آراء حول الاصداء العالمية للثورة المهدية .. بقلم محمد المصطفي موسي .. تعقيب: حامد بشري/كندا

انشغلت في الاسبوع المنصرم بقرأة موسوعة الدكتور محمد المصطفي موسي والتي سبق أن أطلع عليها عدد من الباحثين والمؤرخين وقدم لها البروفسير الباحث عبدالله علي أبراهيم وشاركه في التقديم الدكتور المؤرخ أحمد أبراهيم أبوشوك كما ورد في غلاف الكتاب . بعد أن أنهيت قرأة هذا



 

 

انشغلت في الاسبوع المنصرم بقرأة موسوعة الدكتور محمد المصطفي موسي والتي سبق أن أطلع عليها عدد من الباحثين والمؤرخين وقدم لها البروفسير الباحث عبدالله علي أبراهيم وشاركه في التقديم الدكتور المؤرخ أحمد أبراهيم أبوشوك كما ورد في غلاف الكتاب . بعد أن أنهيت قرأة هذا السفر المجيد رأيت أنه من الاهمية تعميم بعض الملاحظات علي الرغم من أن هذا المبحث لا يدخل في مجال تخصصي .
أتضح لي جلياً بعد مرور أكثر من قرن عدم معرفتي والمامي كغيري من السودانيين بمكانة هذه الثورة وقائدها أضافة الي أنه من حكم المؤكد أن محمد أحمد نفسه في ذات الوقت الذي كان منشغلاً بقيادة المعارك لم يدر أن خبر الثورة التي أشعلها ضد قوي عظمي ملأ الدنيا وشغل الناس في مشارق الارض ومغاربها حتي صار الناس خارج حدود السودان يسهمون بكتابة المقال والشعر ويتطلعون لمآلات ونتائج معارك ثورة الدراويش . قائد الثورة لم يدر بأخبار معاركه التي أثرت علي الاقتصاد العالمي نتيجة لتاثيرها علي أقتصاد الجزر البريطانية لمحدودية الامكانيات والمعارف التي كانت متاحة له في ذلك الحين . ولا غرابة أن نقرأ الاصداء العالمية للثورة المهدية حتي بعد مرور أكثر من 135 عاماً علي سقوط الخرطوم حيث كانت أخبارها تتبع في الشرق الاقصي علي حدود سنغافورة والهند ولا غرابة في أن تأخذ حيزاً من تفكير أنجليز كحركة تحررية أفريقية ووصلت الاخبار عنها الي روسيا ودول أوربية أخري كفرنسا والنمسا والمانيا علاوة علي الاثر الكبير الذي وصل الي حد المداولات في مجلس النواب البريطاني والميزانية الضخمة التي تم التصديق عليها لمجابهة المعارك والحملات ضد الثورة المهدية كما تناقلت أخبارها صحف علي ضفاف نهر المسيسبي بأمريكا . أما الاسهام الاكبر في الاعلام ومتابعة أخبار ثورة محمد أحمد المهدي فقد كان من نصيب دولة أيرلندا حيث كانت حركتها القومية تقاوم حكم الامبراطورية البريطانية فاستثمرت أنتصارات المهدي في تحفيز الايرلنديين ورفع الروح المعنوية لمقاومة حكم الطغاة الذي ظل جاسماً عليهم حوالي الالف عام . أثر الثورة المهدية لم تسلم حتي قارة أستراليا من تداول أخبارها أضافة الي ما حققته علي المستوي القومي بفضل جمال الدين الافغاني ومحمد عبده وما كان يُنشر في مجلة العروة الوثقي ومحاولات قائد الثورة أفتداءعرابي بالجنرال غردون . هذا الفتح الجديد في المعارف تثني لنا معرفته كما ذكرت عن طريق المساهمة القيمة التي أوردها الطبيب محمد المصطفي في سفره الذي ورد ذكره في مقدمة المقال .
وبالعودة الي المهدية وأثرها يتضح أن ما تضمنته المناهج الدراسية والتعليمية في موطنها لا يرقي الي مستوي الاثر العالمي لهذه الثورة التي أندلعت لمناهضة القوي الامبريالية في ذلك الوقت بقيادة دولة عظمي (أنجلترا) بدعم من الحكومة التركية والمصرية ليس هذا فحسب بل حتي وضع الثورة المحلي وبعد مرور أكثر من قرن لم يرقي لمستوي الاوطان التي تُكرم جنودها عند محاربتهم لعدوٍ خارجي مقارنة بما حظيت به من أعتراف وأثر عالمي وليس هذا يحتاج الي أدلة وبراهين وبنظرة خاطفة الي متاحفنا ودورنا الثقافية نجدها حتي الآن تفتقر الي الاثر الثقافي والعسكري لما قدمه الجنود الابطال بهزيمتهم للجيش الغازي وأقصي ما تحقق في هذا المضمار آثار قضت عليها عوامل التعرية والاهمال تتمثل في متحف يقع ببيت الخليفة بأمدرمان وأطلاق بعض أسماء القادة الذين شاركوا في حرب التحرير علي بعض الداخليات والفصول الدراسية للطلاب أضافة الي تسمية شوارع فرعية بالعاصمة بأسماء بعض القادة الذين أشتركوا في الثورة المهدية . أما في الجانب الآخر من الكرة الارضية وحتي يوم الناس هذا يواصل الباحثون في التنقيب عن أسباب نجاحات الثورة ويدفعون بأطروحات لنيل الدرجات العليا في أرقي الاكاديميات العسكرية الغربية . هذا الوضع الحرج ثقافياً وأكاديميا يفرض علينا تجديد منهج التاريخ الذي يتطرق للثورة المهدية ونفخ الروح فيه بالتنقيح وأضافة ما يراه فنيي ومتخصصي المناهج من هذه المادة الجديدة ( الأصداء العالمية للثورة المهدية ) التي أصبحت تشكل بلا شك عنصر معرفة للدارسين مستفيدين من الكم الهائل من المراجع الاجنبية التي أوردها محمد المصطفي في كتابه حتي نبث في النشئ روح التعليم والمثابرة ( 47 مصدر ، 4 رسائل جامعية ، 17 دورية ومقاله من وصحف ومجلات عالمية باللغة الانجليزية أضافة الي مصادر عربية بلغ عددها 56 مصدراً ) . هذه ليست دعوة للترويج للمهدية بقدر ما هي مؤشر لبدايات البحث العلمي الصحيح وتصحيح وتقويم الجزء البالي من مناهجنا الدراسية .
معلومة أخري جديرة بالوقوف عندها ، أذا نظرنا للنجاح العسكري الذي تحقق للثورة في الداخل نجد أن من أهم أسبابه هي الوحدة الوطنية . المهدي أستطاع أن يجمع قاده حربيين من أثنيات عرقية مختلفة . الامراء ورؤساء الرايات والمحاربيين الذين شكلوا التكوينات العسكرية لقوي الثورة المهدية وأخترقوا المربع الانجليزي عالي المقدرة العسكرية والفنية كانوا يمثلون قبائل السودان المختلفة حيث أنصهرت الوحدة القومية السودانية في بوتقة واحدة لمناهضة الغزاة والوقوف خلف القائد محمد أحمد المهدي . حاشية الكتاب توضح من أين أتي هؤلاء المحاربين والي أي المناطق والبيوتات ينتمون . كل القبائل السودانية كانت ممثلة هنالك خلف هذه الدعوة في محاربة العدو الخارجي . هذا التمثيل العرقي / الاثني/ الجغرافي أضافةً الي الكفاءة الحربية والولاء للثورة شكل الاساس للانصهار في هذه البوتقة التي كانت تعكس عنصر يمثل وحدة السودان التي أصبحت العمود الفقري لأنتصارات الثورة . وهذا درس بليغ لا زلنا نحتاج اليه اليوم حتي نعود علي ما كان عليه أجدادنا .
علمت من مصادر مختلفة أن هذا البحث أستغرق ما يربو علي السته أعوام تفرغ فيها الطبيب محمد المصطفي موسي لهذا السفر الهام بين مكتبة درم وأخريات ضمت دار الوثائق المركزية بالخرطوم فخرج بهذه المساهمة التي لا تقل عن مساهمات المؤرخين الوطنيين السودانيين ( مكي شبيكة ، أبوسليم ، القدال – ع ع أبراهيم – أبوشامة – زلفو وغيرهم ) الذين أولوا المهدية وتاريخها عنايتهم أضافة الي أنه توفرت في هذا الكتاب شروط البحث العلمي والفتح الوثائقي في المادة المطروحة وتمت الاستفادة من مصادر ومراجع أنجليزية ودوريات وصحف ومقالات لمجلات أجنبية أخري وحتي تلك التي صدرت مؤخراً في هذه الحقبة كذلك أولي المؤلف الأهتمام بالمراجع العربية علاوة علي الصياغة الواضحة والحيادية مما تم طرحه . كل هذا يجعل هذا الكتاب يرقي الي مستوي أطروحة للدكتوراة وفي هذه السانحة أتمني أن تنظر شُعب التاريخ بالجامعات السودانية المختلفة الي هذا المجهود الضخم وتوصي بمنح مؤلفه الدكتوراة الفخرية لهذه الاضافة الهامة في تاريخ السودان الحديث أسداءً لم قدمه من مساهمة في فتح آفاق جديدة للباحثين وفيما غاب عنا كسودانيين .
في هذا المقام تمتلكني الحسرة علي وفاة الامام الصادق المهدي الذي أطلع علي مسودة هذا السفر وأقترح أقامة ندوة أو سمنار حوله الا أن الايام لم تسعفه أذ لحق بالرفيق الاعلي قبل أن يسهم بدوره ويشارك برأيه وفكره شباب ثورة ديسمبر التي خرج من رحمها محمد المصطفي وهم الذين ما زالوا ينقبون يبحثون عن مآلات الثورة المهدية في الحراك والتغير العالمي . حقيقة لكل زمان رجال .
كذلك من الملاحظات التي أري أن يوليها المؤلف أهتمامه بعد أن أنجز هذا السفر الهام هو ضرورة الشروع في ترجمة هذا المجهود الي اللغة الانجليزية . أننا في هذا الظرف نحتاج فيه أكثر من أي وقت مضي لتعريف أبناءنا وبناتنا خاصة المجموعات التي رأت النور خارج الوطن وأصبحت مبعثرة بدول شتات عدة بتاريخ الابطال الذين سطروا هذه الامجاد التي أعترفت الحضارة الغربية بتلقيها الهزيمة العسكرية علي أيديهم .
حامد بشري/كندا
أبريل 2021
hamedbushra6@gmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!