إبراهيم إسحاق ومركز كليمندو: تثقيف السياسة .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

لا يغيظني شيء مثل تعليقات على مقالاتي في الفيس بوك من بنات الهامش وأبنائهم يطلبون مني الكف عن الكتابة عن مناطقهم بزعم جهلي بها. وأعيد منذ أيام نشر أعمدة قديمة لي لأتحداهم إن كانت مسائلها قد طرأت له طرياناً. فقد ظللت أكتب عن الهامش وغير الهامش ككاتب وطني لا



 

 

لا يغيظني شيء مثل تعليقات على مقالاتي في الفيس بوك من بنات الهامش وأبنائهم يطلبون مني الكف عن الكتابة عن مناطقهم بزعم جهلي بها. وأعيد منذ أيام نشر أعمدة قديمة لي لأتحداهم إن كانت مسائلها قد طرأت له طرياناً. فقد ظللت أكتب عن الهامش وغير الهامش ككاتب وطني لا يرهن قلمه لبعض الوطن دون بعضه، بل لا يأذن لجماعة سياسية أن تحتكر الحديث عن ما تسميه “هامشها”، وتكمم الأفواه الأخرى عن الخوض فيه. لقد ظللت أزكى أن ينهض الهامش لتغيير ما به بقوة لا بالقوة كما فعل بعض ناشطيه. وأردت بالنهوض بقوة أن يتواثق هذا النهوض مع طلب المعرفة بهامشك والسودان بأفضل مما نفعل. فبذلك وحده يعرف الناشط ذخائر الناس الذين انتدب نفسه لنجدتهم. وما استدبر الناشط المعرفة وركبته العزة بالبندقية انتهى به المآل إلى التطهر من الجماهير ومن ثم تأجير سلاحه للراغب كما نرى. وانتقدت على الأخص حجة مثل هذا الناشط لحمل السلاح بقوله إن البشير قال طالعوني الخلاء. فليس من شيم الثورى بناء تكتيكاته في نعرة استفزاز. وسألت: ماذا لو قال لكم البشير لن تنالوا مني شيئاً حتى ترقصوا عشرة بلدي. فالتكتيك ابتلاء يتبناه للثوري من فوق تقدير لا لطاقته فحسب بل ولطاقة الجماهير التي خرج ليناضل باسمها. وهذه حسابات فاتت على حملة السلاح من لدن قرنق إلى جبريل والعشرة الكرام.
في مناسبة رحيل الكاتب الفذ إبراهيم إسحاق أعيد نشر كلمة عن منظمة كان عزم على قيامها وهي “مركز كليمندو الثقافي”. ووجدت في قيام المركز سانحة لإذاعة مطلبي في تثقيف السياسة عندنا حتى لا يمتطيها الأشقياء. وأردت باستعادة الكلمة أيضاً أن أفحم من يقرعوننا من الكتابة عن دارفور والشرق وغيرهما. فلقد كتبنا عنها في يوم ليس دا. فجمال دارفور واستحقاقها يسعنا جميعاً. ومن أرادها لنفسه دون غيره من شح نفسه أضر بها كما هو واقع.
الأخبار التي تسر القلب عن دارفور معدومة في سوق الخرطوم. وهي في ندرة لبن الطير الذي تضرب به الأمثال. ولكن سرني من دارفور خبرين. الأول منهما هو قيام مركز كليمندو الثقافي بأم درمان الذي يقوم عليه الدكتور إبراهيم اسحاق وقد أوقف له السيد الحاج الصديق آدم عبد الله “ودعة” مالاً وعقاراً. أما الخبر الثاني فهو رواية “زول واحد”، وهو اسم إنترنت، على منبر السودانيزأونلاين بالشبكة العالمية لمواجهة طلاب دارفور للرئيس نميري لدي زيارته لنيالا في 1972.
عاد بي تأسيس كليمندو إلى عام 1980 الذي استشارني فيه حبيبنا عبد الله آدم خاطر بشأن نشر مخطوطات عن تاريخ ودارفور وثقافتها بواسطة دار الثقافة للنشر والإعلان. وكان خاطر قيماً عليها. وأعان عليها السيد محمد إبراهيم دريج. واحتلت شقة أنيقة بعمارة الأخوة بالطابق السابع بشارع أتبره (تلفون 7505 وص. ب. 42 البراري الخرطوم). وكانت دار الثقافة دارفورية الهوى بما لا يخفى بالطبع. وقد أنبني مؤنب أن كيف ارتضيت لنفسي غشيان دار عنصرية التوجه. فقلت له مرحباً بالعنصرية تستعين بدار نشر يقوم عليه ذو مزاج وادع رشيق مثل خاطر.
وكان للدار طموح آخر. فقد تبنت مشروعاً لقيام مركز إقليم دارفور للبحوث والدراسات الذي وصى بقيامه مؤتمر عقدته رابطة طلاب دارفور بالجامعات والمعاهد العليا بعد ندوة بقاعة الامتحانات بجامعة الخرطوم في فبراير 1980 تناولت موضوع “دارفور: ماذا بعد الحكم الإقليمي”؟ وصدرت عن هيئة سكرتارية المشروع ورقة عمل عنوانها “مشروع مركز دارفور للبحوث والدراسات”. والقت الورقة بتبعة خاصة على أبناء دارفور بتأصيل منهج البحث العلمي بالنظر إلى أوضاع إقليمهم الذي يستصرخ للنهضة به على أسس التخطيط والدراسة أخذاً بأسباب العلم واستخدامه في سبيل التنمية.
لا أعتقد أن المركز تجاوز حيز المشروع وورقته إلى شيء مما التزم به. وأخلى هذا يد الناشط الدارفوري من كتاب مبين ينهض به الإقليم الهامشي، زرقة وعرباً، بنظر محيط ناقد لشح المركز الذي هو بدوره هامش لعولمة معلومة. ولم يُلطف هذا النظر البحثي، لغيبته، ردة فعل دارفور على تهميشها حين استفحلت وعز النصير. فلما ضرّس الظلم بنابه الإقليم لم يجد الناشطون سبباً لرباطة الجأش، وسعة الحيلة، والصبر على المكاره (وهي طاقات مستحصلة من الحق، الذي لا يضيع، والذي يتحراه البحث العلمي ويعين عليه) حتى يفتح الله بفتحه. فاختار الناشطون منهم خطة التحرير بالقوة لا خطة التربية بقوة وصناعة التحالفات التي لا تترك هامشاً بدارفور أو بالسودان حتى استنفرته في طريق شاق قاصد نهضة البلاد بأسرها تمكيناً للذين استضعفوا في الأرض. فضيقوا باختيارهم قوة السلاح واسع قوة الشعب. وكان أفضل كتبهم بحثاً هو “الكتاب الأسود” الذي حوى بشكل رئيس طموح برجوازية الإقليم الصغيرة في قسمة جاه السودنة المتثاقلة. واستغرق هذا الأمر كما نرى حركات التحرير حتى جعلت من شعبها رهينة لتغليظ مكاسبهم من ذلك الجاه.
ونواصل حديث تثقيف السياسة عن مواجهة طلاب نيالا لنميري ومذكرتهم الواعية له عن الشأن الدارفوري.

IbrahimA@missouri.edu


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!