“هبت الخرطوم في جنح الدجى” .. بقلم: الهادي أحمد علي



 

 

أجل هبت الخرطوم في مارس الماسك كف أبريل من ذلك العام، هبت بغضبها المعهود، كما كانت تفعل في كل الأزمان، حين يطل في فجرها ظالم. كنا بلا فخر ولا منة شرارة تلك الثورة التي بدأت بمظاهرة طلاب جامعة امدرمان الاسلامية في يوم الثلاثاء 26 مارس 1985، والتي جابت مدينة أم درمان وتفرقت بعد أن احترقت على إثرها بكل أسف مكاتب جمعية ود نميري التعاونية بأمدرمان، غير أن المظاهرة لم تعبر الجسر لمدينة الخرطوم قلب التغيير، ولكن روحها ورائحة الدخان و”البُمبان” كانت قد ملأت الصدور في كل مكان.

في صبيحة اليوم التالي (الأربعاء 27 مارس 1985 م) تجمع طلاب معهد الكليات التكنولوجية وهم يستشعرون أنهم موعودون بيوم عظيم، كانت بداخل كل منهم خيوط من إيمان بأنهم سيكتبون في تاريخ البلاد فصلاً جديداً. أما جامعة الخرطوم فكانت مغلقة تلك الأيام ولا نقول ذلك إنكارا لدورها، ولكن للتاريخ، فقلة التوثيق لم يسلم منها حتى تاريخنا المعاصر، مما جعل الناس يخلطون الأوراق والذكريات.

خرجنا مملوئين بالحماس غير آبهين بالجلاد، كان صوت هاشم صديق و محمد الأمين يأخذنا من شارع إلى شارع:

جانا هُتاف من عِند الشارِع
قسماً، قسماً
لن ننهار
طريق الثورة
هُدى الأحرار
والشارِع ثار
وغضب الأمة اتمدد نار
والكل يا وطني حِشُود ثُوار

خرجت مظاهرتنا في ذلك اليوم عارمة كالنيل حين يغضب، كبرت بروافد أبطالُ الشوارع من “المشردين” والعمال وأصحاب الحرف الصغيرة والتجار والغبش وكافة فئات الشعب الأبي، فأكملت كسر حاجز الخوف، بل خرجت عن السيطرة حتى هاجم المتظاهرون مبنى الاتحاد الاشتراكي معقل النظام المايوي وأحرقوه، كانت أياماً مفعمة بالحماس أرتفع فيها ترمومتر الحس الوطني في ثورة من ثورات الشعب السوداني التي يعرفها وحده، ولا يشاركه فيها أحد، وتواصلت تلك المظاهرات يوميا حتى اقتلعت النظام البغيض، ليتواصل خروجنا مالئين الشوارع والليالي الساهرة مغنين مع كابلي ومحمد وردي والفيتوري العظيم:

في زمن الغربة والارتحال تأخذني منك وتعدو الظلال
وانت عشقي حيث لا عشق يا سودان إلا النسور الجبال
يا شرفة التاريخ
يا راية منسوجة
من شموخ النساء وكبرياء الرجال

تضاعفت التطلعات والآمال بغدٍ مشرق يحتاج أن يشمر الجميع السواعد للعمل. في هذه الأجواء المفعمة بالحماس والأمل، عاد الأستاذ القاسم رزق أبو القاسم إلى بلاده بعد سنوات الغربة التي كنا نحسبها طويلة بمقاييس ذلك الزمان قبل أن يعرف السودانيون النزوح بلا مدى، قال الأستاذ “أتفقنا أن نعمل عملاً متميزاً أو لا نعمل”، وقد كان، فأنشأ هو والأستاذ عبدالقادر بانقا، مكتب بانقا وقاسم ممثل آرثريونج إنترناشيونال الكائن بعمارة “التاكا”، في قلب الخرطوم وشرفة تاريخها الجميل.

وقد شاءت إرادة الله والأقدار الجميلة وشاء حظنا نحن طلاب السنة النهائية بكلية الدراسات التجارية للعام 1987 أن يلتحق الأستاذ قاسم بطاقم التدريس كأستاذ خارجي بالكلية التي تخرج منها بنجاح سارت به الركبان في زمانه، فعمل بها حين تخرجه معيداً ثم ابتعثته الكلية للدراسات العليا في المملكة المتحدة، ولكن لم تمر سنه حتى قطع النظام المايوي بعثته بكل تعسف، فأكمل دراسته بيده لا بيد أحد، وكأستاذ مشارك أوكلت له إدارة الكلية تدريس طلاب السنة النهائية مادة الإدارة المالية (Financial Management).

والواقع أن أستاذ قاسم كان من الذين حباهم الله بسطة في الجسم والروح، وبسطة في الصوت الجهوري، واللغة الإنجليزية الفخمة، لغة الغارديان والتايمز والديلي تلغراف، فكان للكلمات رنيناً وهي تخترق ذاكرتنا لتستقر إلى الأبد، فجذبت محاضراته طلاب أقسام أخرى غير معنية حسب المنهج بتلك المادة مما أضطره أن يجعلها مسائية، وأن يفتح لها القاعة الكبرى لتستوعب العدد الكبير من الطلاب وربما غير الطلاب.
نحن جيل أواخر الثمانينات نستعيد بكل فخر وإعجاب صوت الأستاذ مجلجلاً بالكثير من الأفكار والتحاليل المعمقة والعبارات الثرية واللغة الجزلة، والكثير من المسائل التي فتحت مسامات مداركنا الشابة باتساع العبارات والتصورات.

بالرغم من أن الأستاذ كان قد التحق كأستاذ غير متفرغ ولكن لم يقتصر دعمه على تقديم تلك المحاضرات التاريخية الدسمة، وإنما امتد عطاؤه في دعم الكلية ومكتبتها ماديا وعينيا وتوجيهاً ونصحا، والمشاركة في كل فعالياتها وأنشطتها، ونذكر له بكل تقدير المشاركة المشهودة في الموسم الثقافي التاريخي الكبير الذي أقامته الكلية فأدار محاضراتٍ أمَّها الكثيرون وشملت قوائم المحاضرون والمتحدثون على سبيل المثال لا الحصر الأساتذة محمد سليمان حجار وكان وقتها المراجع العام لجمهورية السودان، والحبيب الصاق المهدي، رئيس الوزراء، واللواء عثمان عبدالله وزير دفاع الفترة الانتقالية، و الدكتور حسين سليمان أبو صالح وزير صحة الفترة الانتقالية، والأستاذ عز الدين جبال وغيرهم، كما كان الأستاذ عضواً فاعلاً ومساهما وراعياً بلجنة أول حفل تخريج لطلاب معهد الكليات التكنولوجية وضم الدفعات 1985/1986/ 1987 م، وكان برعاية رئيس الوزراء الحبيب الصادق المهدي وألقى كلمة الخريجيين حينها حبيبنا عصام عيسى رجب الشاعر، وصائد “البمبان” في ثورة مارس / أبريل 1985 م المجيدة.

بعد التخرج فتح لنا الأستاذ مكتبه، ومن قبل ذلك فتح لنا قلبه، و فتح لنا كل الممكن والمستحيل، وقد كان لي شرف أن أكون من ضمن أول دفعة أستوعبها المكتب، فكان ملهماً وقائداً ومعلماً بلا تكلف ولا مبالغة، قدم لنا علمه وعصارة تجربته، بتفاصيلها المهنية والعملية التي تراكمت عبر سنوات كده في بريطانيا والسودان والسعودية، فكانت كنوز كل تلك السنوات على أطباقنا يقدمها لنا بمحبة أخوية وأبوية صادقة، فملأنا بالطموح والتفاؤل وشجعنا على مواصلة التحصيل المهني وكان يدرس بلا مقابل لطلاب الزمالة البريطانية التي التفت إليها خريجي تلك السنوات من جامعة السودان وجامعة الخرطوم وجامعة جوبا بروح موقنة بإمكانية تحصيلها بلا بعثات أو منح، فأحدث انقلابا في الطموح والمعرفة والمهنية فكانت انتفاضةً وثورةً بحق، ولم يعد خريجو المحاسبة وعالمهم من بعدها كما كان من قبل.

كما كان للأستاذ فَضلٌ كبيرٌ في فتح الطريق أمام الخريجين في العديد من المؤسسات والبنوك منها على سبيل المثال البنك الإسلامي السوداني والبنك السعودي والبنك العالمي وديوان المراجع العام ووزراة المالية والضرائب وغيرها.
ثم فتح لنا بيته على اتساع “ضَلفتي” قلبه فطعمنا وشربنا، وانمحت كل تلك الجسور والمسافات الزائفة والمتعالية التي كانت بين الأستاذ وتلاميذه، وفي حالتنا بين المخدم ومستخدميه، فأصبح لنا ولا زال الأخ الأكبر، وصديقاً وناصحاً وداعماً لنا في مسيرتنا ونحن نضع أقدامنا الرخوة على طريق الحياة العملية الوعر.

أستاذي، مع نفحات أبريل العظيم الذي يحتفل فيه شعبنا بردمِ وهدمِ الطغاة فإن أبناءك من خريجي جامعة السودان وجامعة الخرطوم وكل جامعات السودان الذين عرفوك وسمعوك يتحدثون عنك بالخير كثيرا، ويدعون الله أن يبارك في عمرك وصحتك ومالك وأولادك وأهل بيتك أجمعين، ويقولون لك أعف عنا وسامحنا في تقصيرنا وانقطاعنا كل هذي السنين، ويقولون “Sir, with love “

أستاذي لك محبَّتي وكل أبريل وأنت بخير.

الهادي أحمد علي
hadi@kasamoore.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!