الفصل الثامن من كتاب: “ما وراء السودان” (2/2): الجريمة والمجرمون .. بقلم: هنري سيسيل جاكسون .. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

مقدمة: هذا هو الجزء الثاني والأخير من ترجمة للفصل الثامن من كتاب "ما وراء السودان Beyond the Sudan"، للإداري البريطاني هنري سيسيل جاكسون. نشرت دار نشر ماكميلان الكتاب في لندن عام 1955م. عمل جاكسون (1) في مجال الإدارة بالسودان لأربعة وعشرين عاما



 

 

 

الفصل الثامن من كتاب: “ما وراء السودان” (2/2)
Crime and Criminals الجريمة والمجرمون
Henry Cecil Jackson هنري سيسيل جاكسون
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مقدمة: هذا هو الجزء الثاني والأخير من ترجمة للفصل الثامن من كتاب “ما وراء السودان Beyond the Sudan”، للإداري البريطاني هنري سيسيل جاكسون. نشرت دار نشر ماكميلان الكتاب في لندن عام 1955م.
عمل جاكسون (1) في مجال الإدارة بالسودان لأربعة وعشرين عاما متصلة، وحكم مديريتي بربر وحلفا، ولخص تجربته في الحكم والإدارة في عدد من المقالات والكتب التي وصف في بعضها عادات السودانيين وأمثالهم في مختلف المديريات التي عمل فيها، وأرخ في بعضها الآخر لبعض الشخصيات السودانية مثل عثمان دقنة والزبير باشا رحمة. وقد سبق لنا نشر ترجمة لفصل في هذا الكتاب، ومقتطفات من بعض كتب ومقالات مختلفة لهذا الإداري الكاتب.
لا تخلو بعض مقولات الكاتب في هذا الجزء من عنصرية وتعميم كاسح واِستِعلاَء مَعْهُود على “الأهالي”، وينبغي قراءة تلك المقولات في سياقها التاريخي والسياسي. ولا يتبنى المترجم – بالطبع – مقولات الكاتب عن القبائل التي أتى على ذكرها.
المترجم
********** *********
لا بد أن أغلبنا – في غضون سنوات العمل في السودان – قد حكم على آلاف الأفراد، وكانت معظم تلك المحاكمات على مخالفات غير خطيرة ضد “الصحة العامة” أو سرقات بسيطة أو مشاركة في عراك بين سكارى. وكان تغييرا مرحبا به أن نصادف أحيانا قضية تخرج عن دائرة القضايا العادية. وكان عملنا كقضاة (magistrates) يزداد في أيام الندرة. وكنت في أيام مجاعة سنة 1914م أقضي كل الصباح والظهر والمساء، وأحيانا إلى الليل المتأخر في الكاملين وأبو دليق في محاكمة سرقات الماشية. فقد كانت البهائم في شمال السودان تسرح دون راعٍ أو رقيب وهي تبحث عن الكَلَأ، وتعود بصورة دورية لخيام مالكيها. وكان هذا بالطبع من الأمور التي أغرت الجياع. وصارت سرقة الأبقار من الأمور الشائعة للحد الذي دعا الحكومة لتعيين شرطة خاصة لمكافحة تلك السرقات التي كان يقوم بمعظمها (بعض رجال. المترجم) قبيلة البطاحين. وأعلنت الحكومة للكافة بأن تلك القوة الشرطية الخاصة ستظل تعمل في مناطقهم حتى تتوقف تلك الممارسة، وأنه يجب على “البطاحين” دفع مرتبات رجال تلك القوة. غير أن زعماء تلك القبيلة (التي كانت قد قاست من حكم الدراويش، وكادت أن تبيد على أيديهم) سخروا من فكرة أن تقوم الحكومة بمنعهم من السرقة، بل أعلنوا بكل سرور عدم قدرتهم على منع رجالهم من ذلك الفعل. وتبنوا في الواقع طريقة مضحكة لإظهار قلة اهتمامهم واحترامهم لتلك اللوائح الجديدة.
كنت أحاكم ثلاثة من رجال البطاحين في “أبو دليق” بتهمة فقد جمل لصَرّاف يعمل بالحكومة. وكان الجمل قد دُفِعَ دفعا ليقع في بئر كنوع من الاحتجاج ضد دفع الضرائب.
وكان المأمور (وهو أعلى مسؤول سوداني في القسم السياسي قبل حدوث التغييرات الإدارية الأخيرة) قد خشي من تهديد البطاحين له بسرق جمله، فقام بربطه خارج شرفة مسقوفة (برندة) في البيت الصغير الذي اتخذته مكتبا ومقرا للمحكمة. وكنت ساعتها أفصل في أحد القضايا. وكنت على وشك أن أصدر حكما على المتهمين الثلاثة حين سمعت جَلَبَة خارج المكتب. لقد سُرِقَ جمل المأمور المربوط على بعد ست ياردات من المكان الذي كنت أجلس فيه! وبعد ذلك تمت أذكى تحريات مرت علي، أثمرت بعد تسعة أشهر على العثور على الجمل المسروق في النهود (على بعد 500 ميل)، وتم القبض على من سرقوه. لقد كان من الصعب ألا أعجب بجُرأة البطاحين، رغم أنها كانت على حسابي.
ولا تُعتبر سرقة الأبقار عند البطاحين جريمة أو سُبّة، بل تٌعد عند النساء من باب الرجولة. وليس للشاب في ودهن نصيب إن لم يبد استعدادا ليخاطر بالسجن ويؤدي دورا قياديا في مثل تلك اللُصوصيّة. وفي الواقع ارتفعت هذه القبيلة بسرقة الأبقار إلى مرتبة فن رفيع. فالسراق لا بد أن يتلقوا تدريبا مكثفا في البداية. وكانوا يفخرون بشجاعتهم وإقدامهم لدرجة أنهم كانوا على استعداد لعمل عرض صوري (mock exhibition) لطرقهم لمن يرغب من زوارهم.
وكانوا عندما يرغبون في سرقة جمل أو عجل يقومون بدراسة كل التفاصيل اللازمة للعملية بدقة. وكان يقود تلك العمليات من وراء ستار اثنان من المنظمين لتلك السرقات، ويتم التنفيذ عن طريق وكلاء. وبُعَيدَ سرقة حيوان، يقوم واحد من الوكلاء بزيارة عادية لخيمة صاحب الحيوان المسروق وشرب القهوة معه. وفي أثناء الزيارة سيسمع الوكيل قصة السرقة، وسيسأل إن كان بمقدوره أن يعثر على الحيوان المسروق. وسيتظاهر الوكيل في البدء بعدم الاهتمام بمثل ذلك التكليف، ويزعم أنه “مشغول جدا” ولا يمكنه التفرغ لمثل تلك المهمة. ولكنه يقبل أخيرا بأن يجري بعض التحريات عن الأمر، ويستلم “البشارة” كي يجلب لهم أخبارا عن الحيوان المسروق. وتكون “البشارة” عادة جنيها أو أكثر على الحساب. وبعد أسبوع أو نحو ذلك يعود الوكيل – ليظهر أنه قام بعمل ما – ليقول لصاحب الحيوان المسروق بأنه قد شاهد حيوانا له نفس أوصاف الحيوان المسروق التي قدمت له. وتبدأ من هنا المفاوضات، وتجرى بحذر شديد، ولن ترد فيها كلمات فجة غليظة مثل “سرقة” أو “نهب”، بل يوصف الحيوان المسروق بأنه “انفرد عن القطيع وبعد عنه”. وأخيرا يتعهد الوكيل بإرجاع الحيوان المسروق، ويمنح جنيها آخر نظير مجهوده وتعبه وما أنفقه من مال في سبيل البحث عن ذلك الحيوان. ويعلم مالك الحيوان حقيقة ما حدث، ولكنه يفضل أن يقلل من خسائره وأن يطمئن (على الأقل في الوقت الراهن) من دبروا تلك السرقة. ويماثل ما ذكرنا تاريخ قديم للابتزاز في بريطانيا، حين كان المبتزون يستخلصون لأنفسهم جِزْي من صغار الملاك عند الحدود بين إنجلترا واسكتلندا مقابل حمايتهم من السرقات.
وكانت السرقات عند أولئك الناس شائعة، وكانت تدبر وتنفذ ببراعة شديدة، لدرجة أن العرب كانوا يقولون في أمثالهم ما يفيد بأنه عليك أن تعد أصابعك إن صافحت بطحاني!
***********
ذات صباح كان الباشمفتش في (طمبرة) يتناول إفطاره في كوخه عندما دخل عليه رجل زاندي مع زوجته وهو يشكوا من أن الابن الأكبر لسلطان طمبرة قد خطف (في الأصل سرق. المترجم) بنتا من والديها. وكان ذلك الابن قد أخذ والدي البنت وسار بهما لأميال عديدة في الغابة، ثم ربطهما إلى شجرة، على أمل أن يفترسهما أي حيوان في الغابة، وتخلو له البنت دون حماية. أرسلت الشرطة لاعتقال الشاب، والذي أنكر أي معرفة له بالبنت أو والديها. غير أن المفتش، الذي كان يعلم الكثير عن ذلك الشاب، كان مقتنعا بأن والدي البنت كانا يقولان الحقيقة. وكان مدركا أيضا لأن رجال الزاندي يخشون مغبة الشهادة ضد أي واحد من زعمائهم. لذا رأى أن الطريقة الوحيدة لجلب المتهم هي إخافته بشدة. فتم وضع حبل حول عنقه، وقذف بالحبل على غصن شجرة، بينما أمسك أحد الجنود المحليين بالطرف الثاني من الحبل. ثم أعلم ابن السلطان بإن عليه إحضار الشخصيين المختفيين قبل حلول الظلام، وإلا فإنه سيشنق. ورد الابن بإثارة صخب وضجة وسباب وشتم للحكومة، وأصر على أنه لا يعلم شيئا عن الشخصين المفقودين. ومر الوقت، وظل المفتش ينظر إلى ساعته والشمس تبدأ في الغروب. وكان الجندي (الذي يمسك بطرف الحبل) يتوق إلى الانتقام من الرجل نسبة لما كان يمارسه السلطان وولده من أعمال وحشية قاسية على أفراد القبيلة. وضحك ضحكة خافتة من فكرة النهاية التي ستأتي مع حلول الظلام. وبدأ ابن السلطان يدرك رويدا رويدا أن المفتش يعني ما قاله، وأنه جاد في تنفيذ تهديده. وملأ الخوف قليه فأرسل في طلب من كلفه بربط الزوجين في الغابة، وأمره بإحضارهما دون أدنى تأخير. وظل ابن السلطان خائفا يترقب خلال فترة غياب رسوله وهو يشاهد ظلال الشجرة التي سيُعدم فيها وهي تتمدد. وقبيل حلول الظلام أحضر الرسول الرجل الكبير وزوجه. وتم الحكم على ابن زعيم القبيلة بالسجن. وبعد انتهاء محكوميته سمح له بالعودة إلى قريته. وكثيرا ما كنت أتساءل عما إذا كان ذلك الابن قد صار سلطانا، وإن كان هو ذات سلطان طمبرة الذي شنق في حوالي عام 1929م لارتكابه سلسلة من عمليات القتل الوحشية.
****** ******* *********
على الرغم من أن القبائل التي تسكن على طول الحدود مع الحبشة والكونغو البلجيكي، مثل البرون (Burun) والزاندي لها معرفة واسعة بالسموم، وعلى الرغم من أنه كان يقال إن الهدندوة يقتلون عدوهم بوضع سائل شجيرات فيربيون (Euphorbia) الأبيض عديم الطعم في اللبن، إلا أنني لم أصادف حالة قتل بالسم إلا عندما ذهبت إلى وادي حلفا. وكان من المحتمل أن تمر هذه الحالة دون أن تُكْتَشَف إن لم يكن هناك دكتور بالمدينة.
في أبريل من عام 1929م تُوُفِّيَ رجل اسمه محمد بطريقة تشير إلى أنه قد يكون مات مسموما. وفي ذات الوقت أُصِيبَ رجل آخر اسمه إسماعيل بعلة، لكنه شُفِيَ منها بسبب نقله بسرعة للمستشفى لتلقي العلاج. وطلب دكتور معلوف الطبيب بمصلحة الصحة أمرا رسميا لتشريح جثة محمد، وإرسال عينات من أعضائه إلى الخرطوم لمزيد الفحص، إن لزم الأمر. وأصدرت الأمر الضروري المطلوب، على الرغم من الاحتجاجات القوية التي أبداها أهل المتوفى. وتم إرسال أعضاء المُتَوَفّى إلى الخرطوم. وكان الطبيب على ثقة من أن الرجلين التعيسين (محمد وإسماعيل) كانا ضحايا التَسْمِيم بمادة الزرنيخ. وعلى الفور بدأت تحرياتنا حول ذلك الأمر. وسرعان ما اكتشفنا أن محمد كان قد رفض الزواج من خطيبته، واسمها فاطمة، بسبب ما سمعه من تَلمِيح أحد أصحابه، واسمه مصطفى، له بأن تلك الفتاة لن تكون زوجة صالحة له. وعد والدا الفتاة (جبريل وزينوبة)، وهما من مصر، فسخ الخطوبة إِهَانَة بالغة وطعنا ماحِقا لهما. وإذا افترضنا أن محمد قد قُتل (بالسم)، فإن ما ذُكر من الممكن أن يكون هو دافع الجريمة. وبعد يوم أو يومين استلمنا برقية من الخرطوم تفيد بأن الزرنيخ قد وجد في الأعضاء التي فُحِصَتْ. وعلى الفور قمنا بتفتيش منزل جبريل وما حوله، ومنازل جيرانه. وجُمع كل ما وُجد في بيت جبريل من أكواب وأقداح ومقالي وقدور، إضافة إلى زجاجة فارغة كانت تحتوي على شراب موز وُجدت خارج بيته، وبُعِثَتْ كل تلك الأشياء للخرطوم. ووُجد لاحقا أن تلك الزجاجة الفارغة كانت تحتوي على آثار (بقايا) الزرنيخ.
وصلنا الآن إلى شيء محدد ومؤكد يمكن منه أن نواصل في البحث والتحري، وهو أن محمدا قد مات مسموما بالزرنيخ. وكان إسماعيل قد سُمم به أيضا. وعلمنا أن محمدا كان قد تشاجر مع عائلة تم العثور خارج مجمع بيوتها على تلك الزجاجة الفارغة المحتوية على بقايا الزرنيخ. وبدأت الشبكة تضيق على سكان ذلك البيت. إلا أنه لم يكن هنالك ما يمكن به تفسير سبب تسميم إسماعيل.
كان محمد قد تُوُفِّيَ في أيام عيد الفطر، وهي أيام يتزاور فيها الأصدقاء والجيران. لذا تحققنا بدقة من تحركات محمد وإسماعيل في ذلك اليوم المشؤوم. كانا قد ذهبا من بيت لبيت في صحبة مصطفى، وشربوا القهوة وأكلوا الحلويات واستمتعوا بضيافة الأصدقاء. وذهبوا أيضا لبيت جبريل على مضض، نسبة لما كان قد شَجَرَ بَيْنَ العائلتين من شقاق. ولم يكن جبريل موجودا بالبيت عندما زاره محمد وأصدقائه، ولكنه كان قد زار بيت محمد في مرات عديدة سابقة ليقنعه بالحضور لمنزله ونسيان مشاكلهما القديمة. وكان واضحا أن جبريل يريد أن يثبت دليل براءته والحصول على “دَفْع بالغياب alibi”.
ولما دخل محمد وإسماعيل ومصطفى لبيت جبريل، وجدوا فيه عددا من الناس. وعقب التحايا المعتادة، طاف عليهم صبيان من أولاد البيت وهما يحملان مشروبات في صِينِيتين، وكان في كل صِينِيّة كوب زجاجي به مشروب أصفر (شراب موز) وأربعة أكواب بها مشروبات محمرة اللون (شراب رمان). وقُدمت لمحمد صينية كان شراب الموز موضوعا عليها بطريقة كان لا بد لمحمد من أخذه. وأخذ الولد الأصغر الصينية الأخرى لمصطفى، وقد نُظمت المشروبات عليها بحيث كان من المتوقع أن يأخذ مصطفى مشروب الموز. إلا أن مصطفى ضحك عندما قدم له الولد الصغير صينية المشروبات، وقال: “ألا تعرفون العادة المحمدية؟ (1). يجب دوما أن يأخذ المرء ما هو على يمينه”. أبى مصطفى أن يتناول شراب الموز، وأخذ عوضا عنه واحدا من أكواب شراب الرمان.
تبادل الولدان النظرات. فقد كانا قد دُربا على الدور الذي كان عليهما أدائه، ولكنهما لم يكونا على استعداد للتعامل مع موقف يختلف عما تم التخطيط له. لذا قُدم عصير الموز المسموم إلى إسماعيل، الذي لم يكن له علاقة بالقضية، ولم يكن يعرف عائلة جبريل أصلا، ولم يكن ليزورها إلا إرضاءً لصديقه. غير أنه – لحسن حظه – أحس بطعم لاذع عندما بدأ في شرب ما قُدم له، فقد كانت جرعة السم في كوبه كبيرة، فتوقف عن الشرب بعد رشفة أو رشفتين.
ولم يستغرق تجميع أدلة قاطعة ضد عائلة جبريل وقتا طويلا. وكانت زينوبة (والدة البنت) هي من حرضت على جريمة قتل محمد، وكانت تلك المرأة هي أكثر مجرمة متحجرة القلب أصادفها في غضون سنوات عملي، فقد قهقهت ضاحكة وهي تستمع لوصف ما كابده القتيل قبل موته (2). واستغرق تحضير عملية القتل بدم بارد شهورا قبل تنفيذها. وتعمد جبريل وزينوبة اختيار وقت يزور فيه ضحاياهم عددا من المنازل ربما يتناولون فيها بعض الطعام والشراب الذي قد يصيبهم بمرض ما. غير أن القاتلين ارتكبا – لحسن الحظ – خطأين (وإلا ربما لأفلتا من العقاب): الخطأ الأول هو أنهما كانا قد استخدما جرعة عالية جدا من الزرنيخ، جعلت الطبيب يلاحظ على الفور أن المريض تعرض للتسميم بهذه المادة. والخطأ الثاني هو إضافتهما الزرنيخ لمشروب الموز اللزج، الذي تبقى فيه آثار الزرنيخ بتركيز يكفي لاكتشافه بالتحليل الكيماوي.
******** ********
وفي أيام كتابتي هذه لا أجد من بين كل مهامي المتعددة مهمة أكثر مَقْتا من محاكمة شخص متهم بالقتل. فالمحاكمة تجرى بلغة أجنبية، والمتهم جاهل غير مبين، وليس بمقدوره الدفاع عن نفسه وإقامة حجته، وليس له مستشار أو محامي، وليست هنالك هيئة محلفين. ويرأس المحكمة مفتش بريطاني، يعاونه عادةً ضابط مصري وواحد من كبراء السودانيين. ويقوم المأمور (الذي لم يتلق تدريبا خاصا) بتحضير الدعوى. لذا تتحمل المحكمة مسؤولية أكبر لتوضيح كل الحقائق، مقارنة بما تقوم به الآن المحكمة في إنجلترا.
وفي بعض الأحيان يرفض المتهم تماما تقديم أي التماس للمحكمة، أو أن يدافع عن نفسه (للإبقاء على حياته). وكانت هناك في عام 1918م قضية رجل عربي اُتُّهِمَ بقتل رجل آخر وجده مع زوجته في إحدى الليالي. وتطوعت المرأة القاسية الحقود – بموافقة زوجها – بتقديم شهادتها. وكانت شهادتها من الأدلة الدامغة ضد المتهم. وعضد شهادتها العثور على آثار قدمي المتهم خارج القطية. غير أن المتهم رفض تقديم أي سؤال للمرأة، بل قال: “لقد أدلت زوجتي بأقوال معينة. إنني أحبها، كما ظللت أفعل منذ سنوات، ولن أتهمها بالكذب في أمر خطير كهذا. إن كانت تحب الرجل الآخر بأكثر مما تحبني، وإن أرادت إرسالي للمشنقة، فلن أقف في طريقها. لن أنكر الدليل، ولن استدعي أي شاهد ليدافع عني”. ولم يجد القاضي بُدا، والأمر هكذا، من أن يحكم على الزوج بالإعدام. غير أني أحسست بأن بعض المعلومات المتعلقة بالحادث قد حُجِبَتْ، ولذا قمت بكتابة توصية قوية لكبير مسؤولي العدل في الخرطوم للرأفة بالمتهم. وتم قبول التوصية وتخفيض الحكم للسجن المؤبد.
وكان تنفيذ حكم الإعدام شنقا يتم عادةً في منطقة بسجن المديرية، أو في الخرطوم بحري، إن كان ذلك ممكنا. وفي كل سنوات عملي بالسودان (1907 – 1931م. المترجم) لا أستطيع أن أتذكر غير ثلاث حالات فقط للإعدام أمام الجمهور. وكانت اثنان من تلك الاعدامات عقابا على قتل باشمفتش، وكان ذلك القتل بمثابة إشارة أو بداية لانتفاضة عامة (3).
ومر وقت طويل قبل تكوين قسم خاص للتحريات الجنائية في السودان. ويجب هنا أن ننسب كامل الفضل في إنشاء هذا القسم للمسؤولين المصريين والعرب والسودانيين، الذين قاموا في سنوات حكمنا الباكرة – رغم انشغالهم بأعمال أخرى – بعمل جيد لإنشاء ذلك القسم من أجل منع واكتشاف الجرائم. وكانت العدالة في غالب الأحوال تتحقق بسرعة على الرغم من عوز التدريب المتخصص. والدليل على ذلك ما هو موثق في سجلات المحاكم، التي سأقدم الآن مثالين لها:
قام رجل في أم درمان بقتل زوجته في الساعة الرابعة صباحا في ظروف عٌرف لاحقا أنها كانت شديدة الوحشية. وبعد خمس ساعات من ارتكاب الرجل للجريمة، تم إحضاره ليمثل أمامي والدماء تغطي الكثير من جسده. وقررت تقديمه للمحاكمة بعد يومين، ورفض ما قدمه من استئناف، وتم إعدامه بعد ستة أيام من ارتكابه للجريمة.
والمثال الثاني هو لجريمة قتل حدثت في أتبرا – وهي مدينة صغيرة كان يسكنها في عام 1925م أناس من مختلف الأعراق. وفي التاسعة من صباح أحد الأيام دلف رجل نحو متجر مجوهرات ليبيع زوجين من الخلاخيل الفضية. وكان الناس كثيرا ما يأتون لذلك المتجر لرهن أو بيع حليهم الذهبية والفضية. ودخل الرجل في مساومات معتادة، وكان من الممكن للبيعة أن تتم ولكن الرجل طلب أربعة جنيهات فقط عوضا عن ثمنها الحقيقي (وهو ضعف ذلك المبلغ). وكان هذا ما أثار شك البائع، فقال للرجل أنه سيستشير صديقا له في أمر السعر. وغادر متجره، وأرسل في طلب رجل شرطة. ثم عاد في رفقة تاجر فضة من جيرانه، اسمه يوسف. وتناقش الرجلان مطولا في أمر سعر الخلخالين، وقيمة تنفيذ العمل (المصنعية workmanship)، وأفلحا في الإبقاء على الرجل حتى وصل رجل الشرطة. أخبر يوسف رجل الشرطة بأنه تعرف على طريقة صنع ذلك الخلخال، ويتذكر بأنه صنع خلاخيل لثلاثة من النسوة قبل نحو عام. وذكر أيضا أن زوجي الخلاخيل الفضية هذه ثقيلة ومتينة التصميم بصورة لافتة. وأضاف بأنه يظن بأن الخلخالين كانا قد صنعا لامرأة اسمها عائشة. ولم يقدم من أتى لبيع الخلخالين أي تفسير لكيفية حصوله عليهما. لذا ذهب الجميع لدار عائشة لمعرفة إن كانت هي بالفعل صاحبة الخلخالين، وإن كانت قد باعتهما لأحد من الناس. وجدوا أن باب بيت عائشة مغلق، فاضطروا لكسره. وعند دخلوهم وجدوا عائشة ميتة وغارقة في دمائها. ووجدوا أيضا بقعا من الماء الملطخ بالدماء على الجدران والأرضية مما يدل على أن القاتل حاول على عجل أن يزيل من على جسده آثار الجريمة. وتم لاحقا إثبات أن الرجل قد قتل عائشة في حوالي الساعة السابعة والنصف صباحا، ثم قضى ساعة ونصف في تنظيف الدم من على ملابسه. وفي هذه الحالة نجد أن الرجل قد قبض عليه في خلال نصف ساعة بعد مغادرته لبيت الضحية، وفي خلال أقل من ساعتين من ارتكابه للجريمة فعليا.
********* ************ ********
إحالات مرجعية
1. هكذا وردت في الأصل. ولعل المقصود هو التوجيه النبوي الذي ورد في الحديث: “سَمِّ اللَّه، وكُلْ بِيَمِينكَ، وكُلْ مِمَّا يَلِيكَ”.
2. انظر الأعراض الوخيمة للتسمم بالزرنيخ في موقع منظمة الصحة العالمية: https://www.who.int/ar/news-room/fact-sheets/detail/arsenic
3. تم في عام 1908م اعدام عبد القادر ود حبوبة، مع اثنين من اتباعه بحسب ما جاء في هذا المقال
https://attareeq.com/?p=10716

 

alibadreldin@hotmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!