعات الاقاليم ومشاركة ابناء الاقليم في ادارة الجامعات وتبنى سياسيات داعمة للتعليم في الاقليم.

مقارنة ومقاربة بين الاتفاقيتين

يظهر جلياً عند المقارنة بين النصوص الخاصة بالتعليم في اتفاقية ابوجا ووثيقة الدوحة، أن الوثيقة اتت لتثبت ما سبق الاتفاق عليه في ابوجا وتكاد النصوص تتطابق، إذ اتفقت الوثيقتان على (تخصيص نسبة ١٥٪ من القبول في الجامعات القومية و٥٠٪ من القبول في جامعات دارفور لأبناء دارفور وفق شروط المنافسة، تضمين مشاركة ابناء الاقليم في ادارات الجامعات، واستمرار اعفاء طلاب دارفور من الرسوم الدراسية لمدة خمسة سنوات )، تباينت الاتفاقيتين في التوضيح بشأن الفئة المقصودة من الاعفاء رغم اتفاقهم حول تخصيصه للمجموعة المتأثرة بالنزاع؛
وبينما تشير اتفاقية ابوجا في المادة ٨٦ من الاتفاقية الى ” إعتماد مبدأ التمييز الإيجابي لتشجيع المجموعات الدارفورية المحرومة على الإقبال على التعليم من خلال:
أ) مراعاة المرونة في تطبيق معيار الأهلية في القبول في الجامعات والمؤسسات الأخرى للتعليم العالي في السودان، و
ب/إلغاء الرسوم المدرسية عن كافة الطلاب الجدد من دارفور على جميع المستويات لفترة خمسة أعوام.”

تمضي وثيقة الدوحة في التفصيل بشأن المجموعات (المحرومة) في:
والمادة ٩١ ”تخصص ٥٠٪ من المقاعد المتاحة للقبول في الجامعات القومية في دارفور لأبناء وبنات دارفور طبقًا لشروط لجنة القبول. في الوقت نفسه ُتنشأ آلية أو لجنة لفحص حالات أولئك المتأثرين بالحرب لإعفائهم من مصاريف الجامعة لمدة ٥ سنوات.“
المادة ٩٢ ”يُعفى جميع الطلبة أبناء النازحين واللاجئين في ولايات دارفور الذين يتم قبولهم في الجامعات القومية من الرسوم الدراسية لمدة خمسة سنوات“.

بالنتيجة، ظل ابناء دارفور المتضررين من الحرب معفيون من الرسوم الدراسية لعشرة من ٢٠٠٦ – ٢٠١٦م، بينما تدور رحى الحرب على اشدها في مناطق أخرى.

وكما ورد سابقاً، أعتباراً من العام٢٠١٢ ومع انحسار الدعم الحكومي لم تكن الجامعات الحكومية قادرة على تحمل تكلفة الإعفاء من الرسوم الدراسية لعدد كبير من الطلاب، وتصاعدت الشكاوى من مدراء الجامعات وبالاخص في دارفور حيث ٥٠٪ من الطلاب معفيين من الرسوم الدراسية، لذا طالبت وزارة التعليم العالي والجامعات بالتزام وزارة المالية بسداد هذه الرسوم بدلاً عن الطلاب، ووعد وزير المالية في حينها السيد/ على محمود بالاستجابة.
كما وضعت وزارة التعليم العالي توضيحات بشأن القرار تتضمن؛ أن الإعفاء يشمل طلاب البكلريوس النظامين ضمن القبول العام فقط.

اتفاقية جوبا للسلام
في اغسطس ٢٠٢٠م، وقعت الحكومة السودانية اتفاقية سلام جوبا، مشتملاً خمسة مسارات: دارفور، المنطقتين، الشرق، الشمال، الوسط. نورد أدناه النصوص الخاصة بالتعليم في كل مسار.
وحتى لا نظلم الاتفاقية بالتعليق المسبق، نترك للقارئ الاطلاع على النصوص كما هي ثم من بعد نتناولها بالتقييم والمقارنة:

(اقتباس)
مسار دارفور
٢٩. المؤسسات التعليمية
٢٩.١ اتفق الطرفان على أن الحرب والإهمال في دارفور كان لهما أثراً مباشراً في تردي التعليم ونوعيته وتدني مستويات التحصيل الأكاديمي مما يدعو إلى إزالة هذا الخلل إعتماداً على مبدأ التمييز الإيجابي وفقاً للسياسات التالية:
٢٩.١.١ مراجعة معايير القبول للجامعات والمعاهد العليا الحكومية ووضع سياسات تعزيز التمييز الإيجابي في سياسات القبول مع تخصيص نسبة ١٥٪ في التخصصات الطبية والبيطرية والهندسية والإنتاج الحيواني، المختبرات الطبية، الصحة العامة، الأشعة، الصيدلة، والهندسة وكافة التخصصات العلمية من مجموع المقبولين في الجامعات والمعاهد العليا الحكومية في السودان وما لا يقل عن ٥٠٪ في الجامعات والمعاهد العليا الحكومية الموجودة في دارفور لصالح طلاب دارفور لفترة عشرة سنوات كحد أدنى؛
٢٩.١.٢ اتفق الطرفان على إعفاء جميع أبناء وبنات دارفور الذين يدرسون في الجامعات الحكومية بالإقليم من الرسوم الدراسية لمدة عشرة أعوام من تاريخ التوقيع علي اتفاقية السلام الشامل؛
٢٩.١.٣ اتفق الطرفان، دعماً لسياسات التمييز الإيجابي من إعفاء ابناء وبنات دارفور الذين يدرسون في الجامعات الحكومية خارج إقليم دارفور في التخصصات الطبية والبيطرية والهندسية والإنتاج الحيواني، المختبرات الطبية، الصحة العامة، الأشعة، الصيدلة، الهندسة وكافة التخصصات العلمية من الرسوم الدراسية لمدى عشرة اعوام من تاريخ التوقيع على إتفاق السلام الشامل، علي ان يستفيد المقبولون في نهاية الفترة المحددة من الاعفاء من الرسوم الجامعية حتى اكمال فتراتهم الدراسية؛
٢٩.١.٤ اتفق الطرفان على انشاء نظام اعتمادات مالية من حكومة جمهورية السودان للجامعات الحكومية بإقليم دارفور وذلك بغرض تأهيل وتحسين البيئة الجامعية وتوسعة وتوطين بعض التخصصات الهامة،
٢٩.١.٥ اتفق الطرفان على إنشاء لجنة مشتركة بين حكومة السودان الانتقالية (وزارة التعليم العالي، وزارة المالية)، والسلطات المعنية في اقليم دارفور لتقوم بالمهام التالية:
٢٩.١.٥.١ وضع سياسات محددة تهدف الى النهضة بالتعليم العالي في جامعات دارفور بما في ذلك الوضع في التخصصات ذات الصلة بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية؛
٢٩.١.٥.٢ تحدد اللجنة أسس ومعايير لإعفاء ابناء وبنات النازحين واللاجئين والرحل من الرسوم الدراسية للذين يتم استيعابهم في الجامعات الحكومية خارج اقليم دارفور؛
٢٩.٢ يتعين على حكومة السودان الاتحادية والحكومة الإقليمية وضع وتنفيذ خطط تنموية لترقية المؤسسات التعليمية في دارفور، مع تقديم المعونات والمنح الدراسية والتدريب، لإصلاح الخلل التوازني فيما يتعلق بالوصول إلى التعليم الأساسي والثانوي والجامعي في دارفور بهدف ترقية التعليم فيه وتمكينها من احتلال مكانتها في المستويات القومية للقبول في المؤسسات التعليمية والإنجاز على جميع المستويات.
٢٩.٣ يتم تخصيص نسبة ٢٠٪ من المنح الدراسية والبعثات وفرص التأهيل والتدريب في الخارج والداخل لأبناء وبنات دارفور؛
٢٩.٤ تخصيص ميزانيات لإنشاء ودعم معاهد التدريب المهني والتعليم الفني والحرفي لاستيعاب الفاقد التربوي والتسرب التعليمي؛
٢٩.٥ انشاء المدارس والمعاهد التربوية مع وضع الخطط اللازمة لمعالجة ازمة الفاقد التربوي بسبب الحرب داخل الاقليم وخارجه؛
٢٩.٦ تذليل كافة المعوقات التي تقف أمام إستخراج الشهادات الجامعية للطلاب الذين اكملوا دراستهم بالجامعات المعاهد العليا عبر إتفاقيات السلام السابقة.

اتفاق المنطقتين (جنوب كردفان والنيل الازرق)
بشأن النازحين واللاجئين
٨٢. مهام المفوضية (العودة الطوعية للنازحين/ات واللاجئين/ات):
٨٢.٨ إنشاء معاهد فنية وحرفية للتأهيل لتجسير فارق المعرفة والمهارة للنازحين/ات واللاجئين/ات وذلك بغرض رفع مساهمتهم في الإنتاج.
٨٢.٩ معالجة مشكلات التعليم بما يشمل المناهج واللغات لأبناء النازحين/ات واللاجئين/ات لمواكبة التعليم القومي مستقبلاً.
في الفصل الثالث عشر (أحكام عامة)
١٠٦. يتم إعتماد سياسات التمييز الإيجابي للقبول بالجامعات والمعاهد العليا لأبناء / بنات المنطقتين.
١٠٧.وضع السياسات اللازمة التي تكفل مجانية التعليم والسكن الجامعي الحكومي لأبناء وبنات المنطقتين بالجامعات والمعاهد العليا الحكومية بغرض تغطية نفقات طلاب / طالبات المناطق المتأثرة بالحرب من الرسوم الجامعية والسكن والإعاشة.
١٠٨. تخصيص منح دراسية شاملة جامعية وفوق الجامعية بمؤسسات التعليم القومية والأجنبية لأبناء وبنات الولاية/ الإقليم المميزين تمييزاً إيجابياً لإزالة اثار الحروب.

مسار الشرق
قضايا التعليم والتنمية البشرية
١٦. يؤكد الطرفان أن التعليم حق مكفول لكل مواطن وتتكفل الدولة بمجانية والزامية التعليم في مرحلة الاساس وتعمل على محو الأمية.
١٧. تعطي الحكومة الاتحادية الأولوية لتعزيز التعليم في كل مراحله بشرق السودان وإعطاء أهمية قصوى لتعليم البنات.
١٨. تعمل الحكومة الاتحادية على تشجيع اللغات المحلية والاحتفاء بها على أن تدرس المؤسسات الوطنية المختصة كيفية إدخالها في المنهج القومي في إطار السياسة الكلية للغات القومية الاخرى.
١٩. تعمل الحكومة الولائية / الاقليمية على فتح مدارس داخليات حسب مقتضى الحال.
٢٠. تعمل الحكومة الاتحادية والولائية / الاقليمية على تطوير ونشر التعليم المهني والحرفي بالولاية / الاقليم.
٢١. تطبيق مبدأ التمييز الايجابي لأبناء وبنات الشرق في منح التعليم العالي والمنح الجامعية الخارجية وفق سياسات ونظم التعليم العالي.
٢٢. تخصص الحكومة وصندوق الشرق جزء معلوم من موارده لسداد رسوم طلاب/ طالبات شرق السودان في الجامعات الحكومية بعد إجراء الدراسية الاجتماعية.
٢٣. تلتزم الإدارة الأهلية بشرق السودان على حث المواطنين وتشجيعهم على التعليم.

مسار الشمال
١٥- الاعتراف باللغة النوبية من ضمن اللغات القومية وتشجيعها والاحتفاء بها على أن تدرس المؤسسات الوطنية المختصة كيفية إدخالها في المنهج القومي في اطار السياسة الكلية للغات القومية الأخرى مع دعم الحكومة لإنشاء معاهد ومؤسسات تعليمية خاصة لتدريس اللغة النوبية.
١٦- تلتزم الحكومة بعمل دراسات الجدوى اللازمة ومراجعة الدراسات السابقة لإقامة مشروعات إقتصادية وخدمية لتحقيق التنمية المتوازنة والعمل على إيجاد التمويل اللازم لتحقيق الاتي:
(ج) إنشاء المؤسسات التعليمية وإعادة تأهيل المؤسسات التعليمية والصحية.

مسار الوسط (الجزيرة وسنار والنيل الابيض)
لم يرد نص ذي صلة بالتعليم.

(انتهى الاقتباس)

ملاحظات حول اتفاقية جوبا

تنص جميع اتفاقيات السلام بما فيها اتفاق جوبا على ”المواطنة بلا تمييز هي أساس الحقوق والواجبات“
ورغم ذلك انحاز الاتفاق هذه المرة لأبناء دارفور بصورة يستحيل قبولها على بقية مكونات السودان للاسباب الاتية:
– يضمن لأبناء دارفور المشاركة في التنافس العام في كل الجامعات (ولائية وقومية): ثم فوق ذلك يخصص ١٥٪ من فرص كافة المساقات العلمية في كل الجامعات لأبناء دارفور (حصراً) لعشرة سنوات وبدون رسوم.
– يعفى أبناء وبنات دارفور الدارسين بالجامعات الحكومية خارج دارفور – ال ١٥٪ وغير ال ١٥٪- في كافة المساقات العلمية من الرسوم الدراسية لعشرة سنوات، بغض النظر عن مقدرة اسرهم المالية، وفيهم من يملك مصنع أو بنك أو منجم ذهب.
– يخصص الاتفاق كوتة ثالثة لأبناء النازحين واللاجئين والرحل من دارفور تضمن لهم الاعفاء من الرسوم الدراسية لمن لم يشمله البندين السابقين. متجاهلاً الشرائح الثلاثة (النازحين – اللاجئين – الرُحل) في بقية السودان.
– عملياً يستمر الإعفاء لخمسة عشر عاماً، إذ مع النص على فترة العشرة سنوات، ألا أنه ينص على تمتع المقبولين في نهاية العشرة سنوات بالامتياز حتى نهاية فترة دراستهم.
– هكذا يكون مجموع سنوات المعاملة التفضيلية لأبناء دارفور في القبول والرسوم ٢٥ عام. (ابوجا + الدوحة + جوبا + اكمال جوبا).
– توفير اعتمادات لجامعات دارفور دون بقية الجامعات في السودان.
– برغم ما سبق، يصر المفاوضون من باقي المسارات على تضمين الاهتمام باللغة المحلية كمكسب وحيد لهم في مساق التعليم، بينما يكتفي المفاوضين من دارفور بنص المادة ١.٢٥ من اتفاق القضايا القومية ” تعتبر جميع اللغات السودانية لغات قومية يجب احترامها وتطويرها والاحتفاء بها بالتساوي“.

أولى الملاحظات، غرابة موقف المفاوض الحكومي بالنظر للتباين الشديد في الفقرات المعنية بالتعليم بين مسار وآخر، وتأتي مسئولية المفاوض الحكومي من أنه القاسم المشترك بين كل المسارات وممثل مكونات السودان الغائبة عند التفاوض، وهو المسئول الأول عن العدالة بين السودانيين إن اشتط بعضهم في الطلب. فإن كان سبب التفضيل ظروف الحرب، فالمنطقتين (جنوب كردفان والنيل الازرق) أولى به من بقية الجهات. وأن كان التهميش داعي لذلك فالشرق والمنطقتين أكثر تهميشاً من بقية الجهات. وفي البحث عن سبب لهذا الانحياز الأعمى، يصعب الفكاك من التفسير البديهي، السبب هو أن قادة التفاوض على الجانبين من دارفور.
وقَّع على الاتفاقية السيد/ حسان نصر الله علي كرار إنابة عن حكومة السودان، ويحتاج سيادته أن يتقدم اليوم ليشرح للرأي العام السبب الذي حمله على التوقيع بشكله الراهن.
الغريب كذلك، موقف حركات دارفور من شركاء الكفاح المسلح في واستصحابهم في مكاسب التعليم، إذ بينما يفرد مسار دارفور ١١ فقرة تفصيلية عن التعليم تشمل الاعفاء ونسب في مقاعد القبول والمنح ودعم الجامعات، تأتي النصوص الخاصة بالتعليم في بقية المسارات فضفاضة ومعممة جداً، وحتى عند التفصيل تسهب في قضية ثانوية مثل تعليم اللغات المحلية.
وقع ظلم شديد في الاتفاق على ولايتى جنوب كردفان والنيل الازرق، وبمراجعة بسيطة للمؤتمر الإعلامي لنتائج الشهادة السودانية منذ ٢٠١٠ وحتى ٢٠١٩، وهو متاح على اليوتيوب، يمكن معرفة أن اكثر الولايات تأثر فيها التعليم بسبب الحرب هي جنوب كردفان، حيث ظلت نسبة أول الولاية في غالب السنوات ٨٦٪ أو أقل، بينما تشارك دارفور بطالب أو أكثر ضمن المائة الأوائل في كثير من السنوات، وبخلاف ولاية وسط دارفور، حافظت أغلب الولايات على نسب فوق ٩٠٪ للثلاثة الاوائل في الولاية، بالاخص ولاية شمال دارفور في فترة الوالي السيد عثمان يوسف كبر لاهتمامه الشخصي بالتعليم (عمل معلم في السابق) .
أيضاً يمكن بالرجوع لنتائج الشهادة السودانية ملاحظة التدني الشديد في عدد الجالسين للامتحان ونسبة النجاح في ولاية جنوب كردفان، بصورة لا تقارن بولايات دارفور (حتى وسط دارفور).
الأمر الثالث ظل الولاة في دارفور والحركات المسلحة حريصين على جلوس الطلاب من المناطق خارج سيطرة الحكومة لامتحان الشهادة بصورة راتبة وبتنسيق تام، وهو ما تفتقده جنوب كردفان والنيل الازرق.
حتى على مستوى شهادة الاساس، لأكثر من مرة حاز طلاب من المعسكرات مقاعد متقدمة ضمن الطلاب الاوائل وتفوقوا حتى على اقرانهم من باقي مدن الاقليم، وذلك غير متاح في جنوب كردفان.

هل يمكن تنفيذ الاتفاق ؟

الاتفاق بشكله الحالي معيب ومخجل، ويمكن الاستدلال على ذلك بمطالبة د. الهادي ادريس عضو المجلس السيادي (احد الموقعين على الاتفاقية) بإعفاء أبناء الشرق والمنطقتين من الرسوم الدراسية رغم علمه أن الاعفاء من الرسوم لا يشملهم، والأمر الاخر المهم أن الاتفاق بصورته الحالية لا يمثل رأي كل ابناء دارفور، الذين تعف نفوس جُلّهم عن الظلم، ويمكن الاستدلال على ذلك بنصوص الاتفاقيات السابقة، والمواقف الواضحة ل د. التيجاني السيسي والسيد/ بحر ادريس ابوقردة و د. الحاج ادم يوسف وغيرهم من ابناء دارفور ورموزها في ٢٠١٢م بالتأكيد على حصر الإعفاء على المتأثرين بالحرب من ابناء دارفور.

ومع تجاوز ذلك، ليس من اليسير تنفيذ الاتفاق لعدد من العوامل والاسباب:
أولاً ليس في مقدور الجامعات إعفاء طلاب دارفور من الرسوم دون ان تتأثر بذلك في ظل الظروف التى تمر بها الجامعات من ضعف التمويل وزيادة الاعتماد على الرسوم في تسيير الجامعة، وليس بعيداً عن ذلك اعتصامات اساتذة الجامعات المتكررة امام وزارة التعليم العالي ومجلس الوزراء للمطالبة برواتب الاساتذة.
ثانياً يصعب على المالية الوفاء بتلك الالتزامات في ظل وضع السودان الاقتصادي المعروف، حتى وإن رغب د. جبريل ابراهيم وزير المالية واحد الموقعين على الاتفاق في ذلك.
ثالثاً أن الاتفاق بشكله الحالي ظالم جداً لكل اقاليم السودان الاخرى وأكثر ظلماً للمنطقتين والشرق، ولا يمكن القبول به لمجرد أن البعض يريد أن يبر ناخبيه على حساب بقية السودان.
عملياً تعتمد الجامعات الحكومية في السودان بصورة رئيسية في تسييرها على الرسوم الجامعية للطلاب، وفوق ذلك تتحمل المجتمعات المحلية عبء التنمية في الجامعات الولائية، بينما تتحمل الدولة جزء فقط من الفصل الأول، ما يعني أن الطلاب المعفيين من الرسوم سيتحمل زملاءهم تكلفة تعليمهم.

رابعاً والأهم، أن الاتفاق بشكله الحالي يرسخ العنصرية بشكل حاد في الوسط الطلابي، بالاخص في الجامعات الولائية، حيث احد اهداف القبول تحقيق الانصهار في المجتمع السوداني، فكيف لطالب فقير عائله محدود الدخل (موظف، عامل، مزارع، راعي، نظامي) أن يتقبل مبدء إعفاء زميله الغني من الرسوم لمجرد أن أحد اجداده ينحدر من منطقة ما. والنظر للطلاب عبر عدسة ( من دارفور/ من غير دارفور) بداية الطريق.

مقترحات للمضي قدماً

فات على مُوقِّعي الاتفاقية أن تطبيقها بشكلها الحالي لن يأتي بالنتيجة المرجوة تجاه تنمية الاقليم والنهوض به، وبينما يريدون إتاحة فرص اوسع في التعليم للمتأثرين بالحرب من ابناء دارفور المقيمين بها، ستكون النتيجة المؤكدة، في منافسة مفتوحة بين الجميع، ايلولة كل مقاعد ال ١٥٪ من الكليات العلمية المعفية من الرسوم الدراسية، إلى أبناء الخرطوم والمهاجر والمدن الكبيرة المنحدرين من دارفور، لأنه حتى في ظل الحرب تتاح لهم فرص افضل للتعليم الثانوي. وبالتجربة والتاريخ، يعود غالب هؤلاء الى مدنها أو المهاجر بعد انتهاء الدراسة.
حتى بين ولايات دارفور، ستجعل المنافسة المفتوحة بدون تقنين، غالب المقاعد تتجه للمدن الكبيرة (الفاشر نيالا والجنينة) على حساب زالنجي والضعين والطلاب في معسكرات النزوح واللجوء وباقي الريف في دارفور، ولاختبار تلك الفرضية، يمكن القاء نظرة مقارنة سريعة على نسب اوائل الشهادة السودانية في زالنجي والفاشر ونيالا.
واجهت الاتفاقات الماضية تحدياً لاختلاف التفسيرات، حيث تبنى الطلاب تفسير للاتفاقية يجعل كل الطلاب في كل المستويات ( نظامي، انتساب، دبلومات، خاص، جميعهم) ضِمن المعفيين من الرسوم، بالمقابل تبنت الجامعات تفسيرات مغايرة لذلك، بينما تبنت السلطة الاقليمية تفسير ثالث وهو ما طبقته على الطلاب المشمولين باتفاقية الدوحة ورغم ذلك لم يسقط مطالب الطلاب، لذا من المهم أن يلحق الاتفاق بتفسيرات واضحة منذ البداية.
استدراكاً للأمر يمكن الحاق الاتفاق بمذكرة تفسيرية تشمل، من ضمن اشياء اخرى:
• تعريف المقصود بأبناء وبنات دارفور المشمولين بالاتفاق والمعنيين بالتمييز في القبول ( حصر الامر على ابناء دارفور الجالسين لامتحان الشهادة السودانية من المدارس في دارفور، والحاصلين على شهادة الاساس من دارفور المقيمين به إقامة دائمة مثلاً، إذ المقصود تنمية دارفور)
• حصر ميزة الاعفاء من الرسوم الدراسية على المتأثرين بالحرب من نازحين ولاجئين ورحل ضمن ضوابط واشتراطات دقيقة تضمن ذلك، على أن يشمل الإعفاء جميع ابناء السودان الذين تنطبق عليهم الشروط السابقة.
• اصدار منشور يحدد بجلاء الطلاب المعنيون بالإعفاء حتى لا يترك تفسير الاتفاق لإدارات الجامعات، والاوفق تحديد جهة (مثل مفوضية اللاجئين والنازحين) تتولى اصدار وموافاة الجامعات بقوائم المشمولين بالإعفاء من الرسوم من أبناء النازحين واللاجئين على أن تتولى وزارة المالية والمفوضية رسوم هؤلاء الطلاب.
• استخدام الاليات المتاحة مثل ديوان الزكاة والرعاية الاجتماعية والمنح ومجالس الرسوم في الجامعات لتوفيق اوضاع الفئات الاكثر احتياجا من ابناء الاقليم.
• تحديد فرص القبول المخصص لابناء الاقليم على الجامعات القومية في الخرطوم (الخرطوم، النيلين، السودان، الاسلامية، بحري) فقط، وتظل المنافسة في بقية الجامعات الولائية قائمة على التنافس العام بين ابناء السودان.
• الالتماس من الجامعات الخاصة توفير منح للمتفوقين من أبناء الاقليم الجالسين للامتحان من هناك.
• زيادة فرص القبول في جامعات دارفور.
• إعادة تعريف مصطلح النازح واللاجئ في البروتكول الخاص بذلك (الفقرات ١.١ و ١.٢ ) ليتضمن المتأثرين بالنزاع في المنطقتين.

في الختام
إن كان من مصلحة الحركات في السابق ضرب الاستقرار في الجامعات لخلخلة الحكومة، فإن من مصلحتها اليوم تثبيت الاستقرار وتفادي ما يعكر صفو العملية التعليمية.
من الأهمية إجراء المعالجات حول قضايا القبول والرسوم قبل بداية العام الجامعي حتى لا توضع سوابق سيصعب التراجع عنها وحتى يتم تفادي الاثار السالبة المتوقعة.
يمثل اتفاق جوبا فرصة جيدة للوصول لسلام مستدام في كل السودان إن تم استصحاب الشواغل وتقويم الاختلالات في بعض الجوانب، ويمثل الجانب المعني بالتعليم في الاتفاقية واحد من أهم الشواغل المجتمعية لانعكاس تداعياته على اغلب الاسر في السودان. واسهاماً في تقييم هذا الشق، قدمنا الملاحظات والمقترحات سالفة الذكر.

يبقى القول، بالنظر لقوة الأذرع الطلابية للحركات وروابط طلاب دارفور بالجامعات، وحتى بالمقارنة في التحصيل العلمي والالقاب بين الموقعين على اتفاق السلام من مسار دارفور ومن بقية المسارات؛ من كل ذلك ومن غيره، يظهر جلياً أن دارفور ليست الأكثر تأثرا بالحرب من جهة التعليم وليست بالتأكيد الاكثر تهميشاً…

alweew@hotmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!